قادة 'الحركة الخضراء' ورقة النظام الإيراني الأخيرة بعد القمع

رئيس الوزراء الإيراني الأسبق مير حسين موسوي وزوجته زهراء رهنورد، والإصلاحي مهدي كروبي يعيشون تحت الإقامة الجبرية بعد أن قادوا احتجاجات "الحركة الخضراء".


عدد الإيرانيين الذين يرزحون تحت خط الفقر وصل 50 مليون شخص


الخلافات بين التيار المتشدد وأحمدي نجاد عززت الشكوك حول تزوير انتخابات 2009 لصالح الأخير


الإصلاحيان مير حسين موسوي ومهدي كروبي وضعا تحت الإقامة الجبرية منذ 2011


قتل مئات الأشخاص واعتقل الآلاف في حملة الحكومة لقمع مظاهرات الحركة الخضراء

طهران - قبل عشر سنوات، أثارت إعادة انتخاب الرئيس محمود أحمدي نجاد موجة احتجاجات وتظاهرات هزّت الجمهورية الإسلامية الإيرانية على مدى أشهر طويلة.

خلال 19 شهراً، تتالت تظاهرات المحتجين والاحتجاجات المضادة الداعمة للسلطة في المدن الكبرى في البلاد، ما جعل البلاد "على حافة الهاوية"، وفق ما قال في وقت لاحق المرشد الأعلى للجمهورية آية الله علي خامنئي.

وعلى مرأى العالم بأسره، كادت "الحركة الخضراء" التي بدئها الجناح الإصلاحي بتظاهرات صامتة ضد إعادة انتخاب أحمدي نجاد، الرئيس المحافظ المتشدد، مطالبة بإعادة فرز الأصوات، أن تتحول إلى صراع غير متساو بين المحتجين وقوات الأمن.

وفي عصر الإنترنت والهواتف الذكية، ساهم الانتشار السريع لصور الأحداث في تحويل الاحتجاجات ضد ما اعتبره المعارضون تزويرا انتخابيا إلى حركة تندد بالقمع.

لكن تصميم السلطة التي لم تكن ترى في الحركة سوى محاولة "انشقاق"، نجح أخيراً في القضاء عليها.

وقال الصحافي والناشط الإصلاحي أحمد زيد آبادي الذي أوقف غداة الانتخابات، "بالنسبة للتاريخ، ستبقى هزيمة الحركة الخضراء محفورةً كحدث مرير ترك مناصريها محبطين للغاية جداً".

ويعتبر المحلل والسياسي المحافظ أمير محبيان أن الوضع في إيران تغير بشكل كبير منذ أن "أدركت الدولة" عام 2009 أن "المعارضة وأميركا"، العدوة اللدودة للجمهورية الإسلامية، تقفان خلف الاضطرابات. ويقول إن لهذه الأسباب استخدمت الدولة "كل وسائلها لاستعادة السيطرة على الوضع".

وشهدت الحملة الانتخابية عام 2009، وهي إحدى الحملات الأكثر حيوية التي عرفتها الجمهورية الإسلامية، مواجهة بلا هوادة بين المرشحين، خصوصاً بعد المناظرة المتفجرة بين أحمدي نجاد ومنافسه الرئيسي مير حسين موسوي.

وبلغت المشاركة في يوم الانتخابات، الجمعة 12 حزيران/يونيو 2009، نسبة 85 بالمئة رسمياً، ما دفع إلى تمديد عمليات التصويت إلى وقت متأخر ليلاً في الكثير من المدن.

منذ الصباح، لاحظ الإيرانيون في ذلك اليوم أمرا غير طبيعي: وقف خدمة نظام المراسلة الهاتفية.

واشتكى الإصلاحيون بسرعة من أن عدداً من المراقبين لم يتمكنوا من دخول مراكز الاقتراع. وفي وقت لاحق، أغلقت قوات الأمن عدداً من المقار التابعة لموسوي في طهران.

