كيمياء القراءة.. لماذا نعشق نصوصا وننفر من أخرى؟
هناك لحظات في حياة القارئ تتكوّن فيها علاقة غامضة مع الأشياء المكتوبة، علاقة تشبه مصادفة غيمة تتشكّل فوق رأسك دون أن يسبقها إنذار، ثم تنهال عليك بأمطار تغسل شيئا دفينا في داخلك. ليس كل كتاب يعقد معك هذه المصادفة، وليس كل كتاب يُفتح على صفحته الأولى فيفتح معك بابا آخر للوجود. أحيانا تقرأ كتابا أحاط الناسُ عنوانه بهالة مضيئة، يكررونه بإعجاب ويشيرون إليه كما لو أنّه كنزٌ مخبوء في قلب الزمن، فتذهب إليه وأنت تمشي بخطواتٍ مترددة، متسائلا إن كنت ستجد في صفحاته ما وجدوه هم، متوقعاً لحظة انبهار أو رجفة اكتشاف، ثم تفاجأ بأن الأبواب تظل مغلقة، والصفحات تمر أمامك كوجوه لا تتعرف عليها.
يحدث ذلك كثيرا: أن تحاول فهم السر الذي جعل جمهوراً واسعاً يتشبّث بكتاب لا يصل إليك منه شيء. تقرأ الجملة وراء الجملة، تحاول أن تُنصت إلى الإيقاع، إلى المعنى الخفي، إلى تلك اللمعة التي يتحدثون عنها، ومع ذلك لا تشعر سوى بأنك غريبٌ عن كل شيء. كأنك تمسك حجراً يريد الجميع إقناعك بأنه جوهرة، فتقلبه في يدك، تدرسه، ترفع رأسك كي ترى إن كان الضوء سينعكس عليه، لكنه يظل حجراً في عينك وذاكرتك وحسّك.
ولأن القارئ كائنٌ يحمل داخله خريطةً سرية لا يعرفها أحد، فإن الكتب التي تهزّه قد لا تكون تلك التي وصفتها الجوائز أو احتفى بها النقاد. قد يحدث أن تجد نفسك مندفعاً نحو كتاب بسيط المظهر، مهملٌ فوق رفّ بعيد، تغطيه طبقة خفيفة من الغبار، فتفتحه دون توقّع، ثم تشعر بأن الصفحات تتسع مثل نافذة تطلّ منها على عالم آخر. تشعر بأن الكلمات لا تُقرأ فقط، بل تتنفس. وأن السطور تتسلل إلى يومك مثل موسيقى تحفظها روحك أسرع مما يحفظها لسانك.
وقد يرافقك هذا الكتاب زمنا طويلا. تحتفظ به في حقيبتك كما لو أنّه تعويذة شخصية، تقرأ منه في المقاهي وفي زوايا محطات الحافلات وفي الهزيع الأخير من الليل. وربما تخشى عليه من الفقد أكثر مما تخشى على أشياءٍ أخرى في حياتك، لأنك تعلم أنّه لم يكن مجرد نص، وإنما كان مرآة رأت فيها ذاتك وجهاً لم تكن قد رأيته من قبل. وربما تتحول علاقتك بهذا الكتاب إلى شيءٍ لا يمكن تفسيره للآخرين: شيءٌ يشبه صداقة قديمة، أو وعدا سريا، أو رابطاً يصعب قطعه.
وقد ينعكس هذا الارتباط على حياتك اليومية، على قراراتك، على علاقاتك. قد يبدو لأحدهم أن شغفك مبالغ فيه، وقد يتهمك آخر بأنك تهرب إلى الكتب بطريقة مفرطة، غير مدركٍ أن المسألة ليست هرباً من العالم، وإنما بحثٌ عن عالمٍ أوسع، أرحب، أصدق.
وهنا يكمن جوهر الحكاية كلّها: إن القراءة ليست سباقاً لتتبّع آراء الآخرين، ولا امتحاناً لمقدار ما يوافق ذوقك ذوقهم. القراءة تجربة فردية خالصة، تُبنى على تاريخك الداخلي، على تجاربك، على جروحك القديمة التي لم تلتئم، وعلى أحلامك التي لم تكتمل. قد يقرأ الجميع الكتاب ذاته، لكنّهم لن يمرّوا من الباب ذاته، ولن يروا المشهد نفسه، ولن يلمسوا الشيء المخفي نفسه.
ولذلك قد تقضي عمرك وأنت تتنقل بين الكتب، محاولاً أن تستكشف ما يشبه جغرافيا داخلية لا تُرسم بالحبر، وإنما بالدهشة. وقد تحدث المفاجأة في الليلة التي تفتح فيها كتاباً لا يعرفه أحد، أو يعرفه قليلون، فتشعر أنه يكتبك أنت، وأنه يضع إصبعه على نبضك، ويقول لك ما لم يستطع أحد أن يقوله لك من قبل.
أخيرا، كل قارئ هو رحلة وحده، وكل كتاب هو احتمال لحياة إضافية. الكتب التي تلامس قلبك هي الكتب التي ستبقى، مهما تجاهلتها الجوائز، ومهما صاح حولها الصمت. وما تهجره في منتصف الطريق سيظل ما تهجره، مهما ازدانت أغلفته بالكلمات اللامعة. فالمعيار الحقيقي يكمن في تلك اللحظة الحميمة، اللحظة التي يلتقي فيها كتابٌ بإنسان، فيتغيّر أحدهما أو يتغيّران معا.