كتّاب الرواية يفتحون صندوق الروايات

جارالنبي الحلو يجمع مفرداته ويكتب خمس روايات. ويعترف أن كل ما كتب من قصص وحكايات مجرد مفردات وألوان ونغمات وأصوات لعوالم الروايات.


سونيا بوماد تتحدث عن تجربتها في كتابة الخيال العلمي والفانتازيا من خلال روايتيها "أنا الآخر" و"كايا"


طالب الرفاعي: ما زال عدد كبير من جامعات ومعاهد الوطن العربي، يدرس الأجناس الأدبية، وخاصة القصة القصيرة والرواية، بشكل تقليدي تلقيني


عفاف السيد: لا أعرف ما الذي أريده من الكتابة قبل الكتابة

كتب الروائي المصري جارالنبي الحلو القصة القصيرة، وقصص الأطفال، والحكايات والسيناريو، وفيها تناثر عالمه ومفرداته إلى قطع من مرايا تضوي، وإلى فسيفساء تضج بألوانها وطفولتها وبساطة سحرها. عالمه الذي كان يعيشه صبيًّا مندهشًا.
وقال الحلو في جلسة الشهادات الأدبية التي ترأسها الروائي يوسف القعيد ضمن فعاليات ملتقى القاهرة الدولي السابع للإبداع الروائي العربي: بيتنا على نهر، هو بيت وحيد، طابق واحد وسطح يموج بالبط والدجاج والديوك الرومي والحمام وسلال البيض وجرَّة الجبن القديم، وجنينة صغيرة تشتعل فيها شجرة "البونسيانا" بزهورها الحمراء، وأنا أعدو خلف جَدْيٍ لا يكف عن الجري، وأمام البيت نهر ثم أفق من الغيطان، بهرتني الطيور التي لا أعرف أسماءها، أما البئر التي حفرها أبي في الجنينة فقد بثَّ لي الحواديت المبهجة والمخيفة بشأنها، وها أنا أراها الآن تقعي على الحصيرة وأمامها وابور الجاز المشتعل دائمًا بالدفء والحكايات، وكنت أسمع همسها رغم وشيش الوابور، هي أمي، وهو واقف على شط النهر غير مرتعد من العفاريت، ولا من الجني الذي يبادله الكلام، فأدرك أن كتاب "ألف ليلة وليلة" ينط سحره ليرقص مع الرجل رقصة الحلم اللامنتهي، ولكن الحُلم ينتهي بكارثة.
هذا ببساطة ما جعل الكاتب المصري جارالنبي الحلو يجمع مفرداته ويكتب خمس روايات. وهو يعترف أن كل ما كتب من قصص وحكايات مجرد مفردات وألوان ونغمات وأصوات لعوالم الروايات، وقال: كانت رواية "حُلم على نهر" هي الأولى، وفيها تابعتُ هذا الرجل أبي – سيد، وجاهدتُ معه في بناء حُلمه، لكننا انكسرنا معًا في يونيو/حزيران 1967، فيما الرؤى الاشتراكية تداعب خيال الشاب الذي رمى بنفسه في شرك الكتابة، هو أنا الذي صارت أحلامه أكبر من العالم، وعرفتُ المهمَّشين والغجر والفلاحين وطلاب الجامعة، ورفقاء الثقافة فكتبتُ "حجرة فوق سطح". 

