لماذا تريد إسرائيل مستقبل غزة بدون تركيا؟
إن المعارضة الإسرائيلية الشرسة والقاطعة لأي دور تركي في غزة ما بعد الحرب، والتي تتلخّص في عبارة "لا أحذية تركية على الأرض"، تكشف عن حسابات استراتيجية متجذرة في الرغبة بالحفاظ على السيطرة المطلقة على مستقبل القطاع. هذا الموقف، الذي يتعارض مع مناقشات الولايات المتحدة بشأن المشاركة المحتملة لأنقرة في قوة متعددة الجنسيات، يعمل في نهاية المطاف ضد آفاق تحقيق سلام حقيقي ومستدام للشعب الفلسطيني واستقرار المنطقة الأوسع.
المقترح التركي: عامل محفّز للتوازن
لقد صاغ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان باستمرار اهتمام أنقرة بغزة كامتداد طبيعي لدعمها طويل الأمد للقضية الفلسطينية. وتفيد التقارير بأن تركيا تضع اللمسات الأخيرة على الاستعدادات لنشر لواء يضم نحو 2000 جندي ضمن "قوة تثبيت" مقترحة بتفويض من الأمم المتحدة. ويجادل المسؤولون الأتراك بأن مشاركتهم، المستندة إلى عضويتهم في الناتو وخبرتهم الواسعة في مهام حفظ السلام الدولية، ستُدخل عنصرًا حاسمًا من التوازن والمصداقية إلى الترتيبات الأمنية على الأرض.
إن قدرة تركيا الفريدة على التواصل المباشر مع قيادة حماس أثبتت فعاليتها في مفاوضات وقف إطلاق النار السابقة، بما في ذلك الهدنة الأخيرة. هذه العلاقة العملية، التي تنظر إليها إسرائيل بعين الريبة، هي تحديدًا ما يجعل تركيا لاعبًا ضروريًا. تتطلب خطة السلام الحالية نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية، ويمكن للوجود التركي أن يستغل نفوذه لتسهيل هذه العملية الصعبة بفعالية أكبر من القوات التي يُنظر إليها باعتبارها متحالفة بشكل لا لبس فيه مع المصالح الإسرائيلية. إن رفض تركيا هو رفض لأحد الأطراف القليلة القادرة على تأمين القبول الضروري من جميع الأطراف، مما يطيل أمد عدم الاستقرار.
الرفض الإسرائيلي: رغبة في السيطرة بلا رادع
إن الرفض الإسرائيلي العنيد، الذي أبرزته تصريحات مسؤولين مثل وزير الدفاع إسرائيل كاتس والمتحدث باسم مكتب رئيس الوزراء، تحرّكه حالة من انعدام الثقة العميقة ودافع سياسي لتشكيل بيئة ما بعد الحرب دون رقابة ذات مصداقية. وتتفاقم حدة هذا العداء بسبب إدانة أردوغان الشديدة للأعمال الإسرائيلية في غزة، التي وصفها مرارًا بأنها "إبادة جماعية". وهذا النقد اللاذع، إضافة إلى إصدار تركيا مؤخرًا مذكرات اعتقال بحق مسؤولين إسرائيليين كبار، يزيد من ترسيخ المعارضة الإسرائيلية.
ومع ذلك، فإن الرفض يتجاوز مجرد الاحتكاك الدبلوماسي. فمن خلال الإصرار على حق النقض (الفيتو) على تكوين أي قوة دولية، تسعى إسرائيل إلى ترتيب أمني لا يتحدى جديًا هيمنتها العسكرية أو نتائجها المفضّلة لحوكمة غزة. تخشى إسرائيل أن يشكّل الوجود التركي، بموجب تفويض من الأمم المتحدة، رقيبًا حقيقيًا على تصرّفاتها. يتضح ذلك في وقف إطلاق النار الهش الحالي، حيث تشير التقارير إلى استمرار الأعمال العسكرية الإسرائيلية، مما يبرز الحاجة إلى آلية إنفاذ قوية ومحايدة لا يمكن للمسؤولين الإسرائيليين تجاوزها ببساطة.
المناورات الاستراتيجية لأردوغان
يحمل التقييم القائل بأن "أردوغان يلعب أوراقه بذكاء شديد" ثقلاً كبيرًا في هذا السياق. تستغل أنقرة الأزمة لإعادة تأكيد نفوذها كقوة إقليمية كبرى ومدافع قوي عن الشعب الفلسطيني على الساحة الدولية:
القيادة الإنسانية: من خلال إعطاء الأولوية لإيصال المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار، تضع تركيا نفسها كقائد إقليمي متعاطف، في تناقض حاد مع الحصار والدمار الإسرائيلي.
نفوذ الوساطة: بفضل الحفاظ على قنوات الاتصال مع حماس، أصبحت تركيا وسيطًا لا غنى عنه في محادثات وقف إطلاق النار، مما يدل على ضرورتها العملية رغم الاعتراضات الإسرائيلية.