وعقد هذا الأخير مؤتمراً صحافياً ليلا بعد انتهاء عملية الاقتراع أعلن خلاله انتصاره، وحذّر من أن أي معلومة مخالفة لذلك ستكون مؤشراً على تزوير.

عشر سنوات على "صيف طهران" المأساوي
عشر سنوات على "صيف طهران" المأساوي

وبحسب النتائج الرسمية، فاز أحمدي نجاد بحصوله على نسبة 63 بالمئة من الأصوات. وما هي إلا ساعات قليلة حتى عمّت تظاهرات غاضبة طهران، وبعدها مدنا كبيرة أخرى.

بعد النشر المفصل للنتائج، ندّد الإصلاحيون بعدد من المخالفات، الأمر الذي زاد من الاتهامات بالتزوير.

في 14 حزيران/يونيو 2009، أثار أحمدي نجاد غضبا عندما وصف المحتجين بـ"الأوغاد" أثناء تجمع احتفالاً بانتصاره.

ودعا موسوي والمرشح الإصلاحي الآخر مهدي كروبي اللذان حصلا على التوالي على 34% و1% من الأصوات - إلى تظاهرة مضادة في 15 حزيران/يونيو.

 كان التاريخ يوم خميس سارت خلاله حشود هائلة بصمت في طهران حتى ساحة أزادي (الحرية)، ورفع المتظاهرون لافتات كُتب عليها "أين صوتي؟" وأعلاماً خضراء، لون حملة موسوي.

وتوالت التظاهرات كل الأسبوع وتحدثت معلومات عن مواجهات مع قوات الأمن.

وطلبت السلطات من المرشحين سلوك الطريق القانوني عبر تقديم طعون لدى مجلس صيانة الدستور المكلّف تنظيم الانتخابات والإشراف عليها.

وبعد إعادة فرز 10 بالمئة من الأصوات، تمّ تأكيد فوز أحمدي نجاد. إلا أن معسكر الإصلاح رفض النتيجة وشكك بحيادية أعضاء المجلس.

في العشرين من حزيران/يونيو من العام نفسه، تحوّلت تظاهرة حاشدة جديدة في طهران إلى مواجهة عنيفة مع قوات الأمن.

وحُظر على وسائل الإعلام المحلية والعالمية الذهاب إلى مواقع التظاهرات، لكن ذلك لم يحل دون نشر الكثير من الصور الصادمة.

وأثار مقطع فيديو يُظهر احتضار الطالبة ندى آغا سلطان البالغة 20 عاماً بعد إصابتها بطلق ناري، حزنا وغضبا. وبعد بضعة أيام، وصف الرئيس الأميركي باراك أوباما القصة بأنها "مؤثرة جدا".

بعد أشهر عدة، في 27 كانون الأول/ديسمبر، حصلت تظاهرة دامية أخرى.

تدريجياً، أصبحت وتيرة التظاهرات غير منتظمة وتراجعت وطأتها، ولم تتوقف فعلياً إلا في شباط/فبراير 2011 مع وضع موسوي وزوجته زهراء رهنوَرد، وكروبي في الإقامة الجبرية، ولا يزالان كذلك حتى اليوم.

ولم يُعرف عدد الأشخاص الذين قُتلوا وجرحوا وأوقفوا وسُجنوا في فترة الاضطرابات هذه. وتقول السلطات إن العشرات قُتلوا، لا سيما بسبب أنشطة "منشقين".

ايران
لجوء النظام إلى ترتيب بيته الداخلي بإعادة قادة الحركة الخضراء إلى الساحة وارد

ويعتبر علي شاكوري راد، وهو أحد الإصلاحيين النادرين الذين لا يزالون ناشطين سياسياً، أن الإيرانيين انتقلوا خلال عشر سنوات، إلى أمور أخرى، وباتوا يهتمون اليوم "بمسائل غير السياسة، مثل وضعهم الاقتصادي".

