"لو أن للريح جوربا" لعبة الشعر نحو أنسنة الأشياء

في ديوان فريد السعيداني يصير للتراب حذاء وللريح جورب إصغاء لوقع الآخرين بنباهة.


الريح هي الأصل والفكرة الأولى، وهي الملاذ ما جعل الشاعر في هذا الشغف بسير الريح يتبعها كي لا يؤول إلى المغيب


الشاعر يحاور الريح ويبتكر أثرها العالي في تفاصيل الأشياء

الشعر هذا الطالع من ذاكرة التفاصيل وإيقاع الأشياء حيث الحواس تكتب سيرتها بشجن الحال واعتمالات الذات، ولا يملك الشاعر عندها، ومع ذلك، سوى أن يهب العناصر حيويتها لتقول شيئا من نشيده. الريح هنا حالة شعرية مثلا جعل منها صاحبها مدار سؤال وحنين، وقول للنفاذ إلى أحواله وتجواله في دروب مر بها في لون من الذكرى بل في كثير من النظر تجاه الآخرين، ليدلهم على طعم الريح في القصائد وفي الحياة وكيف لها أن تصير العنوان بين لونين والفكرة في لعبة اللليل والنهار. ومنهم الشعراء لدرء الضياع والمغيب.
"سأقول 
لقد ضيّع الشعراء نهاراتهم 
ضيعوا الريح في سلم تحت أثوابك المشتهاة 
مشوا عمرا خاط أغلبهم جورب الريح كي يتبعوها
وحين أناخوا بأبصارهم خلفهم لم يكن أثرا 
غير أقدامهم متدلية في حذاء المغيب...."
الريح هنا هي الأصل والفكرة الأولى، وهي الملاذ ما جعل الشاعر في هذا الشغف بسير الريح يتبعها كي لا يؤول إلى المغيب. إنها اللغة مادة الشاعر المتقلبة كالريح يحاول أسرها مبتكرا لها الجورب كي يحفظ الأثر والمعاني.
هكذا هي عوالم الشاعر فريد السعيداني في هذه المجموعة الشعرية التي عنوانها "لو أن للريح جوربا" الصادرة عن دار زينب للنشر والتوزيع سنة 2015 في 80 صفحة، ومن الحجم المتوسط، وفيها قصائد ضمن أربعة فروع هي "ترشدك الريح إلى" و"أي علاقة تقيمها الريح مع البيت والمسكن"، و"أرشديني إلى بصيرتك أيتها الريح"، و"باب الحضور.. باب الغياب".
ها هي الريح إذن يحاورها الشاعر ويبتكر أثرها العالي في تفاصيل الأشياء بين الأمكنة والبيوت والنوافذ يرتجي حكايات الشعر، وهو يطلق الأسماء على ما بدا مألوفا ليضفي عليه شعرية أخرى نراها ونلمسها في مشهديات شعرية على غرار قصيدة "سكان النوافذ":
"في البيت نافذة بأسنان مرتبة
تزيح ستائري حتى تحرك عضلتي فمها
تسمي الريح علكتها ...
لكي تتحرر الحجرات من ثقل الهواء
لذاك سمينا الخطى حرفا على شفة النوافذ
ثم قلنا للستائر أنت ألسنة تشد إلى حناجر
لا نسميها سوى حجراتنا ...
تلك التي يوما دخلنا - دون أن ندري – أسرتها
فسوس ضرسنا حتى انتبهنا
أننا أسنان نافذة تعاشر علكة الريح التي 
في عضلتي فمها".
هي قصائد الريح التي تنبت في الصور وفي الأرجاء والأيام. هي الوجد والحب والذكرى وثورة الأشياء على الأشياء. تبتكر عوالمها من ذات الشاعر حيث يقيم السعيداني في نصوصه هذه تلك العلاقة الجمالية لا يلوي على غير الريح جوابا على الساكن والميت والمنتهي والمهمل. هي انتباهة الشاعر يعلي من شؤون الذات وشواسعها في كون له من التداعيات والسقوط  ما به يرجو الرشاد تجاه بصيرة الريح متوسلا أملا في الشمس والطير، في انتظار باذخ هو الأمل والحياة :  

Poetry
قصائد بطعم الوجدان

"يدخل الصيف سريري
فأغطيه
وأحصي في الملاءات الهدايا
طائر يطوي جناحيه
وماء تقنص الشمس يديه
كنت دوما أشتهيها مثل صيف
يقفز البحر إليه
(.........)
خلف الصيف غيوما في سريري
لم أجد طيرا ولا شمسا تصيد الماء 
صار الضلع بيتا للشتاء
غير أني لم أزل منتظرا عودة صيفي
إنه الضلع وقد فتح عينيه".
قلق يسكن الشاعر فريد وهو الممتلئ بريح الأسئلة يجترح منها  كلمات وهيئات لوجوهه في هذه الدروب المفعمة بالحيرة. قلق هو ليس لأن الريح تحته بل إنه الماكث في أمكنته يرقب الريح بعينين من وجد وتأمل و ... فالريح جوابه المنتظر وهي السؤال بل عينه حيث الانشغال بمشيتها وصورتها وخطواتها المتخيلة. إنها لعبة التخييل في هذه القصائد المبثوثة في أسئلته نحتا للقيمة وتأصيلا للجمال وللكيان وللحكمة المشتهاة ... حكمة الرياح :
"كيف تمشي الرياح ولم نرها؟ 
كيف يلتقط الظل صورتها؟
أين خطوتها إن مشت حذونا؟
هل غمام يصاذر فتنتها؟
أفق مترب ذاك سلمها؟
هل صعدنا لنبلغ حكمتها؟ ......" . 
هذا حيز من سفر الشاعر فريد السعيداني الشعري وهو في عمله الشعري هذا "لو أن للريح جوربا" يجمع ما تشظى من هموم وهواجس تسكن الكائن في ضرب من الحلم والخيال الشاسع وبلغة سلسة وأخاذة، تقصدا لما يجعل الجمال عميما بوجه الإحباط والسقوط وهو يمضي في لعبة الشعر الباذخة نحو أنسنة الأشياء ليصير للتراب حذاء وللريح جوربا، وفي كل هذا وذاك يصغي لوقع الآخرين منتبها للحظة الآسرة.. اللحظة الشاعرة.
".... ها هي الطرقات تحمل جوعهم
ألقوا النهار من النوافذ ... واشتهوا
ما يبتنيه الغيب في أرض السماء 
معاول الريح العنيدة تهدم الآن المساكن
مسكن الفقراء
ترفو الريح جوربها بخيط الماء
نسمع وقع أقدام تئن على الثرى
ساقين تنكمشان داخل جورب 
فتئن أحذية التراب" .
إنها الريح تدل الليل على النهار والمعاني على اللغة والجمال على ألوانه. قصائد بطعم الوجدان وألق العبارة وترجمان الأسى يجمع بينها حرص الشاعر على ابتكار صوره الشعرية بعناية والقدرة على التخييل في سرد محبذ نحتا لحالات الشعر الجديدة والمتجددة قتلا للغناء الباهت والمفتعل من الأحاسيس في غير تكلف. وهذه هي لعبة الشعر ينحت مجاريه بعناية كمياه النهر تماما إذ تفعل فعلها الباذخ في الصخر.