قبل أربعة عقود كان المشهد السعودي أكثر حيوية ونشاطاً

الناقد السعودي عيد الناصر: لا أملك توجيه الكاتب لما هو خطأ أو صواب في كتابته.


رواية "هسهسة التراب" حظيت باحتفاء نقدي حيث تناولت آثار التحولات التي شهدتها المنطقة الشرقية بالسعودية


الرواية رصدت للحظة التي كان الإنسان المحلي فيها يعمل مقابل حبات تمر لا تكاد تكفي قوت يومه

يشكل حضور الناقد والكاتب السعودي عيد بن عبدالله الناصر عنصرا فاعلا في الحراك الثقافي والإبداعي السعودي عامة وفي المنطقة الشرقية خاصة من خلال النادي الادبي بالشرقية وجمعية الثقافة والفنون، حيث كتب ونشر آراءه النقدية في بعض الصحف السعودية والخليجية، فضلا عن أنشطته وعطائه في المنتديات الأهلية، الأمر الذي أتاح له معاصرة تفاعلات وتجاذبات هذا الحراك والمساهمة في إضاءته، وعلى الرغم من ذلك ومن رصيد نقدي متميز لإشكالات البنية الإبداعية والثقافية والاجتماعية السعودية، إلا ان الساحة الثقافية لم تلتفت لإنتاجاته لأسباب غير واضحة. 
وللناصر رواية "هسهسة التراب" حظيت باحتفاء نقدي حيث تناولت آثار التحولات التي شهدتها المنطقة الشرقية حيث مسقط رأسه سيهات ـ الدمام بعد ظهور البترول، وكتاب نقدي "أقنعة الخوف" تناول فيه 21 نصا سرديا، وقد ترأس جمعية الثقافة والفنون بالدمام لعدة سنوات، وتم تكريمه أخيرا ضمن 15 شخصية ثقافية على مستوى المملكة.
بداية وحول ما يستشعره المتابع للحراك الثقافي السعودي من تصالح بين المثقفين والأدباء والسلطة الحاكمة هل نستطيع القول إن السلطة الحاكمة تولى المزيد من الاهتمام والدعم للمثقفين والأدباء، قال الناصر"هناك رؤية جديدة للمملكة للمسارات الاقتصادية والثقافية والفنية كافة، وهذه الرؤية هي بكل تأكيد محل ترحيب ودعم لا محدود من قبل شريحة واسعة من المواطنين، سواء كانوا من الوسط الثقافية أو الفني أو غير ذلك، لأن هذه الرؤية وبكل بساطة تفتح مجالاً للتنفس طال انتظاره من قبل الجميع لعدة عقود. 

أي محاولة للمشاركة في الفعل الثقافي والفني يكون محكوما عليها بالفشل، إن لم تكن مشفوعة بتزكية صريحة من أحد الأسماء المؤثرة في ذلك التيار

