لو انقلبت المعادلة… لماذا يُسمح بضرب كردستان ويُحرَّم ردّها ؟
في كل مرة يتعرّض فيها إقليم كردستان لضربة عسكرية أو أمنية تستهدف مطاراً، حقلاً غازياً أو موقعاً حيوياً، تتكرّر المشاهد نفسها: بيانات خجولة، صمت رسمي عراقي، قلق دولي بارد، وتبريرات إقليمية جاهزة. ثم تمضي الضربة… وتُنسى. لكن السؤال الذي يُتجنَّب دائماً: ماذا لو انقلبت الصورة؟ ماذا لو كانت ضربة واحدة فقط من البيشمركة نحو موقع عراقي؟ كيف كان سيتصرّف الجميع؟
الجواب معروف، لكنه مُحرِج… لو حدث ذلك، لتحرّكت بغداد بأقصى درجات الحزم ووصفت الفعل بالتمرد والانقلاب على الدولة.
كان البرلمان سينعقد فوراً، وكانت القرارات العقابية ستُصدر بلا تردّد، وكانت القوى الإقليمية ستتوحّد (رغم تناقضاتها) دفاعاً عن "وحدة العراق".
أما المجتمع الدولي، الذي يلتزم الصمت اليوم أمام الضربات المتكررة على كردستان، فكان سيستيقظ فجأة على خطورة التصعيد وضرورة "ضبط النفس" من طرف واحد فقط: الكرد.
هذه ليست قراءة افتراضية، بل معادلة مجرَّبة. والمفارقة أن إقليم كردستان، حين لم يستخدم السلاح بل لجأ إلى أبسط حق داخلي وسياسي – الاستفتاء – قامت الدنيا ولم تقعد.
لا ضربة عسكرية، لا إعلان حرب، فقط صندوق اقتراع، ومع ذلك عوقب الإقليم سياسياً واقتصادياً وجغرافياً وكأنه ارتكب جريمة كبرى. فما بالك لو اقترب من خيار القوة؟
الحقيقة التي يعرفها الشارع الكردي جيداً أن المعادلة ليست قانوناً ولا سيادة ولا استقراراً، بل مصلحة.
الكرد مقبولون ما داموا داخل هامش مرسوم لهم بدقة: يحرسون الحدود حين يُطلب منهم، يوفّرون الاستقرار حين تحتاجه الشركات، ويصمتون حين تُنتهك سيادتهم. أما إذا اختلفوا "ذرة واحدة"، إذا طالبوا بحق أو حاولوا كسر حلقة الاستباحة، فإنهم يواجهون فجأة إجماعاً دولياً نادراً… ضدهم.
وهنا لا بد من طرح السؤال الأعمق: لماذا يُنظر إلى الضربات المتكررة على كردستان وكأنها تفصيل ثانوي؟ ولماذا يُختبر صبر الكرد دائماً، وكأن التاريخ لم يكن كافياً؟
كردستان لم تُقسَّم بقرار شعوبها، بل بقلم القوى الكبرى. قُسّمت بين أربع دول، ثم تُرك شعبها يواجه الاضطهاد باسم "احترام سيادة الدول" نفسها التي وُلدت من تجزئته. والأكثر قسوة أن هذه القوى، التي تتحدث عن حقوق الإنسان والديمقراطية، لا تجد حرجاً في التضحية بحقوق الكرد دفاعاً عن أنظمة دكتاتورية حين تقتضي المصلحة.
لهذا لا يتساءل الشعب الكردي من باب العناد، بل من باب الوعي: إلى متى تبقى كردستان ساحة مفتوحة بلا رد، وبلا حتى موقف محترم؟ وإلى متى يُطلب من الكرد أن يكونوا عقلانيين وحدهم، بينما يُكافأ المعتدي بالصمت؟
إن تكرار الضربات ليس قدراً، بل نتيجة مباشرة لهذا التعامل غير المسؤول من جميع الأطراف: محلية، إقليمية ودولية.
ولو كان ردّ الفعل حازماً منذ الضربة الأولى، لما تكرّرت الضربات اليوم. المعادلة واضحة، وإن كانت قاسية: حين لا يكون لسيادتك ثمن، ستُدفَع دائماً من جسدك.