مثيرات البيئة ودوافع الكتابة في "موسم التأنيث" 

بسمة البوعبيدي تنطلق في روايتها من البيئة التي عاشت فيها، وهي الجريد في الجنوب التونسي، وقد رسمت ملامحها في مناخ ثقافي واجتماعي وطبيعي واقتصادي ونفسي .


الساردة تعكس العناصر الطبيعية على صفات الشخصيات


سرعان ما تتحول الجنة إلى فضاء أرضي

بقلم: هيام الفرشيشي
 
انطلقت بسمة البوعبيدي في رواية "موسم التأنيث" من البيئة التي عاشت فيها، وهي الجريد في الجنوب التونسي، وقد رسمت ملامحها في مناخ ثقافي واجتماعي وطبيعي واقتصادي ونفسي . فالبيئة الطبيعية هي "جنة نائمة في حضن الصحراء مستكينة منذ عصور"، حيث غابة النخيل الذي يفني جهد الرجال لاستخراج عسل التمر، ينساب فيها الماء وتتسع لزراعة أشجار الرمان والزيتون والعنب وتنمو فيها شتى أنواع الزهور. 
وتعكس الساردة العناصر الطبيعية على صفات الشخصيات من خلال صور من وحي البيئة تقوم على المحاكاة والتأمل: مريم عسل التمر وشموخ الأصيل وشموخ النخل وحنو الأرض ودفؤها. وتتحول هذه العناصر الطبيعية إلى صور تسبر أعماق الشخصيات وهمومهم يرون من خلال أشكالها وألوانها ما يعبر عنهم بالتمثيل التخييلي الإبداعي.
"امتدت يده دون تفكير إلى شجرة رمان صغيرة فقطف أولى زهراتها.. أدارها بين أصابعه وهو يتأمل حمرتها شاردا ثم رمى بها لتنساب مع الماء ماضية إلى المجهول .. نظر إليها مشفقا .. كانت نقطة صغيرة حمراء تغمرها المياه الدافقة في تموجات وهي لا حول لها.. آلمه المشهد وأحس للحظات أنه زهرة جلنار حمراء ترمى إلى المجهول".
فالجنة النائمة في حضن الصحراء تستيقظ على كوابيس تقض مضجعها وتعبث بها وتنغص عليها جمالها كلما باغتتها رياح رملية تعصف بجنون ليلا تكاد تقتلع النخيل من جذوره والبيوت من أساسها. فتزحف عليها الرمال وتغمر طرقها. وسرعان ما تتحول هذه الجنة إلى فضاء أرضي، يتعامل مع النخل أيضا كحطب للطهي. تتقمص فيه الشخصيات الاجتماعية ملامح الزواحف التي تغزو المكان وتتقمص صفاتها مثل الأفاعي حيث وصفت زوجة الأب بالأفعى "واتقنت الأفعى التخفي خلف الكلمات ولم تلحظ الصغيرة نابين قد برزا يقطران سما زعافا".  

