لبنان يواجه نقصا متزايدا في العمالة السورية بعد عودة اللاجئين

النقص في اليد العاملة السورية يشمل البناء والزراعة والأعمال الحرفية ما أثر سلبا على عجلة الانتاج.

بيروت - تثير عودة اللاجئين السوريين من لبنان إلى بلادهم مخاوف متزايدة لدى بيروت، في ظل مؤشرات على فجوة آخذة بالاتساع في قطاعات تعتمد على اليد العاملة السورية، أبرزها البناء والزراعة والأعمال الحرفية.
وعاد لاجئون سوريون في لبنان إلى بلادهم بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، والذي كان سببا في تهجيرهم من خلال القصف العشوائي والاعتقالات والملاحقات الأمنية.
وخلال فترة لجوئهم إلى لبنان، عمل سوريون في عدة مجالات، بينها الزراعة والأعمال الحرفية والبناء، ما جعل عودتهم إلى بلادهم سببا في تشكيل فجوة كبيرة، وسط تساؤلات عن إمكانية سد هذا الفراغ.
ومطلع يناير/كانون الثاني الماضي أعلنت وزيرة الشؤون الاجتماعية اللبنانية حنين السيد، عودة أكثر من نصف مليون لاجئ سوري خلال العام 2025، في إطار عودة وصفتها الحكومة بأنها "آمنة ومستدامة".
وكانت الحكومة اللبنانية أعلنت في يونيو/حزيران 2025 خطة متعددة المراحل لعودة اللاجئين السوريين، تشمل عودة منظمة وأخرى غير منظمة، كما أطلقت في الشهر ذاته برنامج العودة الطوعية للاجئين السوريين.
وتُقدّر السلطات اللبنانية عدد اللاجئين السوريين المتبقين في البلاد بنحو 1.5 مليون شخص، بينهم قرابة 880 ألفًا مسجّلين لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
وتعقيبا على ذلك، تقول المحللة الاقتصادية اللبنانية محاسن مرسل إن "التأثير المباشر لعودة السوريين يظهر دائمًا على اليد العاملة، وخصوصًا الحرفية منها".
وتشير مرسل إلى أن قطاعات البناء والزراعة وسائر الأعمال اليدوية هي الأكثر تأثرًا.
وعن تأثير ذلك على سوق العمل اللبناني، تقول: "سنشعر بهذه الفجوة لا سيما في قطاع البناء"، معتبرة أن حدة التأثير قد تتصاعد لاحقًا، مع تنشيط الحركة الاقتصادية والاستثمارية داخل سوريا، وعودة مزيد منهم إلى بلادهم.
وتؤكد المحللة أن اعتماد لبنان على العمالة السورية "لا يقتصر على مرحلة ما بعد عام 2011 (بدء الثورة السورية)، بل هو قائم منذ عقود في هذه المجالات".
من جانبه، يقول بسام الحميد، وهو سائق يعمل في نقل الأثاث والعائلات السورية من بيروت إلى دمشق، إن حركة العودة ازدادت خلال الأشهر الأخيرة.
ويوضح الحميد أن "العائلات تغادر، فيما يبقى الأب أو الابن الأكبر في لبنان، لأن أصحاب العمل لا يتخلّون عنهم، لا سيما في الزراعة والصناعة والمطاعم".
ويوضح أن العمالة السورية "تغطي جزءًا كبيرًا من الأشغال في لبنان، من الحدادة إلى العمل في المزارع".
وفيما يخص رأي الشارع، تقول المواطنة اللبنانية عائدة أبو قلفون، إن عودة العمال السوريين انعكست سلبًا على الوضع الاقتصادي المحلي. وتضيف أبو قلفون أن "المصانع وورش العمل كانت تعتمد بشكل كبير على هذه العمالة، وعودتهم أثرت سلبا على عجلة الإنتاج".

المصانع وورش العمل كانت تعتمد بشكل كبير على هذه العمالة

ومتحدثة عن احتكاكها بالعائلات السورية، تقول إن عددا منها ما يزال يقيم في لبنان، بسبب الاضطرارية، في حين يفضّل آخرون العودة إلى بلدهم رغم صعوبة الظروف هناك".
أما بشار جناد، وهو عامل في نقل الأثاث إلى سوريا، فيرى أن قطاعات واسعة تأثرت بخروج العمال السوريين، بينها الزراعة والنجارة والمعامل والنقل.
ويوضح جناد أن "العائلات تغادر، فيما يبقى الأب أو الابن الأكبر في لبنان لتأمين لقمة العيش لأسرته في سوريا".
ويعلق عن تأثيرات عودة اللاجئين السوريين، يقول "توقّف العمل لدينا، وأنا اليوم معطّل عن عملي، فالكثير من رفاقي غادروا إلى سوريا".
وتأتي هذه التطورات في ظل تحولات سياسية كبرى في سوريا، إذ توقّع الرئيس أحمد الشرع في يناير/كانون الثاني 2025، أن يعود غالبية المواطنين الموجودين في الخارج خلال العامين المقبلين.
وتشير شهادات عاملين ومراقبين إلى أن عودة السوريين، رغم أبعادها الإنسانية والسياسية، تسلّط الضوء على حجم الاعتماد الذي بنته قطاعات لبنانية واسعة على العمالة السورية، لا سيما في الأعمال الشاقة وذات الأجور المتدنية، في وقت يواجه فيه البلدان تحديات اقتصادية متداخلة.
من جهتها، أعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، قبل أسبوع، أن برنامج العودة الطوعية المنظَّمة في لبنان يقدّم دعمًا للاجئين السوريين المسجَّلين لديها، ممن يقررون العودة إلى سوريا بشكل طوعي ودائم.
ووفق ما نشرته المفوضية على موقعها، يحصل كل فرد من أفراد الأسرة العائدة ضمن البرنامج على منحة نقدية لمرة واحدة بقيمة 100 دولار أميركي، للمساعدة في تغطية تكاليف ترتيبات العودة عبر المعابر الحدودية الرسمية.
وأوضحت المفوضية أنها توفّر أيضًا إرشادات تتعلق بإجراءات الخروج من لبنان، والوثائق المطلوبة عند الدخول إلى سوريا، إضافة إلى نصائح متصلة بالتحضير للعودة.
وبيّنت أن ملف المفوضية في لبنان يُغلق تلقائيًا لأي شخص يعود إلى سوريا، سواء عبر برامج العودة الطوعية أو من خلال التسهيلات التي أقرتها الحكومة اللبنانية، على أن يتمكّن العائدون من متابعة الحصول على الخدمات والمساعدات داخل سوريا.
وفي السياق ذاته، أصدرت السلطات اللبنانية تسهيلات تسمح للسوريين واللاجئين الفلسطينيين القادمين من سوريا بمغادرة لبنان عبر المعابر البرية حتى 31 مارس/آذار 2026، دون دفع رسوم أو غرامات، ودون فرض منع دخول لاحق، حتى في حال تجاوز مدة الإقامة أو الدخول بصورة غير نظامية.
وأكدت المفوضية أن استخدام هذه التسهيلات يؤدي أيضًا إلى إغلاق ملف المستفيد في لبنان، مع إمكانية متابعة الخدمات في سوريا، مشيرة إلى أنها تيسّر عودة اللاجئين الراغبين بالعودة "بأمان وكرامة"، بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية والمنظمات الشريكة.