لقاء الثغر يجمعنا على شط اسكندرية

فعالية شهرية جديدة بزغت في سماء الإسكندرية الإبداعية هي "لقاء الثغر" جمعت بين مجموعة من النشطاء الثقافيين بالمدينة.


منير عتيبة، يتحدث عن دور مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية، تجاه الحركة الثقافية بصفة عامة والشباب والنشء بصفة خاصة


"لقاء الثغر" يقدم موهبة روائية جديدة من الإسكندرية هي عمر ماجد (15 سنة) الذي أصدر أول أعماله الروائية بعنوان "فالصو"

الإسكندرية ـ فعالية شهرية جديدة بزغت في سماء الإسكندرية الإبداعية هي "لقاء الثغر" جمعت بين مجموعة من النشطاء الثقافيين الذي اتخذوا من مقر مركز سفن كاردز (7 cards ( بمنطقة كامب شيزار مكانا لتجمعهم الثقافي الفني الذي غالبا يعقد مساء السبت الأول من كل شهر، وشعارهم هو "لقاء الثغر يجمعنا".
كان اللقاء الأول مساء السبت الأول من ديسمبر/كانون الأول الماضي مع الشاعر د. فوزي خضر الحاصل مؤخرا على جائزة الأمير عبدالله الفيصل العالمية – فرع الشعر المسرحي. وسرعان ما تجاوب أدباء الإسكندرية وكتابها ومثقفوها وفنانوها مع هذا "اللقاء"، فجاء اللقاء الثاني مساء الأحد الخامس من يناير/كانون الثاني الجاري أكثر دسامة فكريا وفنيا، وتعددت الفقرات خلال اللقاء، ما بين محاضرة للدكتور أحمد حسن صبرة (أستاذ علم السرديات في كلية الآداب جامعة أم القرى بمكة المكرمة حاليا) والأديب منير عتيبة (المشرف على مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية) مع فقرة اكتشاف المواهب الجديدة التي قدمت للحاضرين موهبة روائية جديدة من الإسكندرية هي عمر ماجد (15 سنة) الذي أصدر أول أعماله الروائية بعنوان "فالصو" وهو في هذه السن المبكرة. فضلا عن الفقرتين الغنائيتين للفنانين حسني المعاون وياسر الشرقاوي.
في حديثه تناول الدكتور أحمد حسن صبرة موضوع "العالم بين رؤيتين.. دينية وعلمانية"، متناولًا كتابين يمثل كل منهما رؤية مختلفة عن الآخر، هما "مروج الذهب" للمسعودي ممثِلًا للرؤية الدينية، وكتاب "تاريخ البشرية" لأرنولد توينبي ممثِلًا للرؤية العلمانية.
وقد بدأ صبرة مداخلته بسؤال مهم يقول فيه: "كيف بدأ البشر من اثنين فقط في لحظة زمنية يصعب تحديدها، وفي مكان يكاد أن يكون مجهولا إلى أن يصبحا هذه المليارات التي تملأ الأرض؟ سؤال حاول الإجابة عنه كثيرون، لكني أقف هنا أمام محاولتين أرادتا الإجابة عن السؤال من منظور مختلف. 
المحاولتان متمايزتان زمانا ومكانا وتوجها، الأولى القريبة هي محاولة أرنولد توينبي في كتابه "تاريخ البشرية"، والثانية البعيدة هي محاولة المسعودي في كتابه "مروج الذهب". توينبي علماني لا ديني، والمسعودي مسلم يؤمن بالأديان كلها، توينبي يقف على أرضية علمية تسنده فيها علوم الآثار والتقنيات الحديثة في تحديد أعمار الحفريات، والمسعودي يعيش في عصر يرى آثار الأقدمين، لكن علوم العصر لا تمكنه من استقراء أبعد مما هو ظاهر فيها. ومن ثم لا يعدها من مصادر معرفته. ولما أرادا أن يكتبا عن الملحمة البشرية، فإنهما كتباها من موقعي رؤية شديدة التباين".