التفوّق الأخلاقي: يتردد صدى خطاب أردوغان القوي ضد إسرائيل بعمق في العالمين العربي والإسلامي، مما يعزز مكانته داخليًا وإقليميًا، ويجعله صوتًا لمن يشعرون بأنهم متروكون من قبل القوى الدولية الأخرى.
إن تركيا لا تطلب مجرد مقعد على الطاولة؛ بل تستغل الضرورة الجيوسياسية والوضوح الأخلاقي لضمان مكانتها. هذه الاستراتيجية تجبر الولايات المتحدة على النظر بجدية في مقترحاتها، حتى وإن تعارضت مع المطالب الإسرائيلية، مما يشير إلى حملة دبلوماسية واضحة، ماهرة وصبورة.
معالجة الذرائع الأمنية وضمان نزاهة التفويض
غالبًا ما تستغل المعارضة الإسرائيلية الصريحة التهديد الأمني الذي تشكّله حماس كذريعة لرفض تركيا، متستّرة على أجندة سياسية أعمق: الرغبة في السيطرة على جميع جوانب الجهاز الأمني في غزة ومنع أي قوة قد تتحدى سلطتها العسكرية. هذا التأطير يسيس الشواغل الأمنية المشروعة لتقويض النزاهة المطلوبة للاستقرار.
إن الانتشار التركي، الذي يعمل بموجب تفويض قوي من الأمم المتحدة، سيعالج الأمن بشكل أساسي من خلال فرض المساءلة الخارجية، وهو بالضبط ما تخشاه إسرائيل. ومن ثم، يجب إنشاء أي قوة لتحقيق الاستقرار مع ضمانات دولية صريحة بأن ولاءها الأساسي هو لتفويض الأمم المتحدة وحماية المدنيين الفلسطينيين، وليس للشروط الأمنية الإسرائيلية التي يمكن أن تُترجَم إلى وجود عسكري أو رقابي مفتوح الأجل.
علاوة على ذلك، يتوقف النجاح العملياتي للوحدة التركية على إنشاء إطار إداري محايد وذي سيادة حقيقية لغزة، مستقل عن أي تأثير إسرائيلي غير مبرر. يجب أن يركز التعاون الضروري لتحقيق النجاح على التنسيق اللوجستي والفني مع الهيئات الدولية، وليس على الرضوخ لمطالب إسرائيل بالحصول على حق النقض بشأن مناطق الانتشار أو تبادل المعلومات الاستخبارية. ويجب أن يُعرَّف الدور التركي بموجب قرار ملزم من مجلس الأمن الدولي يمنع أي دولة – بما في ذلك إسرائيل – من إملاء تشكيل القوة أو قواعد الاشتباك الخاصة بها بشكل أحادي. فالتثبيت الحقيقي يتطلب السيادة، ما يعني أن قوة التثبيت يجب أن تكون عاملًا فاعلًا في التعافي والحوكمة الفلسطينية، لا قوة مقيدة بشروط الاحتلال.
خطوة ضرورية للأمن الفلسطيني
المستفيدون الأوائل من قوة التثبيت التركية سيكونون الفلسطينيين. فالقوة المتعددة الجنسيات التي تضم دولة ذات أغلبية مسلمة ملتزمة مثل تركيا، وتعمل بموجب تفويض شرعي من الأمم المتحدة، ضرورية لسببين رئيسيين:
أولًا، لأنها توفر طبقة من الحماية للسكان المدنيين والمهمة الإنسانية لا يمكن لقوة غربية بحتة أو قوة وافقت عليها إسرائيل أن توفرها.
ثانيًا، لأنها توفر مسارًا للحكم الذاتي الفلسطيني عبر مظلة أمنية انتقالية أقل خضوعًا للمصالح الاستراتيجية الإسرائيلية.
تستلزم خطة ما بعد الحرب الحالية، وهي مبادرة أميركية بالأساس، مشاركة شركاء إقليميين لضمان شرعيتها وفعاليتها. وبإغلاق الباب أمام تركيا، فإن إسرائيل لا تقوض مصداقية جهود الاستقرار فحسب، بل تخاطر بالعودة إلى دوامة العنف. إن الفشل في إرساء ترتيب أمني قوي وعادل ومدعوم دوليًا – يشمل تركيا – هو فشل في ضمان مستقبل لغزة بعيدًا عن السيطرة العسكرية الإسرائيلية الدائمة.
إن السؤال ليس عمّا إذا كانت تركيا صديقة لإسرائيل، بل عمّا إذا كانت مساهماً ضروريًا وقادرًا على تحقيق سلام عادل ودائم في غزة. ويجب تجاوز الفيتو الإسرائيلي، المدفوع بالمصالح السياسية والرغبة في الحد من المساءلة، لصالح الضرورة القصوى للأمن الفلسطيني والاستقرار الإقليمي.