كيف يتغير دماغنا بعد منتصف الليل؟

دراسات الحديثة تشير إلى أن العقل بعد منتصف الليل يعمل بطريقة مختلفة عن النهار اكثر تهورا واندفاعا وضعفا أمام الإغراءات ويزيد خطر السلوك المتهور كتعاطي المخدرات والانتحار.

لندن - في عمق الليل، حين يسكن كل شيء، قد يبدو العالم مكانًا معتمًا وثقيلاً. فبينما يلفّنا السكون وتغيب الأضواء، تتسلّل الأفكار القاتمة إلى أذهاننا، فنجد أنفسنا مستيقظين نحدّق في السقف، تتنازعنا رغبات صغيرة ولكنها مثقلة بالذنب: سيجارة نعرف أنها مؤذية، أو وجبة دسمة تُسكت الجوع النفسي أكثر مما تُشبع الجسد.

وتشير أبحاث كثيرة إلى أن العقل البشري لا يعمل بالطريقة نفسها ليلاً كما في النهار. فبعد منتصف الليل، تتجه انتباهاتنا نحو السلبي أكثر من الإيجابي، وتغدو الأفكار المتهوّرة أكثر جاذبية، وتنخفض مقاومة الذات للاندفاع.

ويرى بعض العلماء أن السبب الجوهري يكمن في إيقاعنا الحيوي أو ما يُعرف بالساعة البيولوجية، التي تنظم دورة تمتد أربعًا وعشرين ساعة وتتحكم في مشاعرنا وسلوكنا. وقد لخّصت دراسة نُشرت عام 2022 في هذا المجال أدلة كثيرة تُظهر أن الدماغ يدخل طورًا مختلفًا تمامًا بعد حلول الظلام.

تُعرف هذه النظرية باسم "العقل بعد منتصف الليل" (Mind After Midnight)، وتفترض أن الجسد والعقل يخضعان لتبدّل طبيعي في النشاط الذهني والعاطفي وفق ساعات اليوم. ففي النهار، تُضبط كيمياء الدماغ لاستقبال الضوء والتيقّظ والعمل، أما في الليل، فيُعاد برمجة الجسد للراحة والانطفاء.

من منظور تطوري، يبدو هذا التوزيع منطقيًا تمامًا؛ فالبشر كائنات نهارية بطبيعتها، أكثر كفاءة في الصيد وجمع القوت مع بزوغ الشمس، وأشدّ عرضة للخطر بعد مغيبها. لذلك، كان من الطبيعي أن تتطوّر لديهم حساسية مفرطة للمخاطر ليلاً، وهو ما كان يمنحهم ميزة البقاء قديماً، لكنه اليوم قد يتحوّل إلى عبء نفسي يولّد التوتر والقلق وحتى السلوك المتهور. وحين يضاف الأرق أو نقص النوم إلى المعادلة، يصبح المشهد أكثر تعقيدًا.

أدمغتهم لا تعمل بالكفاءة نفسها كما في ساعات النهار

تقول عالمة الأعصاب إليزابيث كليرمان من جامعة هارفارد، التي شاركت في الدراسة: "هناك ملايين الأشخاص المستيقظين في منتصف الليل، ولدينا دلائل قوية على أن أدمغتهم لا تعمل بالكفاءة نفسها كما في ساعات النهار. أرجو أن يُكرَّس مزيد من البحث لفهم ذلك، لأن صحتهم وسلامة الآخرين تتأثر بشكل مباشر".

يضرب معدّو الدراسة مثالين لتوضيح فكرتهم: الأول لمتعاطٍ للهيروين يستطيع السيطرة على رغباته خلال النهار، لكنه ينهار أمامها مع حلول الليل؛ والثاني لطالب جامعي يعاني الأرق، فتتكدّس عليه الليالي البيضاء حتى تغمره مشاعر اليأس والعزلة.

كلا المثالين ينطويان على خطر قاتل. فالانتحار وإيذاء النفس يبلغان ذروتهما في ساعات الليل، وتشير بعض الأبحاث إلى أن احتمال الانتحار بين منتصف الليل والسادسة صباحًا يزيد بثلاثة أضعاف عمّا هو عليه في بقية اليوم. وتُرجّح دراسة صادرة عام 2020 أن الاستيقاظ الليلي يمثل عامل خطر مستقلًّا، ربما بسبب اضطراب الساعة البيولوجية.

ويشرح أصحاب دراسة "العقل بعد منتصف الليل" ذلك قائلين: "الانتحار، الذي كان يبدو مستحيلًا في وضح النهار، يظهر ليلاً كمهرب من الوحدة والألم، وقبل أن تتاح لحظة تراجع، يكون صاحبه قد امتلك الوسيلة واستعد للفعل في ساعة لا أحد فيها مستيقظ ليمنعه".

ولا يقتصر الأمر على الأفكار القاتمة، فحتى تعاطي المواد المخدّرة يرتفع في الليل. ففي دراسة أُجريت بالبرازيل عام 2020 داخل مركز خاضع للإشراف، تبيّن أن خطر جرعة الأفيون الزائدة ليلاً يزيد بأكثر من أربع مرات مقارنةً بالنهار.

ورغم أن بعض هذه الظواهر يمكن تفسيره بالتعب أو بالغطاء الذي تمنحه العتمة، فإن الباحثين يعتقدون بوجود تغيّرات عصبية حقيقية تحدث في الدماغ بعد حلول الظلام.

ولهذا يدعون إلى مزيد من الأبحاث حول الآثار النفسية والعصبية لليقظة الليلية، خصوصًا لدى العاملين في المهن الليلية كالأطباء والطيارين. حتى اليوم، لا نعرف إلا القليل عن كيفية معالجة الدماغ للمكافأة أو للمحفّزات في ساعات السهر، ولا عن الطريقة التي يحافظ بها على توازنه في مواجهة التعب الذهني الممتد.

وهكذا، تبقى تلك الساعات القليلة بعد منتصف الليل منطقة غامضة في علم النفس العصبي، سواء كنا نائمين أم مستيقظين. فالعقل، بعد منتصف الليل، لا يشبه نفسه في النهار.