لا يزال جرس العدالة يدق من أجل ذلك اليوم الحزين

مَن فجر المرفأ كان على استعداد لزرع الألغام تحت الكلمات وفي عمق النظرات وعلى مسافة سنتمتر من الأسئلة وبين صرخة احتجاج وأخرى.

ليس الرابع من آب/أغسطس يوما بأربع وعشرين ساعة. ليس هو يوما آخر ليمر مثل الأيام الأخرى بل هو زمن تجمدت مفاصله. وقف ولم يتحرك. انكسر ولم يقع. وأخيرا هو اليوم الأول والأخير. الأول لأنه نسف ما قبله والأخير لأنه ظل مقيما في ما بعده. ألم تكن بيروت واقفة في انتظاره؟ أليس هو جزء من مواعيد خلخلتها ومدار ثقبها الكوني وإنكسارها الذي ربط خيطي الموت والحياة كما لو أنهما الشي نفسه؟ قبل خمس سنوات انفجرت بيروت. المدينة التي اعتادت أن تنفجر هي نفسها المدينة التي فوجئت بانفجارها. يعرف البيروتيون كل شيء عن عذاب وسهد وضجر وألم ورياء وكذب وعنفوان مدينتهم حين تذهب إلى حفلاتها بأقنعة متعددة غير أنهم استيقظوا هذه المرة على فجر أضفى ضبابه على مدينتهم قناع المرأة الحزينة. ذلك القناع الذي سال على وجهها كما لو أنه نوع من الدموع الجيرية الساخنة. أية حرقة أحست بها المناديل واي ألم تذوقت الأصابع مرارته. في ذلك اليوم الأسود الذي قُدر لبيروت فيه أن تستعيد صحبة البارود في كل حالاته، الصلبة والسائلة والغازية وكان للحواس مكانها وهي تصنع حالاتها الصوتية والبصرية والشمية واللمسية والتذوفية.

في الرابع من آب/أغسطس 2000 صارت بيروت تُرى كما لم تر من قبل وتُشم بطريقة تفضح عناء غبارها وتُلمس خشنة مثل جلد قنفذ ويُسمع رحيق عسلها وهو يتبخر ولا يتوق الضجر إلى خنقها إلا من أجل أن يتذوق أصوات العابرين بحنجرتها. تلك هي بيروت اللئيمة والمرهقة والمتعبة من سهرة الليلة الفائتة في الوقت الذي وقع فيه الانفجار.

في ذلك الصباح ذهبت بيوت مباشرة إلى المقبرة. ذهب نصفها إلى النصف الثاني الذي تحول إلى مقبرة. الأصح أن موتاها ذهبوا للبحث عما تبقى من أحيائها. لم ينتظر أحد أحدا لأن مَن فجر المرفأ كان على استعداد لزرع الألغام تحت الكلمات وفي عمق النظرات وعلى مسافة سنتمتر من الأسئلة وبين صرخة احتجاج وأخرى. كان العدو أمامكم إيها البيروتيون وكان خلفكم ومن حولكم. العدو محيط بكم واينما توجهتم تلقونه أمامكم. العدو الذي قتل رفيق الحريري وسمير قصير وجبران تويني هو نفسه الذي قتل لقمان سليم. كانت الحرب متكافئة وعادلة ونزيهة. رصاصة في مقابل كلمة. لغم في مقابل مقال. خطوة واحدة خلف الخطوط الحمراء لكي تقع الساعة الخامسة والعشرون. حدث انفجار بيروت في الساعة الخامسة والعشرين. لا زمن قبله ولا زمن بعده. لا مكان وراءه ولا مكان أمامه. أسخف ما في المسألة أننا انتظرنا أن يعترف العدو بأن هناك خطأً غير مقصود قد وقع فيذهب معنا إلى المقبرة بباقات ورد تليق بالموتى الذين كانوا ينتظرون ببراءة. مات البعض نائما. مات البعض وهو ذاهب إلى عمله بتكاسل. مات البعض وهو عائد إلى فراشه بعد ليل حراسة طويل. حلقت أرواحم سوية كما لو أنهم حضروا الحفلة الموسيقية نفسها.

"كنت استمع إلى إيقاع موسيقى سمفونية وأنا ارى القنابل تسقط على بغداد. ذلك ما كتبه العراقي كنعان مكية وهو يصف القصف الأميركي على بغداد حين غزوها. هل كان مطلوبا من البيروتيين أن يكرروا مقولة ذلك العبقري؟

  كان القاتل معروفا ولا يزال معروفا. لم تكن العدالة في حاجة إلى مزيد من الأدلة التي يحتاجها القانون لكي تقول رأيها. لكن ذلك لا يكفي في بلد سُرقت فيه روح العدالة فصار عصيا على قوانينه أن تُطبق على الجميع بالتساوي خوفا من أن تُستفز طائفة فيحدث ما لا تحمد عقباه. والحرب الأهلية هو ما لا تُحمد عقباه. هناك سلاح فائض هو سلاح فالت لم تتمكن الدولة من ترويضه والسيطرة عليه ومن ثم نزعه. سلاح أقوى من الدولة وهو بالتالي أقوى من القانون. ما يعني أن العدالة لن تتمكن منه.

ما يؤلم في الحكاية أن ذلك السلاح كان يوما ما محل فخر اللبنانيين وقتلى انفجار مرفأ بيروت منهم لكونه سلاح المقاومة التي حررت جنوب بلادهم. ما كان أحد من القتلى ليفكر في أن ذلك السلاح سيقتله بل وسيمنع العدالة من القبض على قتلته. حدث ذلك في لبنان. البلد الصغير جغرافيا الكبير في معانيه التي اتضح أنها مجرد أقاويل شعرية. لقد مات الأبرياء وهم على يقين من أن لبنان قطعة من السماء.