Cairo forum for creative fiction
بهرتني الطيور التي لا أعرف أسماءها

وأضاف الحلو: أبي الذي بنى البيت على الأرض، ونحن بنينا أحلامنا أشعارًا فوق جدار أبيض اللون، ويداهمني الانكسار أيضًا، وحين أعرِّج في "قمر الشتاء" و"عطر قديم" على البشر والمهمَّشين والروح والأسى والحب، وصحبة لا ينفصم عراها أجدني قد استعدت قوتي وبأسي، ثم كتبتُ "العجوزان"؛ تجربة عجوزين حاولا أن يعيشا معًا من جديد، ورأيتُ بعينيَّ مدينتي "المحلة الكبرى" وهي تتبدَّل وتنهار أحيانًا وتنهض أحيانًا، شأنها شأن الوطن، ويعيش العجوزان تجربة "المحلة" التي هربت من أياديهما، تجربة الصداقة والاغتراب، تجربة 25 يناير 2011. حتى تنتهي الرواية بفراق بينهما.
وأنهي الحلو شهادته بقوله: لا أُخفي عليكم أن لي رواية أخرى هي: "حكايات جار النبي الحلو"، فهي ليست حكايات منفصلة كما نظن، إنما هي رواية دوَّنت فيها كل صدق صباي ودهشتي واكتشافي لعالمي هذا الذي اكتنزته لأكتب رواياتي.
هل استنفدتُ عالمي الروائي؟ ما حكاية الروايات؟
إنني في هذه اللحظة أشعر أن عليَّ أن أبدأ الكتابة من جديد.
أما الكاتبة التونسي حياة الرايس، فقد تحدثت في شهادتها عن روايتها الصادرة في تونس هذه السنة بعنوان "بغداد وقد انتصف الليل فيها"، وهي رواية سيرة ذاتية ذيَّلتها الرايس بعنوان فرعي "مذكراتي الجامعيَّة ببغداد" لتحديد مرحلة زمنية معينه هي مرحلة دراستها ببغداد. 
تقول الرايس: رغم أن النقاد يفرِّقون ويختلفون حول السيرة الذاتية واليوميات والمذكرات والرواية السيرية والسيرة الروائية، أما أنا فأردتها رواية سيرة ذاتية صريحة حسب ميثاق الناقد فيليب لو جون في تعريفه لكتابة السيرة الذاتية أوردتها في مقدمة الكتاب. 
"... هي رواية سيرة شخصية وسيرة مكان يتراوح بين تونس وبغداد وسيرة أشخاص عاشرتهم وعاصرتهم..، فإذا هي وثيقة اجتماعية وثقافية وسياسية وحضارية وتاريخية على العصر، إحياء لعمر يُبعث من جديد، فالمكان لمن يبدعه والزمان لمن يبعثه حيًّا، نبضًا خافقًا بيني وبينك أيُّها القارئ وذاكرة مشتركة بيننا".
وأوضحت الكاتبة التونسية أنه بعد أكثر من ثلث قرن في كتابة القصَّة والشعر والنص المسرحي وأدب الرحلات وأدب الرسائل والبحث الفلسفي... كأني كنت في حاجة إلى جمع شتاتي في رواية فكانت "بغداد وقد انتصف الليل فيها". رواية فيها السرد والحكاية وتعدد الشخصيات والأحداث والعقدة والدراما والرؤية الفلسفية والخيط الرابط والموقف من قضايا العصر في مناخات شعرية وفية لخصائص كتابتي الأدبية...، فيها مقوِّمات الرواية ومقوِّمات السيرة الذاتية... أو ربما كنت أتوق إلى كتابة النص المفتوح الذي لا يحدُّه حد.
وعن تجربتها في كتابة الخيال العلمي والفانتازيا قالت الكاتبة اللبنانية سونيا بوماد: كوني قد أصدرت روايتين في هذا المجال: "أنا الآخر" عن الدار المصرية اللبنانية، وتدور تفاصيلها حول الاستنساخ البشري وقد أدرجت تحت مصنف رواية الخيال العلمي، و"كايا" الصادرة عن دار الرواق بالقاهرة. وتطرقت إلى عوالم الأساطير الإغريقية والسفر عبر الزمن. والروايتان تلقيان القارئ لطرح موضوع الاستنساخ البشري وللخيال العلمي ككل.

