فضل أمين الريحاني على "بنات بحري"

محمود سعيد: لا بد لي أن أعترف أن قصيدة الشاعر اللبناني أمين الريحاني التي قرأتُها في ديوانه "هتاف الأودية" هي أول من أوحى لي برسم لوحة "بنات بحري".


وعاء الذاكرة يتسع لكل دبّة نملة، ولكل رفرفة فراشة، ولكل همسة حب في أذن حبيبة، ولكل حركة موجة على شطآن المتوسط


لا تصارحوني بعذاب القبر فتخيفوني من الموت وتهددوني بجهنم فتزيدوا محنتي

لو كان الإنسان بلا ذاكرة لاستشعر الزمن وهو ينساب كماء رقراق بين يديه، ولأصبح جوالاً في الأمكنة والفضاءات الشاسعة في هذا العالم، بلا ذكريات تثقله، ولا نقائض تشطره إلى نصفين. لكني للأسف أملك ذاكرة حديدية، وما عادت تهمني أحوال الطقس، ولا مصائر هيكل سليمان بالقدس، ولا أخبار الناس أو أثمان البذل أو الخرفان، ولا أنظمة المال والأعمال، تلك أشياء ـ أمام الموت ـ لا تستحق أي حماس.
لقد رحل الأديب والمفكر عباس محمود العقاد منذ أسابيع قليلة، وقد دهشت عندما قرأت قصيدته التي يتحدث فيها عن موته، وكأنه يتحدث فيها عن موتي: 
إذا شيعوني يـوم تُقضى منيتي ** وقالـوا أراح الله ذاك المعذبا
فلا تحملوني صامتين إلى الثرى ** فإني أخاف اللحدَ أن يتهيـبا
وغنوا فإن الـموتَ كأسٌ شهيةٌ ** ومازال يحلو أن يغني ويشربا
ولا تذْكُروني بالبكاءِ وإنما ** أعيدوا على سمعي القصيد فأطربا
هذا هو إحساسي بالضبط الذي نجح العقاد في أن يصدّره لي، لذا تذكرت قصيدته وأنا ذاهب إلى موتي وقبري، وكأن لا أرض تحتويني حيّا. كما تذكرت مي زيادة وصالونها الأسبوعي الذي كان يحضره العقاد، وكنت أحضره عندما أكون موجودا في القاهرة.

استيقظت الروح في باريس عندما رأيت تمثال "ربّات الحسن" في اللوفر واستعدت قصيدة الريحاني، وقررت أن أصنع من القصيدة والتمثال لوحة للجمال المصري الذي يحيي الليالي

ولكن لا بد لي أن أعترف الآن أن قصيدة الشاعر اللبناني أمين الريحاني التي قرأتُها في ديوانه "هتاف الأودية" هي أول من أوحى لي برسم لوحة "بنات بحري". يقول الريحاني في تلك القصيدة:
على شاطئ البحر الأبيض
رأيتُ نسوةً ثلاثا يتطلعن إلى المشرق:
الشمس  كالجُلَّنار
تنبثق من ثلج يُكلِّل الجبل
امرأة في ثوب أسود
تجلَّت بفمها الباسم
امرأة في جلباب أبيض
نطق الحنان في عينها الدامعة
امرأة ترفل بالأرجوان 
في صدرها للشهوات نارٌ تتأجَّح
ثلاث نسوة يندبن تموز
يسألن هل الفجر عاد؟
يا ترى هل عاد؟!
رأيتُه في باريس
مدينة النور
يُحيي الليالي على ضوء سراج ضئيل
أفرغتُ الكأسَ
كانت الروح تستيقظ.
استيقظت الروح في باريس عندما رأيت تمثال "ربّات الحسن" في اللوفر واستعدت قصيدة الريحاني، وقررت أن أصنع من القصيدة والتمثال لوحة للجمال المصري الذي يحيي الليالي، وقد شغلني اللون الأرجواني الذي تحدث عنه الريحاني، فقررت أن أمنحه لإحدى الفتيات الثلاث، ربما لو منحته لفتاة المنتصف لكان أوفق، لأنه لون يخطف البصر. 
أعتز دائما بتلك اللوحة وقد تحدثت عنها كثيرا في الجزء الأول من "اللون العاشق" لذا لن أتحدث عنها هنا، ولكن فقط أردت أن أثبت فضل أمين الريحاني على اللوحة وعليّ، وهو ما نسيت ذكره من قبل. أما الآن فوعاء الذاكرة يتسع لكل دبّة نملة، ولكل رفرفة فراشة، ولكل همسة حب في أذن حبيبة، ولكل حركة موجة على شطآن المتوسط.  

