كوارث دون مبرر

تصحيح الثقافة العامة عن مسؤولية الدولة لا يقل عن أهمية تصحيح المسؤولية الإدارية. وإلا نحن على موعد متكرر مع حوادث تصادم قطارات وانهيار مبان.


دولة مثل مصر لا يمكن إدارتها مركزيا مع هذا العدد الهائل من السكان


إذا كانت مصر قامت بثورة وغيرت نظام الحكم ثم عادت لتمجيده فما التغيير الذي حصل

كل يوم نستيقظ على خبر مفزع من شتى أنحاء الوطن العربي من أخطاء طبية الى انهيار مبانٍ الى تصادم قطارات الى فيضانات وليس هناك مبرر لهذا العجز من جانب الحكومات، فما يحتاجه الأمر هو الضرب على يد الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة، واستغلالها في تحسين الخدمات من تعليم وعلاج ومواصلات وعمران ومشاريع إنتاجية، والمشكلة تكمن في الثقافة العامة حيث أننا لم نصل بعد الى المرحلة التي يعتبر فيها كل انسان نفسه معنيا بالفساد ونهب المال العام وعليه أن يحاربه بكل قوته، ولكننا نرى الكثير من الحديث ولا ترى فعلا أو إنجازا.

إن دولة مثل مصر لا يمكن إدارتها مركزيا مع هذا العدد الهائل من السكان، وعلم الإدارة يقوم على تفويض الصلاحيات وهو أمر مطبق في جميع أنحاء العالم، وفي كل إقليم أو مدينة أو ولاية، يوجد لها نظام إدارة محلي، يخطط وينفذ ويقيم ويحاسب، ورئيس الدولة لا يمكنه الاطلاع على ما يجري داخل كل كيان إداري، ومهمته تقتصر على الإشراف والإحالة الى القضاء أو الطرد من المنصب.

هناك مشكلة حقيقية في النظام الإداري والثقافة الشعبية، وحتى لو تم نشر الوعي والتعليم دون تغيير الثقافة الشعبية، فهذا لن يجدي نفعا، فمن هو الذي سوف يتصدى للأخطاء؟ هل هو حارس المدرسة أم السائق أم ربة المنزل؟ إذا كانت الثقافة العامة تقوم على قناعة كل إنسان بأن له الحق في الحصول على نصيبه من موارد الدولة كأي مسؤول فيها، فيمكن أن يتحرك الناس بشكل جماعي وليس فرديا، أما إذا كان هذا مقتنع أنه دون غيره من الناس وذاك مقتنع أنه لا يستطيع مقارعة الحيتان، فمن هو الذي سيتحرك؟ إذا كانت مصر قامت بثورة وغيرت نظام الحكم ثم رجعت لتمجد الحاكم الذي أطاحت به، فما هو التغيير الذي حصل؟ إنه تغيير شكلي فقط.

لماذا ينهار مبنى ويقتل البعض فورا والبعض يقتلون اختناقا تحت الركام؟ لا بد وأن عددا من الموظفين لم يقوموا بأعمالهم على الوجه الصحيح، فلماذا لا يحاكمون ويفصلون من أعمالهم؟ هل تمت رشوتهم لإصدار تصريح بالبناء؟ ولماذا لا يتم محاسبة محافظ تلك المدينة التي انهار فيها البناء؟

والسؤال الأهم هو لماذا لا تزال العمارات تبنى من الاسمنت والعالم اليوم يبني أبراجه من الفولاذ بنصف التكلفة؟ ولماذا لا تقوم الحكومة ببناء مدن سكنية خارج الازدحام باستخدام التقنيات الحديثة التي توفر المساحات وتضمن سلامة البناء وتؤجرها بأسعار زهيدة؟ بالطبع فالجواب جاهز وهو نقص الأموال على الرغم من أن مصر فيها من الأثرياء من يستطيع بناء الف مجمع سكني يحقق شروط السلامة والأمان.

إن الخلل الثقافي كبير جدا وربما لن يستقيم الحال بعد مئة عام، ولا يزال هناك من يخافون أن يزجوا بالفاسدين بالسجون ويستردوا أموالهم، ولن يصلوا الى هذه المرحلة قريبا، لأن الفرد ضعيف ويفتقر الى الثقة بالنفس ولا يزال يقدس الأفراد ويخشاهم، ولن يتعلم العرب الدروس من المجتمعات التي تنقض على عنق الفاسد وترمي به في مكب النفايات، ولا يزال الإنسان العربي ممزقا بين شتى المواعظ التي تدعوه للنهوض والتي تدعوه للإذعان أو تلك التي تدعوه أن يحافظ على حياته مثل "ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة" (البقرة 159) مع أن التهلكة كثيرا ما تكون خيرا من العيش بهذه الطريقة.