الجزائر والقرار 2797: عندما تكشفُ اللغةُ حقيقةَ الصراع
لم يكن الجدل الذي رافق تأخر نشر القرار 2797 حول الصحراء المغربية مجرد تفصيل بروتوكولي أو مسألة تقنية في دهاليز الأمم المتحدة. لقد كان، في العمق، مرآةً عاكسة لطبيعة النزاع الإقليمي، ولحجم تورط الجزائر فيه، وللخطوط الحمراء التي يحاول النظام الجزائري إعادة رسمها كلما اقترب مجلس الأمن من تكريس الحقيقة.
فعلى مدى 24 يوماً كاملة، بقي القرار محتجزاً في قنوات الأمانة العامة للأمم المتحدة، في واقعة غير مسبوقة في تاريخ قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالصحراء. السبب المباشر؟ اعتراض الجزائر على ترجمة مصطلح "الأطراف" إلى العربية، وإصرارها على استبداله بعبارة "الطرفين"، في محاولة مكشوفة لتقليص دائرة المسؤولية وحصرها بين المغرب والكيان الانفصالي.
صراع لغوي أم هروب دبلوماسي؟
قد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، نقاشاً لغوياً بسيطاً. لكنه في الواقع كان آخر أوراق الجزائر للهروب من موقعها الطبيعي كطرف أصلي في النزاع. فمصطلح "الأطراف"، كما صاغته الولايات المتحدة في الوثيقة الزرقاء، يعكس جوهر المسار الأممي منذ أكثر من عقدين: أربع جهات معنية بشكل مباشر بمسار التسوية، تتقدمها الجزائر باعتبارها صاحبة المشروع، الراعية له، والمتحكمة في مفاصله.
ومثلما حدث في محطات سابقة، اعتقدت الجزائر أن هندسة الرواية قد تنجح حيث فشلت الهندسة السياسية. لكنها اصطدمت هذه المرة بإجماع داخل مجلس الأمن على ضرورة احترام الصياغة المتفق عليها، وعلى رفض أي تدخل خارجي يُعدّ سابقة خطيرة في عمل الأمانة العامة.
ضغوط غير مسبوقة… وحرج أممي
أفضت التدخلات الجزائرية المتكررة، حسب مصادر دبلوماسية، إلى حالة من الانزعاج داخل المجلس وإلى تساؤلات جدية داخل الأمانة العامة نفسها حول حدود ما يمكن لأي دولة القيام به للتأثير على وثيقة رسمية صادرة عن مجلس الأمن.
ولم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً قبل أن تتحول القضية إلى موضوع للنقاش الإعلامي وللتحليلات السياسية التي رأت في هذا التأخير غير المبرر مؤشراً إضافياً على الارتباك الذي أصاب الدبلوماسية الجزائرية بعد ترجيح كفة مقترح الحكم الذاتي كحل وحيد واقعي وعملي للنزاع.
انتصار للوضوح… وهزيمة للهروب
حين نُشر القرار أخيراً، وباللغات الست، كان واضحاً أن مجلس الأمن أراد إغلاق الباب نهائياً أمام كل التأويلات المتعسفة: الصياغة الرسمية تبنت مصطلح "الأطراف"، كما هو، وكرّست بذلك الإطار السياسي الذي يقوم عليه المسار الأممي.
وهذا يعني ببساطة أن الجزائر، مهما حاولت، لا تستطيع التنصل من مسؤوليتها الدولية والسياسية والأخلاقية في استمرار هذا النزاع.
ما وراء اللغة: حدود المناورة
تكشف هذه الواقعة أن الجزائر لم تعد تراهن فقط على المناورات السياسية أو التحالفات الدبلوماسية، بل باتت تعتمد أيضاً على التلاعب بالصياغات ومحاولة إعادة تشكيل مفاهيم أساسية في مسار التفاوض. غير أن ما لم تدركه هو أن العملية السياسية اليوم بلغت مرحلة من الوضوح لا تسمح بمثل هذه الألعاب اللغوية، فالقرار 2797 جاء في سياق دولي جديد يتسم بوضوح مواقف القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي ترى في مبادرة الحكم الذاتي الحل الواقعي الوحيد. كما جاء في سياق إقليمي يعيش فيه المغرب دينامية قوة صاعدة، أعادت رسم توازنات المنطقة وأفقدت الأطروحة الانفصالية آخر مصادر زخمها.
خلاصة
قد تنجح الجزائر في تعطيل نشر قرار، أو الضغط لتعديل عبارة، أو خلق ضباب لغوي مؤقق، لكنها لا تستطيع تغيير الواقع: هي طرف أصيل في النزاع وهي مسؤولة عن استمراره. وقواعد اللعبة اليوم لم تعد تسمح بالهروب أو بالتلاعب بالمفردات.
لقد أكد القرار 2797 أن زمن الغموض انتهى، وأن النزاع الإقليمي حول الصحراء وصل إلى مرحلة جديدة، عنوانها: وضوح أكبر… ومسؤوليات أوضح… ومستقبل لا يمكن أن يُبنى إلا على الواقعية.