وقد أثارت محاضرة د. صبرة الكثير من النقاش والجدل والاتفاق والاختلاف من جانب حضور "لقاء الثغر"، ولم تحسم الكثير من القضايا التي ظلت عالقة في أذهان الكثيرين، وبعضهم شردت أفكارهم ما بين الفكرة والفكرة، وسط تلاظم أمواج كورنيش كامب شيزار الذي يطل عليه "لقاء الثغر" من الدور السادس في هذا الطقس غير المستقر.
أما الأديب منير عتيبة، ففد تحدث عن تاريخ السرديات ودور مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية، تجاه الحركة الثقافية بصفة عامة والشباب والنشء بصفة خاصة؛ وكذلك تناول نشأته والعوامل التي أدت به إلى عالم الأدب والسرد.
وناقش الحضور الروائي الصغير عمر ماجد، الذي لم يتجاوز عمره خمسةَ عشرَ عامًا، مؤلف رواية "فالصو" التي ستعرض بمعرض القاهرة الدولي للكتاب 2020، وتحدث عن تجربة الكتابة في هذا العمر الصغير ودور الأسرة والثقافة والمجتمع والبصمة الجديدة ذات المذاقٍ الشبابي في مجال الرواية.
شارك في اللقاء مجموعة من مثقفي الإسكندرية منهم د. فوزية العشماوي (الأستاذة بجامعة جنيف بسويسرا)، محمود عوضين، رشاد بلال، مجدي البكري، ياسر الشرقاوي، أحمد أمين، سارة زيادة، عزة محمد، هشام الملاح، رحمة محمد على، حسام قبوردي، د. أسماء سلامة، د. ماجد جابر؛ وأسرة لقاء الثغر وهم الشاعر والكاتب أحمد فضل شبلول، محمد المصري، الشاعرة حنان حسن، حمدان القاضي، حسني المعاون، آمال سعد، حمادة ميمي، أحمد صوان.
وعن "لقاء الثغر" الشهري قال الشاعر أحمد فضل شبلول:  الهدف من تأسيس "لقاء الثغر" هو فتح رئة أو نافذة ثقافية وفنية جديدة تضيف هواء متجددا لما هو موجود في مدينة الإسكندرية التي تستوعب الكثير والعديد من الأنشطة الثقافية والفنية والاجتماعية المختلفة، والتي لا تزال في حاجة إلى المزيد والمزيد، لأن شعب الإسكندرية بطبيعته شعب محب للأدب والفنون والثقافة بحكم التاريخ والموقع والنشأة، وإذا وجد نشاطا حقيقيا غير زائف يقبل عليه ويشارك فيه بفاعلية، وكأنه صاحب هذا النشاط أو مؤسسه. هدفنا أيضا الوصول إلى الشباب ودمجهم في أنشطتنا المختلفة، فأنا عندما كنت في مرحلة الشباب وجدت من يحتضنني في قصر ثقافة الحرية ويقدمني في الأمسيات واللقاءات والندوات الشعرية، وشبابنا أحوج ما يكون الآن إلى هذا الدور خاصة أن معظمهم لديهم مواهب كامنة لا يعرفون كيف يستخرجونها وأين يذهبون وماذا يفعلون. لذا حرصنا على أن يكون ضمن فريق "لقاء الثغر" شباب واع ومنتم ومحب لبلده، ويريد أن يحقق شيئا في مجالات الأدب والثقافة والفن، وهؤلاء الشباب يأتون بأصدقائهم ممن لديهم مواهب مماثلة أو حتى مغايرة لتتسع الدائرة يوما بعد يوم.
وأضاف شبلول: كلما نظرت إلى حجم النشاط الثقافي والأدبي والفني في الإسكندرية الآن، ومدى الجدية والحب والتفاني في المشاركة – بلا مقابل – في الحياة السكندرية أشعر أن المدينة بدأت تستعيد جزءا من عافيتها وتألقها الثقافي وحضورها القوي، خاصة في ظل وجود حلول غير تقليدية والاستخدام الذكي لوسائل التواصل الاجتماعي والسوشيال ميديا بعامة. فمن الإسكندرية خرجت منذ سنوات فكرة اتحاد كتاب الإنترنت العرب، التي سرعان ما تبناها مجموعة من الأدباء والكتاب المصريين والعرب، وأصبحت الآن أمرا واقعا، وقبلها بسنوات وسنوات خرجت من الإسكندرية فكرة جريدة الأهرام وفكرة العروض السينمائية وغيره وغيره مما هو معروف في تاريخ الثغر المصري. وعندما تضيق القاهرة بما فيها ومن فيها فإن الحلول البديلة توجد دائما في الإسكندرية، وعندما تترهل القاهرة يجد الكثيرون أن الإسكندرية هي الشابة التي تستوعب الكثيرين وتحاول إرضاء الكثيرين حتى ممن هم يعيشون خارجها. ودائما أضرب المثل بروايتي نجيب محفوظ "ميرامار" و"السمان والخريف" فعندما ضاقت البلاد بشخوص تلك الروايتين أتوا إلى الإسكندرية وعاشوا فيها، وعرفوا فيها طريق الخلاص.
وقد ضاقت القاهرة فعلا في السنوات الأخيرة بمن فيها، وهذا سينعكس على مستقبل الإسكندرية المؤهلة دائما لحمل راية الثقافة والأدب والفن، ومن ثم فهي العاصمة الثقافية الحقيقية لمصر التي تستوعب دائما كل شيء، فالإسكندرية مثل بحرها الكل يبوح له ويحلم به، والإسكندرية كعهدها دائما معطاءة ومحبة لأهلها وللآخرين.