لكن بالنسبة إلى عدد من المراقبين الأجانب، فإن "صيف طهران" ساهم في بزوغ حركات الربيع العربي التي بدأت لحظة زوال "الحركة الخضراء".

 وبعد مرور عشر سنوات على بداية هذه التظاهرات يعيش النظام أزمة اقتصادية خانقة بسبب العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة، وهي تنبئ باحتجاجات مماثلة للشارع الإيراني.

وتبدو هذه الأزمة ضمن مسار أسوأ من الانكماش الاقتصادي لعامي 2012 و2013 - الذي لا يزال ماثلاً في أذهان الإيرانيين - حين أنتجت العقوبات الدولية ضدّ برنامج طهران النووي وبرامجها لتطوير الأسلحة البالستية أقصى آثارها.

ورغم أن إيران تعد ثاني أكبر مصدر للغاز بعد روسيا، وأهم منتجي النفط في أوبك فقد وصل عدد الإيرانيين الذين يرزحون تحت خط الفقر بسبب السياسات الفاشلة للنظام الإيراني 50 مليون شخص، من أصل 81 مليوناً يشكلون تعداد السكان في هذا البلد، الذي يحتل المرتبة الثامنة عشرة في العالم من حيث المساحة.

ويقول متابعون للشأن الإيراني إن التحولات الإقليمية في موازين القوى الدولية ستكون بمثابة الإشارة الإيجابية للمعارضة الإيرانية لاستكمال نشاطاتها الرافضة لقمع النظام، خصوصا بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مايو/آيار 2018 انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الذي تم توقيعه مع إيران عام 2015، وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية على طهران.

وخلافا لإدارة أوباما، التي لم تقدم دعما حقيقيا للحركة الخضراء في 2009 فإن إدارة ترامب ستكون أول الداعمين لاحتجاجات الشارع والمعارضة في إيران في وقت أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورا محوريا ومؤثرا في التظاهرات.

وعززت خلافات حادة برزت العام الماضي بين التيار المتشدد المقرب من المرشد الأعلى والرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، والتي تبادل فيها الطرفان الاتهامات، الشكوك حول تزوير الانتخابات الرئاسية في 2009 لصالح نجاد وبدعم من علي خامنئي والحرس الثوري.

وأثارت رسالة وجهها نجاد منذ سنة لخامنئي طالبه فيها بإجراء انتخابات حرة ومبكرة وإقالة رئيس السلطة القضائية ومنع تدخل الحرس الثوري فيها، جدلا في إيران.

وقال عباس كدخدايي المتحدث باسم مجلس صيانة الدستور المسؤول عن العملية الانتخابية، إن اتهام نجاد بهندسة الانتخابات يعود إليه حيث حاول الضغط على مجلس صيانة الدستور لإعلان مبكر لنتائج الانتخابات الرئاسية في عام 2009 قبل البت بالطعون والشكاوى حول التزوير".

وشغل موسوي منصب رئيس الوزراء خلال الفترة الممتدة بين سنتي 1981 و1989، أي خلال فترة تولي علي خامنئي منصب رئاسة الجمهورية الإسلامية.

وخلال الحرب بين إيران والعراق، تمكن موسوي من تحقيق الاستقرار الاقتصادي في بلاده بفضل برنامج ترشيد الاقتصاد، ما يرجح إمكانية لجوء النظام في طهران إلى خدماته لامتصاص غضب الشارع بديلا لحكومة حسن روحاني، في ظل أسوء أزمة اقتصادية تعيشها البلاد منذ 40 عاما.

وزاد تسلل صورا لموسوي وزوجته على مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرا، من الشكوك حول جدوى تداولها بعد سنوات طويلة من الغياب القسري.

وكانت الحكومة الإيرانية قد منعت نشر أي أخبار عن قائدي احتجاجات الحركة الخضراء بعد اعتقالهما ووضعهما تحت الإقامة الجبرية