أما موضوع التصالح أو عدم التصالح بين المثقفين والسلطة فهو عنوان عريض، وسؤال شائك، وليس مطروحاً بالأساس، الموضوع يمكن وصفه بأن هناك قطارا يسير، إذا أردت أن تركب حياك الله وإذا كنت لا تريد فهذا راجع لك". 
ورأى الناصر أنه قبل أربعة عقود كان المشهد السعودي أكثر حيوية ونشاطاً وجدلاً مما هو عليه اليوم، ولكن تم تهشيم وتهميش ذلك المشهد ودفعه للانزواء، لأسباب سياسية واجتماعية هي حديث الجميع في هذه الأيام، ولم يتبق من تلك الفترة سوى الذكريات. نعم، اليوم لدينا كم هائل من الإصدارات في جميع المجالات الأدبية والثقافية وغيرها، وهذا نتيجة لتوفر السيولة المادية "نسبياً" لدى الناس، فمن يريد أن يطبع كتاباً لن يعجز عن توفير قيمة الطباعة من هنا أو هناك، إذا لم يكن لديه ما يكفي من ماله الخاص، ولهذا سيبدو الأمر متسرعاً للحديث عن وجود نقلة "نوعية" في المشهد المحلي. 
هسهسة التراب
قال الناصر إن روايته "هسهسة التراب" تركز على المكان كذاكرة وكحياة وتاريخ، وإنه حاول رصد التحولات لمرحلة مهمة من تاريخ المدينة التي ولد وترعرع في أزقتها ومزارعها، حيث إن المنطقة الشرقية لم تأخذ حقها كمكان في السرد الروائي، لأسباب كثيرة، منها أن خلق المكان في الرواية من الأعمال الصعبة بعض الشيء، والأمر الآخر هو أن الحديث عن المكان محفوف بمخاطر، لأنه قابل للتأويل، لأن الكثير مما حدث بخصوص المكان هو بفعل متعمد لأشخاص أو جهات، كل لها هدفها الخاص بها فتعمدت تدمير البر والبحر والزرع والبناء، هناك معالم تاريخية يعود تاريخها إلى آلاف السنين تم تدميرها بدم بارد وبلا أي إحساس أو مسئولية. ولهذا فإن رصد العمل السردي لمثل هذه التحولات هو في خانة الثالوث المحرم، ولهذا السبب تبتعد الكثير من الأعمال السردية عن تناوله، وإن تم تناوله فإنه لا ينشر وإن نشر فسيكون خارج البلد ولن تسلط عليه أي قراءات نقدية ليموت مكانه.
وأشار الناصر إلى رصد الرواية للحظة التي كان الإنسان المحلي فيها يعمل مقابل حبات تمر لا تكاد تكفي قوت يومه، في مقابل اللحظة التي أحدثها النفط في مجريات الحياة بدءًا من التعليم، ومرورا بالاقتصاد، مع ما تضمنه ذلك من صدامات شهدتها المنطقة بعد أن تحولت مركزا للحركات السياسية فرضته طبيعة التغير.
المشهد الروائي والقصصي
هناك حضور لافت للرواية والقصة القصيرة السعودية في المشهد الإبداعي العربي نتيجة التطور اللافت لهذين الجنسيين الأدبيين على الرغم من بدايتهما المتأخرة قياسا ببلدان عربية أخرى. وقد أوضح الناصر أن مؤرخي الرواية السعودية يتكلمون عن عدة مراحل، منها مرحلة التأسيس، أو مرحلة الرواد، والتي تمتد من عام 1930 حتى عام 1954 والتي شملت عدة روايات "التوأمان، فكرة، البعث، الانتقام"، وهذا يعني بأن تاريخ البداية لم يكن بعيداً عن ولادته في كثير من الأقطار العربية، ولكنه ظل مراوحاً من حيث الكم والنوع. وجاءت بعد مرحلة الرواد ما يدعونه بالمرحلة "الفنية" أي أن الرواية بدأت تأخذ الشكل الفني للرواية، كان ذلك مع رواية "ثمن التضحية" لحامد دمنهوري عام 1959، وتعددت مراحل النمو والتطور حتى وصلنا إلى عام 1990 وحرب الخليج الثانية، بعد دخول الجيش العراقي للكويت، في هذه اللحظات أصدر الراحل د. غازي القصيبي روايته المشهورة "شقة الحرية" وأصدر د. تركي الحمد عدة روايات، بدأها بـ "العدامة"، الملاحظ بأن هذه الروايات كان تؤطر لموقف سياسي صريح، وتم تسليط الضوء على هذه الروايات بشكل كبير من الناحية الإعلامية، لأنها كانت جزءا من إعلام المعركة، إذا صح التعبير. 
منذ تلك اللحظة بدأت الرواية تشكل نقطة إغراء للشعراء وكتاب القصة وغيرهم، وكانت "بنات الرياض" إحدى تلك الروايات التي حظيت بانتشار لافت، بغض النظر عن الرؤية أو المستوى الفني والدلالي، وبعدها برزت عدة أسماء لروائيين وروائيات حققوا مكانة طيبة على الساحة العربية.
الحراك النقدي
وردا على تساؤل حول تراجع الحراك النقدي في الحركة الثقافية بالمملكة مقارنة بما شهدته التسعينيات ومطلع الألفية الثالثة، قال الناصر "لا أدري ما دقة هذا التحليل، الذي أعرفه وأتابعه بأن هناك كتبا تطبع، ومؤتمرات نقدية تعقد، ودراسات أكاديمية تطبع وتوزع، ولكن ربما أن صورة المشهد برمته قد تغيرت، ففي السابق كانت هناك الملحقات الأدبية في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة وغير المتخصصة في الثقافة، وهي منابر محدودة يسيطر عليها مجموعة من الأسماء ملأت المشهد بأصواتها المرتفعة محلياً وعربياً، ولكن الظروف الإعلامية تغيرت الآن، والأسماء ذاتها بدأت تنسحب سواء بسبب العمر أو بسبب طبيعة الأمور، فلم يعودوا يمثلون تلك الروح الشبابية. الآن هناك أسماء أكثر وحركة أقوى مما كان في السابق، الآن توجد أسماء لناقدات وأديبات وروائيات سعوديات أكثر مما كان موجوداً في السابق".

