مجلس الأمن يبدد أوهام الانفصال ويتجه لتثبيت سيادة المغرب على صحرائه
نيويورك – يقف النزاع حول الصحراء عند منعطف حاسم مع اقتراب مجلس الأمن الدولي من التصويت بغالبية الأصوات على مشروع قرار جديد يدعم خطة الحكم الذاتي المغربية بوصفها "الحل الأكثر جدوى وواقعية"، في ما يُعدّ نجاحاً دبلوماسياً حاسماً للمغرب الذي تمكن، بفضل رؤية العاهل المغربي الملك محمد السادس، من تحويل مبادرته إلى خيار دولي معتمد ومدعوم من القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا.
تحول في مسار الجهود الدولية
ومشروع القرار، الذي أعدته واشنطن يوصي بتمديد مهمة بعثة الأمم المتحدة في الصحراء المغربية (مينورسو) لمدة عام إضافي، ويشير بوضوح إلى أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الحل الواقعي والدائم للنزاع. ويتطلب القرار موافقة تسعة أعضاء على الأقل دون استخدام أي من الدول الخمس دائمة العضوية لحق النقض (الفيتو).
وتدعم الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن مقترح المغرب للحكم الذاتي حلا وحيدا قابلا للتطبيق للنزاع المفتعل وهذه الدول هي الصين وروسيا وكلاهما أبدى موقفا إيجابيا او إشارات لصالح المبادرة المغربية وكذلك الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة وهي الدول التي أعلنت صراحة موقفها المؤيد للطرح المغربي.
وأعلنت الصين، على لسان وزير خارجيتها وانغ لي، عن موقفها "الثابت" من قضية الصحراء المغربية، مؤكدة دعمها الحل السياسي والتفاوض كسبيل أساسي لتسوية النزاع، مع الإشارة إلى أن الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن تشكلان الإطار المرجعي الرئيسي لهذه التسوية.
وقد جاء ذلك خلال مكالمة هاتفية جمعته بنظيره الجزائري أحمد عطاف، الذي استعرض موقف الجزائر من النزاع، حيث شدد وانغ لي على أن الحوار والتشاور بين الأطراف المعنية هو الطريق الصحيح للتوصل إلى حل مقبول من الجميع، وفق مبادئ العدالة والإنصاف.
وقد اعتبر مراقبون أن الموقف الصيني لم يلبِّ توقعات الجزائر وجبهة بوليساريو، حيث اكتفت وزارة الخارجية الجزائرية في بيانها بالإشارة إلى المكالمة دون تقديم أي تفاصيل حول موقف بكين، ما يعكس عدم انحياز واضح تجاه الطرح الانفصالي.
وفي الوقت نفسه، يُلاحظ أن الصين لم تُعلن بعد دعمها المباشر لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، لكنها عبرت في مناسبات سابقة عن ميل نسبي للطرح المغربي، مؤكدة على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وهو موقف متسق مع سياستها تجاه الملفات الانفصالية داخلياً، مثل قضية تايوان.
ويؤكد هذا التوجه الصيني على أهمية الحوار الدولي والدبلوماسي في حل النزاعات الإقليمية، ويضع الصين في موقع داعم للجهود الأممية لحل نزاع الصحراء بطريقة سياسية، بعيداً عن الانحياز لأي طرف، ما يعزز فرص اعتماد الحلول الواقعية والقابلة للتنفيذ على الأرض، ويؤكد على دور الصين كلاعب دولي يسعى للحفاظ على الاستقرار الإقليمي والتنسيق مع المبادرات الدولية لحل النزاع.
ويرى دبلوماسيون أن التصويت المرتقب سيكون نقطة تحول حاسمة في مسار معالجة القضية داخل الأمم المتحدة، مع تزايد القبول الدولي بالمقاربة المغربية القائمة على الواقعية والتوافق بدل شعارات الانفصال والاستفتاء التي باتت، وفق تعبيرهم، "خارج سياق العصر".
وتدعم دول دائمة العضوية في مجلس الأمن المقترح المغربي، ما يؤكد أن التصويت على مشروع القرار سيكون لصالح الطرح والرؤية المغربية لحل النزاع المفتعل من قبل جبهة بوليساريو والجزائر، لينهي بذلك أوهام الجبهة الانفصالية والحاضنة الجزائرية.
رؤية ملكية رسمت ملامح التحول
ويقف وراء هذا التحول نهج الملك محمد السادس الذي جعل من الواقعية السياسية والدبلوماسية الهادئة ركيزتين في معالجة قضية الصحراء، فمنذ اعتلائه العرش، تبنّى العاهل المغربي رؤية متدرجة تهدف إلى تفكيك أحزمة الدعم للطرح الانفصالي الذي تمثله جبهة بوليساريو بدعم من الجزائر، عبر توسيع شبكة الشراكات الاستراتيجية وتعزيز الحضور المغربي في إفريقيا وأوروبا وأميركا اللاتينية.
وأثمرت هذه الرؤية نتائج ملموسة، إذ اعتمدت دول عدة من القارات الخمس موقفاً مؤيداً لمبادرة الحكم الذاتي، فيما افتتحت أكثر من ثلاثين دولة قنصلياتها في العيون والداخلة، ما يمثل اعترافاً فعلياً بالسيادة المغربية على الإقليم.
