كل ما هنالك أني أُغرِمتُ بشيخ الروائيين العرب

من حقّنا أن نعلن منطلقين من رواية 'الحرافيش' أنّ العرب صارت لهم مساهمتهم في بناء رواية عالمية ذات ملامح قومية وبيئويّة متميّزة.

لم أبدأ قراءة أعمال "نجيب محفوظ" إلّا سنة 2009، كنت أقرأ قبلها أعمالا لأدباء غربيّين، وكان أوّل عملٍ قرأته له رواية "الحرافيش"، أذكر أنّي اقتنيت "الحرافيش" من معهد العالم العربي في باريس، وهو مكان أعشقه، مذ عرفته وأنا أتردّد عليه بشكل شبه أسبوعيّ.

يتجاوز عدد صفحات الرواية 500 صفحة، فقرّرت أن أقرأها خلال 3 أيام، لكنّني عندما شرعت في قراءتها أبهرتني، فلم أتمكّن من التوقف إلى أن أتيت على كلّ صفحاتها على مشارف الخامسة صباحا، وكنتُ إذّاك مبتلىً بِعَمَلٍ يستنزف أغلب طاقتي، فما إن أنهيت الرواية حتى قمت وحضّرت إبريق شاي، ثمّ اغتسلت واتّجهت إلى عملي أو الأصحّ إلى عذابي.

فارق واضح بين أن تقرأ "حضرة المحتَرَم" مثلاً و"الحرافيش"، فالأولى أثارت حنقي بكتابتها اللّاهثة المتسارعة، أمّا الأخرى، فلي معها وقفة.

هل هي رواية طبقة الحرافيش منذ أن كانوا مستَلَبِين يُذعنون لسطوة الفتوّات ويسلمون مقاديرهم لهم؟ أم إنّها رواية تحكي تاريخ الفتوّات منذ عاشور الناجي الأول وحتى عاشور الناجي الأخير؟

إنّ الرواية تروي كلا السّيرتين، وما دام عاشور الناجي الأول قد حقّق العدل ومنح الحرافيش حقّهم من جور مستغلّيهم فإنّ الكثيرين من أحفاده اللّاحقين قد هدموا هذه الشريعة واستسلموا للجاه والمال والمخدرات، ولذلك ظلّ عاشور النّاجي الأوّل الذكرى العذبة والحلم العظيم الذي يداعب خيال الحرافيش ويتمنَّون أن يأتي من أحفاده من يعيد عهده. كلّ البطولة كانت تنسكب في الفتوّة الفرد ولم ينتبه أحد إلى ما يمكن أن يحقّقه الحرافيش المجموع إلّا بعد أن حدثت المجاعة، وهكذا تجيء القوّة الحقيقيّة القادرة على الفعل إذا ما اتّحدت.

كلّ هذا ليس مهمّاً فالرّواية طويلة ومتشعّبة، ولكن الرّائع فيها هو بناؤها الرّوائيّ الّذي لا يخضع لأيّ بناء روائيّ عرفناه سواء كان غربيّاً أم عربيّاً، إنّه بناء جديد فرّخته وجاءت به عبقريّة نجيب محفوظ الطويلة في الكتابة الرّوائيّة، ومن حقّنا أن نعلن منطلقين من هذه الرواية أنّ العرب صارت لهم مساهمتهم أيضاً في بناء رواية عالمية ذات ملامح قومية وبيئويّة متميّزة.

لماذا برز الرّوائي الكولومبي ماركيز؟ ولماذا يتكلّم العالم بانبهار عن روايته "مائة عام من العزلة"؟ لقد حصل ذلك لأنّ هذه الرّواية قد حقّقت شخصيّتها الخارقة والمتميّزة دون التعكّز على روايات أخرى، ولذا جاءت ثورة في شكلها وموضوعها أيضاً، ولذا لفتت الأنظار بهذه القوّة ونالت الإعجاب.

وهكذا هي "ملحمة الحرافيش" عمل فذّ ونادر، ينفرد بشخصيّته وموضوعه، سمح لنا أن نقول بصوت عالٍ: لقد بدأنا نحقّق استقلالنا الفنّي في هذا الميدان الحضاري المتقدّم - رواية.

شيء واحد بودّي لو أنّ الرّواية قد أفصحت عنه حتّى لا تظلّ عائمة تاريخيّاً، هذا الشيء هو زمن حدوثها ثمّ العالم الآخر الذي يمضي خارج الحارة، تمنّيت لو أنّ ذلك قد ورد ولو في إشارة عابرة حتّى لا تبدو الأحداث وكأنّها تدور في بقعة مجهولة، وأشير هنا إلى أنّ الكاتب قد أخرج بعض شخوصه من الحارة، ثمّ أعاد بعضهم وأخفى الآخر لكنّ خروجهم كان بمثابة الخروج إلى المجهول لأنّ الحارة هي وحدها حدود عالمهم.

بعد قراءتي "الحرافيش" توالت قراءاتي لهذا المبدع العظيم إلى أن قرأت كلّ أعماله، الأمر الذي دفع بالمكتبيّة في معهد العالم العربي أن تسألني: سيّدي هل تحضّرون دكتوراه عن نجيب محفوظ؟ أجبتها: لا، كل ما هنالك أنّني أُغرِمتُ بِشَيخ الرّوائيّين العرب.