فنانة تشكيلية سورية: صرنا كأوراق الخريف المتساقطة

أعمال الفنانة ميساء محمد تتميز ببساطة عميقة تغلّفها عاطفة جياشة تثير أسئلة كثيرة.


اللوحات متعددة الطبقات تراكمت في مساحات للضوء تعكس ازدواجية موجودة في مناحي الحياة


خراب حلّ بأناس تعشق الضوء والضياء

استضاف عائشة العبار آرت جاليري أعمال الفنانة التشكيلية السورية ميساء محمد التي تتميز ببساطة عميقة تغلّفها عاطفة جياشة تثير أسئلة كثيرة، فاللوحات متعددة الطبقات تراكمت في مساحات للضوء تعكس ازدواجية موجودة في مناحي الحياة "ظل نور، ليل نهار، حياة موت" في دائرة تميّز حياتنا، لها قوة غامضة تجذبنا مثل عالم الأساطير.
الأيدي، الأرجل، الملابس تتحول بعيدا مع طبقات من الواقعية ممزوجة على حد سواء مع التعبيرية والتجريدية والرمزية.. الخ. وهي بذلك تمثّل جمالية معاصرة يكمن فيها تحدٍّ في التقاط لحظات حساسة تنفجر بين التعبيرات في العينين. وكالقصائد في معالجة موضوعات الذكريات تخفيها في جو من الشجن ينقلها إلى حالة نادرة من الصفاء. 
كل لوحة تسجل فكرة، ذاكرة، تجربة، تاريخ، وتجعلنا وجها لوجه مع أنفسنا ومع عوالم الفنانة نفسها في حياتها، وكأننا نرى ما تراه. فكل شخصية لديها تدعو المشاهد إلى دراسة تفاصيل غامضة لقصة وراء اللوحة. ومواصلة استكشاف سحرها مع شخوصها ونسائها اللاتي يجلسن بجلال ومجد، وكأنهم على وشك الانتهاء من حالة تأمل متداخلة مع الموت، إحساس وجودي بالأشياء. وتبقى الفنانة وفية لفكرة الجمال والرومانسية لكنها لا تستثني القوة المعادية للتاريخ والثقافة. 
وفي هذا الحوار نتعرف على جوانب تجربة الفنانة والتأثيرات التي أحاطت بهذه التجربة.  

فن تشكيلي
ميساء محمد

تقول ميساء: "عشت بمدينة صغيرة الكل يعرف بعضه، لهذا تشكلت الحكايات غزيرة بذاكرتي لكن بشكل عشوائي، ومع الزمن صارت تتحول من الكم إلى الكيف، وظهرت طريقة جديدة بذهني للتفسير، فكانت ولادة جديدة لكل قصة، وأثناء دراستي بكلية الفنون كان عملي رسم البورتريهات". 
وتضيف "ككل الفنانين بدايتي كانت مع تقليد الطبيعة وشعرت بعد ذلك بضرورة للذهاب إلى ما بعد الطبيعة كما تراها الأعين عادية، فالآن أرسم ما أراه بكل حواسي وليس فقط نسخ ما تراه عيني، واذا كنت تعطي المدارس الفنية صفة النقلات، فإن المدارس لا تتمتع بالتماسك الذي ينسب إليها. إنني أحاول البحث في مكنون وجوهر كل شيء أراه وأحسه من خلال البحث في وجوه أشخاص لديهم قصص يرونها، والمخيلة تتيح لي أن أمضي بعيدا، فأنا أؤمن بالخرافات، وبفضل المخيلة أعطي القصص جانبية لها وجود سحري". 
وتؤكد ميساء أنها لا تنتمي لمدرسة فنية بعينها، "المدارس الفنية هي اتجاهات فنية وثورية سائدة، فلو كانت كل مدرسة تقوم على نفس الطابع، فكيف لها أن تتجدد أو حتى أن تختلف من فنان لآخر من نفس المدرسة، ومطالبة العمل الفني أن يكون ضمن نموذج محدد هذا يعني القضاء عليه، فكل عمل فني وخاصة في يومنا هذا لا بد وأن يدخل نطاق الكلية". 
وحول المواضيع التي طرحتها في لوحاتها، ومجموعتها المعنونة بـ "البحث عن الصمت"، تقول الفنانة ميساء "هي ليست حالة مباشرة أي أن أقول (اصمتوا)، كانت استقاء من فكرة ين ويانغ، الذكر والأنثى، الحياة والموت، فهما يتداخلان باستمرار ولا يتواجد الواحد دون الآخر". 
وتوضح ماهية العيون مغلقة وتشير "حين نغمض أعيننا تصبح الرؤية للأشياء أوضح، فهي كانت عندي أثناء البحث عن رؤيا لمعرفة هذا العالم الواسع، وعلى مستوى عاطفي، الرغبة بالهدوء والعودة إلى داخلنا لمعرفة السر".
وأما فيما يخص مجموعة اللوحات "ملك الأطراف"، فتلفت ميساء: كل ما يكوّننا كبشر وفي معارفنا هو حسي وعقلي، لذلك طرحت هذه الفكرة والتي كانت بالبداية مجرد أغنية سمعتها لفريق غنائي "راديو هيد"، وكان اسم الأغنية "ملك الأطراف"، وكانت هناك إشارة من الفريق بأنهم أخذوا هذا الاسم من القرآن، وحين فتشت عن معنى كلمة طرف باللغة العربية وجدتها بحرا. بشكل عام تعريف الطرف هو جزء من كل، لكن أيضا يتم استعماله في الزمان والمكان وهذا شيء شدني كثيرا للموضوع. واخترت في عملي ثلاثة أطراف "العقل، القلب، اللسان"، وهذه الأطراف الثلاثة نملكها للتعرف على الكون. وهي متصلة بشبكة معقدة من الخلايا، بالنسبة لي هذا كون عجيب، وبهم تبدأ الرحلة المعرفية الإنسانية وتحدّد عمق التجربة ويوما بعد يوم يتطور الوعي بهم ويبحث بكل جد عن صورة الكون. وكما قال القدماء "الانسان كون مصغّر" من فهمها فهم الكون كله. إن الرحلة بين أطراف "القلب، العقل، اللسان" تكوّن التفكير، الذاكرة، والخيال" وهي ما تميز وعينا وطريقة نظرتنا للوجود. 
وتذكر الفنانة ميساء أن مجموعة "حجر الدم" أو ما تعرف باسم "بلود ستون" كانت أول معرض شخصي لها في فينيسيا – إيطاليا، وتلفت إلى أن المعرض في بلد الفن إيطاليا كان تجربة غنية. و"حجر الدم" هو حجر قديم كان البابليون قديما يعتقدون بأن له قدرات سحرية تحميهم من أعدائهم، وكأنني استحضر تلك التمائم وأعطيها القوة لحماية بلدي من هذا الوضع الرهيب الذي تعانيه من دمار تاريخي وثقافي، فهما الإرث الأكبر الذي يخلق لنا الإيقاع الحقيقي للحياة، وحتى لا تنقطع صلتنا بالقوة النابضة فيهما، نستشعر الذبذبة الكامنة في جوهر الأشياء، كل الأشياء التي تنبض بداخلها طاقة الحياة حتى لا يطالنا الفناء أبدا. 
نعم لقد صرنا كما أوراق الخريف المتساقطة، تعصف بنا الرياح، خراب حلّ بأناس تعشق الضوء والضياء، وغابت الأشجار في وحشة الطرق، وطعم ذلك الرماد بقي عالقا في أفواهنا.

