لوحات حامد ندا .. تجسيم وتسطيح وعناصر سيريالية

أعمال الفنان المصري تميزت بالمنظور الدرامي الذي يعكس معاناة الفقراء والمطحونين المهمشين، وتعلقهم بأحلام اليقظة المرتبطة بالسحر والشعوذة.


لم تتحول لوحات حامد ندا إلى مواعظ خطابية ولم تهبط إلى دفاع سخيف عن أفكار بالية


أصيب الفنان بالصمم التام في نهاية حياته

تميزت لوحات الفنان التشكيلي المصري حامد ندا (1924 – 1990) عن الموضوع الشعبي، بالمنظور الدرامي الذي يعكس معاناة الفقراء والمطحونين المهمشين، وتعلقهم بأحلام اليقظة المرتبطة بالسحر والشعوذة.
ويرى الناقد التشكيلي د. صبحي الشاروني في كتابه "حامد ندا - نجم الفن المعاصر" أن هناك نوعا من الصراع الداخلي سيطر على وجدان الفنان، وهو صراع بين ما يراه في الحي الذي نشأ فيه من مجاذيب ودراويش من ناحية، وما قرأه في الكتب عن نظرية التطور وعلم النفس وتفسير الأحلام ودلالة سلوك المرضى النفسيين.
ويؤكد الشاروني أن هذا الصراع "كان له تأثيره في صياغة لوحات الفنان .. فلم تتحول لوحاته إلى مواعظ خطابية، ولم تهبط إلى دفاع سخيف عن أفكار بالية، لكن لوحاته حققت أهم أهدافها، وهو التسجيل الصادق والتفسير الميتافيزيقي لحالة سكان هذه الأحياء".
ولد حامد ندا في منزل عربي بشارع "التلول" بحي الخليفة بالقاهرة، وأقام خلال طفولته وصباه في قصر كان يملكه جده بحي البغالة بالقرب من قلعة صلاح الدين. وظهرت موهبته في الرسم في سن المراهقة، فقام مدرس الرسم بتوجيهه إلى نقل أعمال كبار الرسامين العالميين، فاكتسب مهارات وخبرات أفادته في اجتياز اختبار القبول بمدرسة الفنون الجميلة العليا. 

تتلمذ ندا على أستاذه حسين يوسف أمين الذي كان من أتباع المفكر الرائد حبيب جورجي ومن المنادين بحرية الإبداع وضرورة استخدام أساليب جديدة في الرسم توجهها الأفكار الفلسفية والأهداف الجمالية المتحررة بغض النظر عن استخدام المهارات المدرسية المكتسبة أو معالجة الموضوعات التي تهم المشاهدين، وقد أطلق حسين يوسف أمين على تلاميذه عام 1946 اسم "جماعة الفن المعاصر" التي استمرت في نشاطها حتى عام 1955.
التحق حامد ندا بكلية الفنون الجميلة العليا عام 1946، فكان من أساتذته كبار الداعين للأسلوب الكلاسيكي أو التأثري في فن الرسم وهم: أحمد صبري ويوسف كامل وحسين بيكار الذين كانوا يطلبون من تلاميذهم رسم الشكل الواقعي بأعلى حرفية ومهارة، وقد استطاع حامد ندا (في ظل هذا التوجه) أن يبلور أسلوبه الخاص وطريقته المميزة في مشروع الدبلوم عند التخرج حيث اختار "حلقة الزار" موضوعا لمشروعه، وأحضر إلى مبنى الكلية فريق "أبو الغيط" ليقيم حلقة زار في قاعة قسم التصوير، وأدَّى الفريق رقصات الزار المجنونة على هدير الدفوف وصخب الحركات الهستيرية، ونال الفنان درجة الدبلوم بامتياز عن لوحاته المصورة لحفل الزار، وهي بالتأكيد تختلف عن لوحة "الزار" للفنان الرائد محمود سعيد.
تختلف لوحات حامد ندا للبيئة الشعبية عن لوحات راغب عياد رغم أنه يشعر أن هناك قرابة روحية مع عياد، وإن كان الفارق شاسعا بين معالجة كل منهما للموضوع الشعبي والشخوص الشعبية. 