تكاد تقتلع النخيل من جذوره والبيوت من أساسها
يتعامل مع النخل أيضا كحطب للطهي

فضاء يغير من الصفات الطبيعية للكائنات الإنسانية، فتحمل الأنثى مخزون العنف السادي وخاصة عند تصوير الخصام بين مريم وصديقتها مارست فيه الصديقة أبشع أنواع التنكيل الجسدي وتركتها تنزف في الصحراء. أما الرجال فيبدون أكثر ألفة في التعامل في ما بينهم يجمعهم مجلس السيق المسائي المخصص لهم أمام الدكان للعب الورق والحديث. ولكنهم يتنازعون أحيانا في حالات سرقة الماء أو من أجل المسلك الغابي. وتبقى عصا المؤدب هي الموجهة لهؤلاء تاركة آثارها على طفولة قاسية قسوة الطبيعة لا تستكنه طعم البهجة إلا في الاأفراح والأعراس وعيد مايو في الغابة.
ولم تغفل بسمة البوعبيدي المناخ الاقتصادي اذ يستفيق أبناء الواحة رجالا وشبابا على صوت الأرض يناديهم للعطاء وصوت النخل مشرئب الأعناق يدعو لهم بالرزق لجني التمر وما يرافقه من فرز وعجن وتجفيف. كما تحدثت عن قلب الرحى والمقبض لسحق القمح وملء الخوابي وبيوت الخزين في الخريف. وبيع المحصول الفلاحي لتعمير الصناديق بالنفائس أي بالحلي وتقدير المال بالذهب. وإلى جانب الأنشطة المتعلقة بالزراعة والفلاحة عرجت على الصناعة التقليدية مثل نسج الكليم والمرقوم وهي مفروشات والأغطية الصوفية وبيع الدمى القماشية.
وأشارت الى اللباس التقليدي الذي تتمسك به شخصيات الرواية جبة تحت البرنس تعلو السروال العريض للرجال والملاءة السوداء ذات الخط الأبيض للنساء.
ولم تغب تصاميم العمارة في رواية "موسم التأنيث" مثل الدكة أمام الدار، السقيفة، السدة، الأزقة، الحواري، البيوت الطينية الواطئة، وفي المقابل مبان ضخمة من مخلفات الاستعمار الفرنسي مثل المدرسة المسقفة بالقرميد ببنائها الضخم المتناسق وجدرانها العالية وبابها الكبير. والمقبرة التي تعبر عن الفقدان والوجع "جاست قدماه بين القبور البيضاء المنتشرة". 
 وعرجت البوعبيدي على خصوصيات الأثاث البسيط ومحتويات السقيفة وهي البردعة والمنجل والعدل وكومة الحشف. وعلى الحيوانات مثل البقر والاتان، والحشرات السامة مثل العقرب التي تعالج لدغتها بالشفرة. وعلى الألعاب مثل لعبة الخرزتين في الصحراء ولعبة القوس المشكل بأغصان الشجر والاستيكة والحجر والأرجوحة المشكلة من حبل من سعف النخيل. ومن شخصيات المكان الحناية، بوكة المعتوهة، دخة والخماس.
والشراب المخدر هو اللاقمي في بيئة خطرة "حورية خضراء متمنعة يطوقها عملاق .. يدور حولها ولا يدري من أين يأتيها". مرت بدورها بتجربة التعاضد وافتكاك الجنان وظهور حركة سياسية احتجاجية وصفت بالشغب. 
فالمتن الحكائي لرواية "موسم التأنيث" لبسمة البوعبيدي استمدته من خلال البيئة بكل أبعادها لتصوير حكاية كابوسية من عمل العجائز، سالمة زوجة الأب التي أعطتها دمية مقابل وضع العقرب في صندوق أمها، فلسعت العقرب الأم وماتت، لتأخذ مكانها. تزويج مريم كحيوان وقع جسه ومعاينته، وتحسس عفتها بأظافر العجائز الوسخة. تصوير العريس في صورة ذئب نجس ينهشها. أشواك غرست في عينيها عقابا عن خطيئتها. وفي نهاية القصة تخلصت من مكمن الأنوثة والعقاب الاجتماعي استلته وغادرت .
ما قامت به البوعبيدي هو اختراع الحكاية من وحي البيئة ومناخاتها. فالبيئة لها مثيرات حفزت على كتابة الرواية، والبعد الإبداعي واضح في نسج تفاصيل الرواية من خلال ملامح الشخصيات الرجعية المتزمتة الشريرة القذرة في بيئة منغلقة. وبدت الشخصية الرئيسية في الرواية في حالة حنق يدل على قلق وتوتر حد المازوشية. أما تجربة التعاضد فقد تمت من خلال البحث في الأرشيف الصحفي عن تلك الأحداث عبر قصاصات من جريدة العمل الرسمية  لتجسم فكرة افتكاك الأرض/ الجسد.
ويبدو أن الفكرة اختمرت بعد نسج الارتسامات الطفولية حيث حضرت صورة الطفلة واستعرضت ذكرياتها مع الدمية والمدرسة ولعبة الخرزة والعنف الذي تعرضت له من طرف الصديقة. ولا ينفصل هذا عن نصوص بسمة البوعبيدي في تعرضها للكوابيس التي تعيشها شخصياتها النسائية مثل كابوس المرأة التي تضاجع كلبا وتشبيهها للزواج بأنها طقوس الذبح. 

تتقمص فيه الشخصيات الاجتماعية ملامح الزواحف
بسمة البوعبيدي 

وقد ارتكنت نصوصها إلى المناخ الخارجي الذي يدل على القلق والتهديد، ورغم أنها تبدو بيئة مهددة لحرية الإبداع والكتابة إلا أنها أفرزت لنا هذه الأعمال الأدبية المتفردة المعبرة عن أصالة التجربة الكتابية. ولكن تبقى الفكرة الكابوسية والعبثية مسيطرة على شخصيات البوعبيدي الأنثوية، فثمة دم فاسد أو سموم اختلطت بالدم البشري أدت الى موت الحياة الباطنية، وثمة نزعة تشاؤم، فالحياة لا معنى لها، والكتابة تبرز بشاعة صورها، والكتابة مرآة للعنف يسلط على الجسد الذي يحمل ثمرة الخطيئة فاسدة وهي خالية من المعنى، حتى وان وقع اجتثاثها فصورة المرأة ليست تلك الصورة الجمالية الأنثوية المفعمة بالإحساس والأنوثة والرقة والخصوبة، فالمجتمعات الذكورية المغلقة تمارس على جسد الأنثى وفكرها عنفا يفوق العنف الذي يمارس على ضحايا الحروب. فعذاباتها تجاه كائنات سيزيفية يفتح الكتابة على الجروح فتجاهر بها، ولا تخبئها بين الضلوع، فهي إدانة لعنف المجتمع والدولة والهيمنة على المرأة بأضعافها وإذلالها وتعنيفها وفي إحياء الوقائع وآثارها الصادمة.