وعن مجموعتها الأخيرة "مقام الصبا" تقول ميساء: في البداية كنت أرصد وجوها وقصصا لأناس عاشوا هذه الحرب، ثم شعرت بالرعب من التدمير المقصود لثقافتنا وتاريخنا، تدمير بكل ما في الكلمة من معنى بداية من فلسطين ثم العراق ثم سوريا ولا ندري بعد ذلك من عليه الدّور. حاولت منح طاقة ممكنة لهذه الثقافة التي يحاول البعض دفنها من خلال لوحات "مقام الصبا"، هذه المجموعة التي حاولت فيها أن أزاوج بين المعنى والنغم بحيث يذوب كليا في تشكيل اللوحة وتبقى صلات متبادلة بينهما بدلا من أن يختفي.
وترى اختيار اسم "مقام الصبا" توافق مع شعور يشبهنا "علميا هو مقام خاطئ لكن حين تسمع الآلات تعزفه يأتيك صوت الشجن الملموس في المقام".
وتشير ميساء إلى أنها حين ترسم البورتريه "دائما أكون في حالة بحث عن التقاط جوهر الإنسان واختراق ما هو أمامي لأرسم ما أراه من دراما في حياة هذا الإنسان. اختياري لعنصر المرأة هو فقط لأنها تحمل ميزة الخلق". 
وتؤكد ميساء أن الواقع اليومي للإنسان السوري اليوم واقع مأساوي تشكل من حرب لعينة دفع ثمنها الإنسان السوري بما فيهم الفنانون، حرب تحاول اغتيال وتدمير الإنسان والتاريخ، ولكن دعنا نقول إن سوريا اليوم تعيش أوقات تحدٍّ، من رمادها ستنبعث قوة إلى ما لانهاية، وبالنسبة لي وككل الفنانين التي عانت بلادهم من ويلات الحروب صار هذا الواقع عنصرا فرض نفسه على العمل الفني، وفي الفترة الأخيرة كنت في كيان حسي في عالم الدمار الذي جاء إلى المنطقة، ركزت على الهوية، الأسطورة أو أي حلم غريب. وأنا قلقة وخائفة على مقتل هويتنا لما هناك من محاولات لتدمير الانسان، الثقافة، والمعرفة. 
في الأعمال الاخيرة حاولت اختزال العنصر الجمالي من تاريخنا وتراثنا والألعاب الشعبية المرافقة للطفولة. رغبة البشرية في إيجاد معنى للوجود خلقت حاجة هائلة إلى سرد شامل في أذهاننا. نخلق الوجود كأبطال أو آلهة أو مهرجين. في مجال عملي أحاول أن أرسم هكذا مشهد.