وأضافت: كوني قد أصدرت كتابا باللغة الألمانية وشاركت بقصتين قصيرتين في أنطولوجيا كتاب رابطة القلم النمساوية وأنطولوجيا أدباء النمسا، ولتمكني من اللغة الألمانية ولغات أخرى، استطعت خلال إقامتي في أوروبا بأن أقرب وأعايش العولمة الأدبية والتي قد أوحت لي الكثير وتداخلت بشكل مؤثر في كتاباتي، "عن دور الأدب العالمي أو العولمة الأدبية وتلك الرحلة من القرن الثامن عشر بداية أدب الخيال العلمي أو ولادته من رحم الفانتازيا.
الكاتب الكويتي طالب الرفاعي أوضح في شهادته أنه ما زال عدد كبير من جامعات ومعاهد الوطن العربي، يدرس الأجناس الأدبية، وخاصة القصة القصيرة والرواية، بشكل تقليدي تلقيني، معتمدًا على تعاريف ما عادت تواكب حركة الإبداع المتجددة في العالم، ولا عادت قادرة على تقديم عون حقيقي لطلبة الكتابة الإبداعية الذين يحاولون شق طريقهم في عالم الكتابة.
وأوضح أن وقوفًا مستحقًّا أمام مناهج تدريس "الكتابة الإبداعية- "Creative Writing في أميركا وأوروبا واليابان والصين يظهر أن طرقًا جديدة عرفت طريقها للتدريس ومنذ ما يزيد على الخمسين عامًا. طرق تعتمد على المدرس والمنهج وطرق التدريس وأخيرًا الطالب، فمعظم الجامعات في الغرب صارت تحرص على أن يدرس مادة الكتابة الإبداعية متخصص في الجنس الأدبي، فكتّاب القصة المعروفون والمشهود لهم بالنتاج القصصي هم من يدرسون مادة كتابة القصة، والروائيون المشهود لهم بكتابات روائية مبدعة هم من يقومون بتدريس فن الرواية، فهؤلاء لا يدرسون المنهج من خبرة أكاديمية بحتة، لكنهم يدرسون المادة مستندين إلى موهبة وخبرة ومعرفة عملية عميقة بالفن، وكذا هي المناهج تعتمد على جزء نظري، وتعتمد أكثر على منهج عملي يقوم على ورشة يقدم من خلال الطالب نصوصه المبدعة، كما أن ورش الكتابة الإبداعية تعتمد على حوارات جماعية مفتوحة تنبع من الوعي والتحصيل الأدبي والتجارب الشخصية وتنتهي إلى النظر في موقف من قضايا الإنسان والحياة. 

Cairo forum for creative fiction
عوالم الأساطير الإغريقية والسفر عبر الزمن

وأشار الرفاعي إلى أن مادة الكتابة الإبداعية إذ تخاطب شبابًا ينتوي الدخول في عالم الكتابة، فإنها أعجز من أن تخرج كاتبًا إن لم يكن ينطوي على موهبة متوقدة وعزم كبير وجلد على خوض مغامرة كتابة جديدة تخصه بعالمه وروحه.
وفي شهادتها التي جاءت بعنوان "الكتابة استعادة" قالت الكاتبة المصرية عفاف السيد: أنا ابنة حضارتي المصرية التي قدست القلب واعتبرته مصدر المعرفة والوعي والإلهام، ومازلتُ على خطى أهلي وناسي، ليكون العقل مصدر الضلالات والتهويمات والشك، العقل مصدر الفناء، القلب مصدر الخلود.
هنا في قلبي يقين مفعم بالرهبة يربطني بعوالمي وأزماني وحيواتي المتعددة، يصلني بأمي وجداتي اللائي تعشن هنا في وعيي الكلى وأعيش في معيتهن المتصلة، المتواصلة. 
وأوضحت: في كتاباتي أراهن وأكتبهن جداتي وأمي، أولئك اللائي تركنني عالقة هنا بلا زمن. أحاول من خلال الكتابة أن أعود به، وأحتال من خلال الكتابة لبناء عوالم تستوعب وجوده، وتغريهن بالبقاء، لتتحايلن بدورهن في لعبة التباديل والتوافيق، وتبقين فأبقى. 
وقالت: بناء عوالم تستوعب معارف القلب، رغبة حتمية مدفوعة في انتباهي منذ آلاف السنين، منذ جدتي مرسعنخ وحتى جدتي زهر الود. بوضوح أقول دوما إنى أكتب ما أظن أنني أعرفه، أكتب "ذاتي"، وأمرر العالم من خلال هذه الذات التي تتسع لعوالم ووجودات متصلة بصيرورة المطلق، تلك الذات نفسها لا تقدر أن تمر خلال العالم الواقع، بكل ضلالاته الممكنة والمحتملة.   
وأضافت عفاف السيد: لا أعرف ما الذي أريده من الكتابة قبل الكتابة، لكن تحدث تلك اللحظة النورانية البسيطة، لحظة الخلق الأولى، شفافة كالنور الأول، هنا أعي، الوعي الكلى الكامل بلا رهبة أو خوف أو زيادة، فقط معرفة هائلة وكشف رائق أنيق، أبقى للحظة جوهراً محضاً بلا إمكان، تلك اللحظة التي تختصر حيواتى، إدراكاتى ومدركاتي، معرفتي ومعارفي، أزمنتى، أمكنتى، فأكون "الواحدة" بلا زيد أو نقص.