fine arts
ثلاث نسوة يندبن تموز

وإذا كنت تذكرت أبيات العقاد التي كتبها عن موته، فتحضرني الآن أبيات أخرى للصديق الشاعر حسين عفيف الذي حضرت له محاضرة عن ما أسماه بالشعر المنثور، ألقاها فى نادي الموظفين بالاسكندرية في 13 ديسمبر 1936، يطرح فيها مفهومه لهذا الضرب من التعبير الذي يزاحم عالم النظم من خلال ارتباط النغم باللفظ، والإيقاع بالبيان الدقيق المقتصد. ولست في مجال الحديث عن الشعر المنثور، الذي دار الحديث عنه أيضا في صالون مي زيادة، ورفضه العقاد، وكان يقول لي عندما نلتقي في المجلس الأعلى لرعاية الآداب والفنون بالقاهرة، إنه يحيل مثل هذا اللون من الكتابة إلى لجنة النثر بالمجلس. ولكنه على كل حال لون انتشر في أوروبا منذ أيام بودلير ورامبو وفرلين وغيرهم. ما يهمني ما قاله عفيف بعد ذلك:
"لا تصارحوني بعذاب القبر
فتخيفوني من الموت
وتهددوني بجهنم فتزيدوا محنتي
أخفوا المقدَّر عليَّ لأقضِى في سلام
ويومئذ قد يغفر لي ربي"
فأين أنت يا مَبهج لتستمع إلى هذا الكلام؟
لمحته يمرُّ سَريعا كطيف، ولم يلتفت لي، يبدو أنه مشغول بآخرين غيري، فميعادي المتفق عليه لم يحن بعد. في هذه اللمحة الخاطفة حضر العجبُ مصابًا بالمفاجأة، حيث رأيت في عينيه لوحة "الصرخة" للفنان النرويجي إدفارد مونش، وفيها يصور شخصية معذبة أمام سماء حمراء دموية عام 1893. إننا نرى رجلاً يعكس وجهُه مشاعرَ الرعب واقفاً على جسر وهو يمسك رأسه بيديه ويطلق صرخة، على خلفية من الأشكال المتماوجة وتدرجات اللون الأحمر الصارخة.
وتعتبر اللوحة أشهر أعمال إدفارد مونش. وقد اكتسبت - رغم بساطتها الظاهرية - شعبية كاسحة خاصة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ربما يعود سبب شهرتها إلى شحنة الدراما المكثفة فيها والخوف الوجودي الذي تجسده. ففي الجزء الأمامي نرى طريق سكة حديد، وعبر الطريق نرى شخصاً يرفع يديه بمحاذاة رأسه بينما تبدو عيناه محدقتين بهلع وفمه يصرخ. وفي الخلفية يبدو شخصان يعتمران قبعتين، وخلفهما منظر طبيعي من التلال. 
كتب إدفارد مونش في مذكراته الأدبية شارحاً ظروف رسمه لهذه اللوحة: "كنت أمشي في الطريق بصحبة صديقين، وكانت الشمس تميل نحو الغروب، عندما غمرني شعور مباغت بالحزن والكآبة. وفجأة تحولت السماء إلى لون أحمر بلون الدم. توقفتُ وأسندتُ ظهري إلى القضبان الحديدية من فرط إحساسي بالإنهاك والتعب. واصل الصديقان مشيهما ووقفت هناك أرتجف من شدة الخوف الذي لا أدري سببه أو مصدره. وفجأة سمعت صوت صرخة عظيمة تردد صداها طويلاً عبر الطبيعة المجاورة". 
هل اقتنع مَبهج بأهمية اللوحات للبشرية؟ 
عموما تتعدد تفسيرات اللوحات بتعدد المشاهدين، كلٌّ يرى شيئاً قد يكون مختلفاً ولكن يبقى المعنى العام لأية لوحة، ولهذه اللوحة تحديداً، بمكوناتها الأساسية حيث تبرز معاني الرعب والخوف الشديد والألم النفسي والوحدة بشكل مكثف وإبداعي ومؤثر، فالوجه قد استطال وتشوه من شدة الخوف وملامح الوجه مطموسة نسبياً كالعينين والحاجبين والأنف، وأما الفم فهو مفتوح ويصرخ، والعينان شاخصتان بشكل مبالغ فيه واليدان تغطيان الأذنين، وبالطبع فإن وجود الشخصين القادمين يمكن أن يحمل أكثر من معنى والجسر المرتفع والهاوية تحته كذلك. أما السماء والطبيعة المحيطة والألوان الصارخة والقوية والداكنة فهي تُضفي أجواء خاصة كابوسية وغريبة. 
إنها تجربة شبه ذهانية حادة وقصيرة ولا ندري هل هذه صرخة كونية من السماء؟ أم من أعماق النفس البشرية؟ أم أنها مزيج منهما معاً؟ وهل كل هذا الرعب بسبب الصرخة التي سمعها الفنان، فأطلق صرخة رعب دفاعية هو أيضاً؟ المهم أن الفنان استطاع أن يبدع هذه اللوحة مهما كانت التفاصيل والتفسيرات والغموض الذي يحيط بها.
فهل لديك تفسير يا صديقي "مَبهج" لتلك اللوحة التي رأيتها في عينيك منذ قليل؟