مغربية الصحراء مبدأ ناظم للسياسة الخارجية
وجاء التحول الأكبر مع الخطاب الملكي الذي أعلن فيه الملك محمد السادس أن المغرب ينظر إلى علاقاته الدولية من منظور مغربية الصحراء، مؤكداً أن سيادة المغرب ووحدته الترابية "ثابت وطني غير قابل للتفاوض أو المساومة".
وهذا المبدأ الحاسم جعل من قضية الصحراء معياراً حاكماً في توجهات الدبلوماسية المغربية، ووجّه بوضوح رسالة إلى العواصم الدولية مفادها أن أي شراكة أو تحالف مع الرباط يجب أن ينسجم مع هذا الثابت الوطني.
وقد نجح هذا الموقف الواضح في استقطاب دعم متزايد للمقاربة المغربية، حيث تبنّت واشنطن وباريس ومعهما لندن ومدريد، موقفاً منسجماً يدعم خطة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الجدي الوحيد للتفاوض.
الدعم الدولي يتسع حول المبادرة المغربية
وتقود الولايات المتحدة وفرنسا التحرك داخل مجلس الأمن لتكريس هذا التوجه الجديد، فقد جدّد البيت الأبيض دعمه للمقترح المغربي، مؤكداً أن "الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الحل الوحيد الواقعي"، فيما أكدت فرنسا أن الخطة المغربية "تمثل الأساس الأكثر جدية ومصداقية للتسوية السياسية".
وانضمت بريطانيا وقبلها إسبانيا إلى هذا الموقف، في ما يشبه تشكل محور دولي داعم للمغرب داخل المجلس، بينما ظلت الجزائر متمسكة بخيار الانفصال الذي يعتبره المجتمع الدولي غير قابل للتطبيق.
ويُتوقع أن يحظى مشروع القرار بتأييد أغلبية مريحة من الأعضاء، في مؤشر على نجاح الدبلوماسية المغربية في ترسيخ رؤيتها كمرجع معتمد داخل الأمم المتحدة.
تحول روسي يعزز الزخم الدولي للمقترح المغربي
ويُسجَّل في هذا السياق تحول لافت في موقف روسيا، التي أنهت عمليًا مرحلة ما كان يُعرف بسياسة "الحياد الإيجابي" في نزاع الصحراء، لتُبدي في الأشهر الأخيرة ميلاً واضحًا نحو المقاربة المغربية، سواء عبر تصريحات دبلوماسية رسمية أو من خلال مواقف داخل أروقة الأمم المتحدة، حيث أعطت موسكو إشارات إيجابية بدعم الجهود الرامية إلى جعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية قاعدة واقعية للحل السياسي.
ويعتبر مراقبون هذا التحول تطورًا نوعيًا ينقل روسيا من موقع المتفرج إلى صف الدول الكبرى الداعمة للتسوية الواقعية، وهو ما يعزز بدوره الزخم الدولي المتنامي حول المقترح المغربي داخل مجلس الأمن.
وخلال السنوات الأخيرة، انضمت عشرات الدول عبر القارات الخمس إلى هذا التوجه، منها ألمانيا وهولندا وبلجيكا وقبرص ورومانيا والمجر وصربيا في أوروبا، والإمارات والبحرين والأردن وعُمان في العالم العربي، والسنغال والكوت ديفوار والغابون والنيجر في إفريقيا، إلى جانب تشيلي والبرازيل وجمهورية الدومينيكان والباراغواي في أميركا اللاتينية.
وهذا الاتساع في رقعة الدعم يعكس نجاح الدبلوماسية المغربية في بناء تحالف عالمي متعدد الأطراف يرتكز على القناعة بأن مبادرة الحكم الذاتي تشكل الحل الوحيد القابل للتطبيق والضامن للاستقرار الإقليمي.
واقعية مغربية تُعيد رسم التوازنات الإقليمية
والنهج المغربي القائم على الواقعية والتدرج والانفتاح الاقتصادي جعل من الأقاليم الجنوبية نموذجاً في التنمية المندمجة، فالعيون والداخلة تحوّلتا إلى مركزين اقتصاديين كبيرين، وتزايدت الاستثمارات في مجالات الطاقة المتجددة والبنية التحتية، ما عزز الشرعية التنموية والسيادية للمغرب على الأرض، في مقابل تآكل الخطاب الانفصالي الذي فقد كثيراً من زخمه الإقليمي والدولي.
ويرى محللون أن التصويت المرتقب سيكون بمثابة إقرار أممي ضمني بواقعية المقاربة المغربية، وأن المغرب بصدد تتويج مسار دبلوماسي طويل أرساه الملك محمد السادس بوضوح الرؤية وحزم الموقف.
ويقول أحد الدبلوماسيين الأوروبيين في نيويورك "ما حققه المغرب في مجلس الأمن هو تتويج لعقيدة دبلوماسية ملكية جعلت من مغربية الصحراء حجر الزاوية في السياسة الخارجية. اليوم، لم يعد أحد يشك في أن الحل السياسي الوحيد الممكن هو الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية."
وبهذه التطورات، يدخل ملف الصحراء مرحلة مفصلية عنوانها الواقعية المغربية ووضوح الرؤية الملكية، في وقت تتجه فيه الأمم المتحدة إلى تبنّي مقاربة الرباط كإطار عملي للحل النهائي، بما يعيد رسم توازنات المنطقة المغاربية ويكرّس مكانة المغرب كقوة استقرار إقليمي وشريك استراتيجي موثوق.