نجم الفن المعاصر
ذابت ألوانه رقة وأشكاله رشاقة وتكويناته عذوبة

ويعترف ندا بأنه عُني بالغوص إلى ما تحت الواقع مقتنصا ما في نفوس سكان الأحياء الشعبية من رواسب لا تلبث أن تنعكس على سطح البيئة الشعبية وسلوك رجالها ونسائها بطريقة تجبر المشاهد على التعاطف معها كما يتعاطف مع شخصيات رواية "زقاق المدق" لنجيب محفوظ على سبيل المثال.
عُين حامد ندا بعد تخرجه عام 1951 مدرسا بقسم التصوير (الرسم بالألوان) بكلية الفنون الجميلة بالإسكندرية عند تأسيسها عام 1957، ثم سافر إلى إسبانيا حيث درس فن التصوير الجداري وحصل على دبلوم أكاديمية سان فرناندو للفنون الجميلة في مدريد، وعاد عام 1962 ليعمل بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة، ويتولى رئاسة قسم التصوير عام 1977، وبعد إحالته إلى التقاعد عام 1984 ظل أستاذا غير متفرغ للرسم الجداري حتى رحيله عام 1990.
شارك الفنان في احتفالية فرنسا بمرور 150 سنة على العلاقات المصرية الفرنسية بدخول نابليون بونابرت إلى مصر عام 1797 واتخذ الاحتفال شكلا ثقافيا بالدعوة إلى إقامة معرض مصري في قاعة القصر الكبير بباريس عام 1947  وتم اختيار المعروضات لتمثل نجوم الحركة الفنية المصرية من أمثال: راغب عياد ومحمود سعيد ومحمد ناجي ويوسف كامل ومحمد حسن وآخرين. 
تعرض أسلوب حامد ندا لهجوم دائم من الأجيال السابقة عليه ولم يتحقق إقبال حقيقي على لوحاته إلا في التسعينيات من القرن العشرين وما بعدها عندما ارتفعت أسعار لوحات زميله عبدالهادي الجزار وأصبحت نادرة في سوق المعروض من اللوحات الفنية.
حصل الفنان على العديد من الجوائز في مصر وخارجها، ونال جائزة الدولة التشجيعية عام 1962 عن لوحته "العمل في الحقل"، ثم جائزة الدولة التقديرية في الفنون 1991 بعد وفاته، وكان مرشحا لها قبل رحيله. كما سجلت لأعماله ستة أشرطة تلفزيونية بالألوان ما بين عامي 1970 و1986 وصورت شركة "فرعون فيلم" شريطا سينمائيا مدته 20 دقيقة لأعماله الفنية.
ومن الأساليب الفنية التي تنقل بينها حامد ندا التجسيم والتسطيح، وهو لم يتخل عن ضرورة وجود عناصر سيريالية في كل لوحة من لوحاته، ويعتقد أن العمل الفني الجيد لا يخلو من السيريالية.
والملاحظ في أعمال حامد ندا تطور وجود الديك، لا ليعبر عن التضحية والفداء كما كان أمره في رسوم الأربعينيات، وإنما أصبح رمزا للشقاوة والذكورة والإخصاب، مثلما أصبح الزير يرمز إلى الارتواء أو للأسرار الخاصة.
ويرى الشاروني أن الفنان ندا لم يتخل عن المظهر الأسطوري والعناصر المعبرة عن القدر رغم الطابع الشاعري الرقيق الذي اكتست به لوحاته. ويشير إلى عناصر الغرابة في لوحاته حيث كانت المفردات التي تلازمه بخلاف العناصر الإنسانية من نساء ورجال هي القط والديك ومصباح الكيروسين (البترول) ثم السحلية أو البرص، وبعد ذلك الثور والسمكة، بالإضافة إلى كائنات اخترعها مثل الطائر الذي أطلق عليه النقاد اسم "العنقاء" وهو طائر لا وجود له.

وعلى الرغم من ظهور القط في الكثير من اللوحات، مثل لوحتي "بنات بحري" و"عاصفة على الكورنيش" لمحمود سعيد، فإن القط عند حامد ندا – كما يرى صبحي الشاورني - ينطوي على شحنة كبيرة من الغموض.
أما عن النساء في عالم حامد ندا، فهو في الواقع الفعلي تزوج ثلاث مرات كانت الأولى عام 1949 وهو طالب بكلية الفنون الجميلة، وكان زواجه الأخير من الفنانة هند شلبي التي حققت لحياته الاستقرار وبددت شكوكه في ضرورة ملازمة الهموم والأحزان للفنان، وتأثرت ألوانه بهذه الحياة الهنية فذابت ألوانه رقة وأشكاله رشاقة وتكويناته عذوبة.
وتظهر النساء في معظم لوحات حامد ندا فارعات الطول، نحيلات الخصور، كبيرات الأرداف، لكن في شكل مسطح، ليس لهن حجم رغم أنهن يشغلن مساحة كبيرة من اللوحة، ويشير الشاروني إلى تغيير صاحبَ أسلوب الفنان في الستينيات تجاه الرموز الجنسية التي تميل إلى المبالغات التي يتخذها ستارا سيرياليا يكشف أحيانا بصراحة عن البعد الغريزي في حياة الفنان التي اختلفت بعد أن ضعف سمعه فأخذ الصوت يرتفع في لوحاته، فبعد أن كنا نسمع في لوحاته الأولى صياح الديك ومواء القطة، تطورت الأصوات لتخرج من امرأة تغني في الميكروفون، أو جواد يسابق الريح، ثم بعد ذلك من الفونوغراف أو البيانولا التي تخرج موسيقى صاخبة، ثم آلات النفخ وهي تجلجل في فراغ اللوحة. لقد أصبح الصوت المرتفع النبرة والذي يوقظ كل عناصر اللوحة هو المسيطر على أعماله كلما اقترب من الصمم التام.

وعلى الرغم من هذا الصمم التام الذي أصاب الفنان فإنه اتجه إلى غرفة التليفون – لسبب لا نعرفه - مساء يوم 25 أبريل/نيسان عام 1990 عندما انقطع التيار الكهربائي فجأة عن مصر كلها، وكان الفنان في مرسمه بمبنى وكالة الغوري بحي الأزهر، وهناك انكفأ على وجهه حيث لم ينتبه إلى المستوى الحجري المرتفع أمام هذه الغرفة، فسقط فاقدا للوعي بعد أن شجت رأسه، وقضى في المستشفى حوالي شهر، ثم أسلم الروح يوم 27 مايو/آيار عام 1990.