ليلى سليماني تقتفي جراح الأجيال والمنفى في 'سآخذ النار معي'

الرواية المترجمة حديثا تستعيد من خلال الأحفاد صدمات التاريخ العائلي والسياسي في المغرب وصراعات الهوية والحرية تحت وطأة سلطة الأب والنظام وقمع الذاكرة.

صدرت الترجمة الإنقليزية من رواية "سأحمل الشعلة" للمغربية ليلى سليماني، ولكن بعنوان "سآخذ النار معي"، وهو ترجمة ميكانيكية للعنوان الفرنسي J'emporterai le feu . وهذا العمل، كما يرى إدوارد أوسلين في مقالة نشرتها مجلة "الأدب العالمي المعاصر - وورلد ليتراشير توداي"، استعادة لتاريخ عائلة المؤلفة في المغرب وفرنسا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ويعتبر ثالث وآخر جزء من ثلاثيتها "في بلد الآخرين".

وإذا تكلمت في أول جزئين عن تاريخ العائلة الميسورة نسبيا، تعطي الصدارة هنا لأبناء الجيل الثالث، وعلى وجه الخصوص ميا وإينس. وهما من مواليد السبعينات، وابنتا عائشة بلحاج (الطبيبة النسائية الناجحة)، ومهدي داود (المسؤول الفني رفيع المستوى في وزارة الصناعة). والاثنتان على شاكلة والدتهما عائشة وجدتهما الفرنسية ماتيلدا، تبحثان عن قدر من الحرية والاستقلالية في مجتمع يتصف بالانقسام الطبقي الحاد، ويهيمن عليه الذكور والتقاليد الدينية الإسلامية. ونظرا لتزايد عدد الشخصيات في رواية متعددة الأجيال، أدرجت الكاتبة فهرسا توضيحيا للشخصيات القديمة والجديدة في المقدمة (كما فعلت في الجزء الثاني).

تبدأ الحبكة مع ميا التي أصابها  اكتئاب حاد بدأ معها من باريس،  حيث كانت تقيم وتكسب قوت يومها من الكتابة. ثم يتبين لاحقا أن السبب هو ذكريات سجن والدها في المغرب، خلال ما يعرف باسم سنوات القمع السياسي (وهي ثلاثة عقود شدد بها الملك قبضته على الحكم بنفس الأسلوب التي اتبعته المخابرات السوفييتية). ورغم تبرئة السلطات له بعد سنوات من وفاته، تترك المماطلة والتأخير أثرها على ابنتيه.  وتعد ميا في الرواية أقرب الشخصيات للمؤلفة، ويمكن أن نعتبر أنها الصوت الرئيسي فيها، وربما هي ضمير الثلاثية بأكملها. والعمل كله بالأساس مستوحى من حياة جدة الكاتبة،  المواطنة الفرنسية التي اقترنت بضابط مغربي، وعاشت معه في بلده بعد الحرب العالمية الثانية. وفي "فصل" لاحق تدور أحداثه عام 2022، تتكلم الرواية عن رحلة ميا إلى المغرب، بعد وفاة جديها بوقت طويل،  وزيارة مزرعة العائلة. وتغتنم الكاتبة هذه الفرصة للتفكير بآمال وإخفاقات ومصائر من سبقها من شجرة العائلة، ولا تنسى أن تتكلم عن صراع الأجيال، وهروب الشباب من الأب - الفعلي على مستوى الأسرة، والرمزي على مستوى النظام والمجتمع البديل. 

تصور الرواية أيضا سليم، شقيق عائشة الأصغر، الذي يهرب من فرنسا إلى نيويورك، ليعيش حياة أشبه بحياة الفنانين الفوتوغرافيين البوهيميين، وهو نمط حياة لا ينسجم معه والداه اللذان يحاولان عبثا إغراءه بالعودة إلى المغرب لتولي إدارة مزرعة العائلة المربحة. غير أنه يخاف من الأوضاع المتردية، ومن تشدد النظام. وبمشهد كوميدي سوداوي  ينتقد الابن خوف الجميع من التعرض لشخص الملك الحسن الثاني أو حتى مجرد التلميح له.  وتبني الكاتبة على هذه الناحية بقية الأحداث، وبأسلوب يلفه القليل من الغموض، كما فعل قبلها الطاهر بن جلون في عمله الهام "تلك العتمة المبهرة".  ومن المعروف عن الرواية المغاربية أنها تلمس السياسة العلية للدولة (دون حرق جميع أوراقها)، وتترك مساحة رمادية للصلح والتفاهم (ومن الأمثلة الهامة على هذا الأسلوب: "مجنون الحكم" لسالم بن حميش، و" سيدة المقام" للأعرج واسيني، و"الطلياني" لشكري المبخوت").  

ولكن إذا كانت الأعمال المذكورة تهتم بالفراغ السياسي وبديكتاتورية الحكام، تربط سليماني النتائج بالأسباب. وبلغة أوسلين: تصور المواقف الدرامية التي تعكس تغيرات الزمن والتطور البطيء للأنماط والنماذج، كما أنها تصور سياسة التابع، وتدين أزمة الحضارة وتفاوت الفرص والفجوة المتعمدة التي يتركها المستعمر قبل رحيله. وبلغة مختصرة لا تخلو رواية لليلى سليماني من "نبات" غريب في بيئة "متحولة".  وقد مهدت لهذا الاتجاه في ثاني أعمالها وهي رواية "أغنية هادئة"، وحازت بها عام 2016 على جائزة غونكور، أرفع جائزة أدبية سنوية في فرنسا.