هسهسة التراب
رصد التحولات 

وأكد أن "القراءة النقدية عملية تواصل تنطلق من داخل النص ذاته، لا من خارجه، وفعل الكتابة يتأتي في لحظات أقررها أثناء قراءة نص أو بعد الفراغ منه"، مضيفا أنه "لا يملك توجيه الكاتب لما هو خطأ أو صواب في كتابته، وإنما محاولة لتطوير الأدوات في التعامل مع النصوص المختلفة"، مشبها النصوص بالبشر "أتواصل معه فكريا وثقافيا وروحيا ولا ابحث عن خطاياه أو حسناته"، مبتعدا عن توظيفات اقترحها على القارئ، موضحا "لم يثبت هذا الأسلوب فشله فقط بل غباءه".
تطورات المشهد    
وقال الناصر عن تطورات مهمة في المشهد الثقافي السعودي انطلاقا من معاصرته لها "سأتحدث عن الانحناءات الرئيسيّة في الحركةً وليس التفاصيل والجزئيات، منذ 1980 حتى الآن، تناوبت على المنبر الثقافي عقليات لها نفس المواصفات وإن اختلف المحتوى. كان اليسار يمسك بزمام الثقافة وينفي كل من يختلف معه، ثم جاء التيار الديني ليمارس نفس الفعل. وأستطيع أن أتحدث عن المنطقة الشرقية فهي التي أعرفها وأستطيع أن أقول رأيي بارتياح، أنت تعرف بأن المملكة أشبه بقارة ولله الحمد، والمناطق الأخرى لم يكن لي بها أي تماس مباشر بها إلا من خلال متابعة بعض الملحقات الثقافية في الجرائد والمجلات كقارئ فقط، وهذه لا تكفي للإحساس بالنبض الحقيقي للحركة الثقافية، وكحقيقة جغرافية واجتماعية ربما تكون البحرين أو الكويت أقرب لي من الرياض، ناهيك عند جدة أو المناطق الأخرى في الشمال والجنوب.
وأضاف: أتذكر في بداية الثمانينيات الميلادية بالنسبة لنا في المنطقة الشرقية كانت جريدة "اليوم" هي النافذة التي نتابع من خلالها إيقاع الحركة الثقافية، وتحديدا ملحقها الثقافي "المربد"، هذا الملحق الذي قدم الكثير من الوجوه الحداثية في الشعر والنثر، ولا نستطيع إلا أن نضرب له تحية احترام وتقدير، ولكن هذه التحية لا تنسى أن هذه النافذة الوحيدة كانت محتكرة "في الأغلب الأعم" من قبل تيار ثقافي واحد، بالإضافة إلى إحكام قبضة هذا التيار على أنشطة وفعاليات جمعية الثقافة والفنون وهي المتنفس الوحيد على مستوى الفنون الأدائية من مسرح وموسيقى وتشكيل .. الخ. كانت جوقة واحدة هي التي تسير وتدير الجمعية والملحق الثقافي في آن واحد، بمعنى آخر فهذه المجموعة كانت تتحكم في قصبة التنفس الثقافي في المنطقة الشرقية وتمسك بمفاصلة، وأي محاولة للمشاركة في الفعل الثقافي والفني يكون محكوما عليها بالفشل، إن لم تكن مشفوعة بتزكية صريحة من أحد الأسماء المؤثرة في ذلك التيار". 
النخبوية والأجيال الجديدة
وأشار الناصر إلى أن حب الأدب والرواية هو الذي دفعه مصادفة لمقر الجمعية في يوم ما، وحاول مع بعض الأصدقاء الدخول والمشاركة في فعاليات الجمعية، "ولكن في كل مرة نذهب الى هناك نشعر وكأننا مثل الدجاجة الغريبة لا تعرف أين تقف ولا كيف تقف، ولا تجد من يشد على يديها أو يرحب بحضورها إلى ذلك المكان النخبوي الخاص؟".
ورأى الناصر أن "هذه حالة مرضية ابتليت بها الساحة الثقافية الفنية حرمتني وجيلي من المشاركة في النشاط الثقافي المشروط أيدلوجياً. وحين خفت قبضة هذا التيار لأسباب تاريخية معروفة، وعملت أنا شخصياً في جمعية الثقافة والفنون استطعت أن أعرف بلمس اليد مدى الخسارة التي تسبب فيها تخندق تلك العقلية في واجهة المشهد الثقافي".