ونفى شبلول أن يكون "لقاء الثغر" مكررا في فعاليات أخرى وقال: إننا في "لقاء الثغر" لا نكرر ما يحدث في ندوات أو أمسيات أخرى، ونحن على وعي تام بما يدور من أنشطة في الأماكن الأخرى بالمدينة، ونشارك في معظمها، سواء داخل قصور الثقافة أو داخل مكتبة الإسكندرية أو داخل المراكز الثقافية الأخرى مثل مركز الحرية للإبداع والاتيليه، أو حتى المراكز الأجنبية مثل المركز الثقافي الفرنسي أو المركز الثقافي الروسي، لذا رأينا في "لقاء الثغر" أن نبتعد عن الأنشطة التقليدية، سواء في نوعية الضيف أو عنوان اللقاء، فعلى سبيل كان أول لقاء لنا مع الشاعر الدكتور فوزي خضر الفائز بجائزة الأمير عبدالله الفيصل العالمية فرع الشعر المسرحي، وهذا اللقاء يعتبر أول لقاء مع خضر في مصر كلها بعد عودته من مدينة جدة وفي حقيبته درع الفوز وشهادة الاستحقاق، ولم يكن اللقاء تقليديا معه، وإنما حاولنا مزجه بالعروض البصرية والحوارات الكاشفة عن مسيرة هذا المبدع وصولا إلى لحظة تتويجه بالجائزة السعودية. 
وأشار: نحن في "لقاء الثغر" لا نقدم محاضرات أو دراسات أدبية أو أمسيات تقليدية، وأنما نقدم وجبات ثقافية دسمة من خلال استضافة أعلام الأدب والفكر والثقافة والفن، والحوار معهم وإخراج ما في جعبتهم من أضواء كاشفة للطريق. 
ويوضح الشاعر السكندري أحمد فضل شبلول أن "لقاء الثغر" ينبع من خصوصية الإسكندرية على مدى تاريخها، باعتبارها مدينة كوزموبولتينية، ومن ثم فهذا اللقاء الشهري هو لقاء كوزموبوليتني أيضا، أي أنه منفتح على كل التيارات  والمدارس والاتجاهات والأفكار الإنسانية في العالم، ومن ثم فهو مستعد لأن يستضيف في برنامجه القادم أدباء ومثقفين ومفكرين من خارج الإسكندرية ومن خارج مصر ومن خارج الوطن العربي، حال وجودهم في الإسكندرية، وأعتقد أننا نأخذ مسارا آخر غير مسار "مبادرة أكوا" على سبيل المثال التي يرأسها الصديق العزيز الأديب الدكتور شريف عابدين، فـ "أكوا" معنية بالإبداع السكندري وتجلياته المختلفة في الفنون والآداب، وهي تسير في هذا الاتجاه بنجاح، أما "لقاء الثغر" فهو معني بالفكر العربي والعالمي انطلاقا من الإسكندرية ووصولا إلى شتى الآفاق والأعماق، وعلى سبيل المثال كان لقاؤنا مع الدكتور أحمد صبرة وهو يتحدث عن العالم بين رؤيتين، هو لقاء من الإسكندرية ليحلق في الآفاق العالمية.
وأضاف: نحن نحرص في "لقاء الثغر" أن يكون لقاونا لقاءً شهريا وليس أسبوعيا أو حتى نصف شهري، لنجهز له التجهيز اللازم، وحتى نعطي لأنفسنا ولأصدقائنا فرصة الحضور والمشاركة في فعاليات أخرى في أماكن أخرى، وحتى يكون الجميع في شوق لهذا اللقاء ولمواده الفكرية والفنية والأدبية والاجتماعية غير المكررة في أماكن أخرى.