محمود الريماوي صانع مفارقة ماهر في السرد العربي

الريماوي يصنع مفارقة في السرد الروائي في روايتيه 'من يؤنس السيدة' و'حلم حقيقي'، ويركز على المنحى العجائبي المثير للدهشة والكثافة التخييلية ويمزج بين الحلم والواقع والتضاد بين المظهر والحقيقة.


رواية 'حلم حقيقي' تنطوي على نوعين من المفارقات لفظي وموضوعي

المفارقة ظاهرة سديمية في الأدب، يصعب إيجاد تعريف دقيق ومختصر لها، والتعامل معها شبيه إلى درجة ما بمحاولة لملمة الضباب، كما يقول أحد أبرز منظريها الناقد الإنكليزي دي. سي. ميويك، لأن الكثير منها موجود للإمساك به لو كان ذلك مستطاعاً، في حين أنها مغامرة أكثر عرضة للإخفاق، تختفي كلما اقترب المرء منها وتكون دائمة التحول والتشكّل، وأنماطها ووظائفها متعددة بحيث يصعب إدراجها تحت تعريف واحد. لكن، بالرغم من ذلك، يمكن القول إنها تعني التخفي تحت مظهر مخادع، والتظاهر بالجهل عن قصد، ومن أهم خصائصها: التناقض والسخرية والغموض والوعي الضدي والعجائبية والفطنة والجروتيسك والعبث. 
لم تعرف الدراسات الأدبية العربية مصطلح "المفارقة" إلا منذ وقت قريب، من خلال الترجمة، في حين عرفته الدراسات الأدبية الغربية منذ زمن بعيد، فقد كتب عنه الشاعر والناقد والفيلسوف الألماني فردريك شليجل، وهو أول من أدخله في مجال الأدب. حيث عدّ المفارقة شكلاً من النقيضة، وإدراكاً لحقيقة أن العالم في جوهره ينطوي على تناقض، وأن الوعي الضدي هو الذي يستطيع الإمساك بكليته المتنافرة. والمفارقة تعني في رأيه ذلك الصراع بين المطلق والنسبي، والوعي المصاحب للاستحالة.
ومما يؤسف له أن الثقافة العربية لم تظهر فيها غير مجموعة قليلة من الدراسات النظرية والتطبيقية التي حاولت أن تقرأ تجليات المفارقة في السرد القصصي والروائي والشعر القديم والحديث والأمثال، ولعلّ أهم دراستين نظريتين هما دراسة كلّ من نبيلة إبراهيم في كتابها "فن القص في النّظرية والتطبيق"، الذي خصصت فيه مبحثاً للمفارقة مع نماذج تطبيقية عن الجاحظ والمتنبي والمازني، ودراسة سيزا قاسم الموسومة بـ"المفارقة في القص العربي المعاصر"، ودراسة لأمينة رشيد بعنوان "المفارقة الروائية والزمن التاريخي"، ودراستا نجاة علي "المفارقة في أعمال يوسف إدريس"، و"مفهوم المفارقة في النقد الغربي".     
في السرد العربي برز العديد من الروائيين والقصاصين، منهم يوسف ادريس، وإيميل حبيبي، ومحمود الريماوي وقد كتبت عن أنواع المفارقة التي تنطوي عليها قصص الريماوي في تقديمي لمجموعته القصصية "رجوع الطائر"، وهي على نحو عام مفارقات مشهدية ولفظية مثيرة للسخرية الناعمة، ومواقف غير معقولة ومتنافرة مع الواقع، أو تتسامى عليه باشتباك أصحابها مع أحلام وهواجس وأفكار ذات نفحة أخلاقية عالية، وبحث طفولي مفعم بالبراءة والحساسية عن الإلفة والوداعة والجمال في الكائنات الحية. وقد تبين لي فيما بعد أن الريماوي صانع مفارقة في السرد الروائي أيضاً، وذلك في روايتيه "من يؤنس السيدة" و"حلم حقيقي".  
تتناول الرواية الأولى حياة السيدة حسيبة (أم يوسف)، الأرملة الوحيدة في مدينة الزرقاء شمال العاصمة الأردنية، التي جاءت من فلسطين صغيرةً مع عائلتها هرباً من الاحتلال الإسرائيلي حتى تزوجت وبنت عائلة بنفسها، قبل أن يتوفى الزوج ويرحل الأبناء كل إلى مستقر. 
تعثر "أم يوسف" على سلحفاة صغيرة في الطريق وتقرر أن تجلبها معها إلى البيت لتؤنسها، وكأن بهذا الحيوان الصغير يصير معادلاً للمرأة الوحيدة التي لا تحكي كثيراً، المهمومة بعائلة انتهت إلى التشرذم المحكوم بظروف الحياة والشتات. المرأة الأخرى، جارتها المسيحية أم عوني تسندها وتتعاطف معها وتروي بعضا من حياة الجارة. لكن في بيتها هي ابنة المنطقة الأصلية، تحدث تفاصيل تعج بالحياة والفرح، من بيع وشراء للسكن وزواج للأبناء. وضع يكشف، بالمقارنة أن بيت الجارة الوحيدة خالٍ من ضجيج الحياة أشبه بصدفة السلحفاة الساكنة المعتمة. 
تتمثل المفارقة في هذه الرواية، حسبما أرى في المنحى العجائبي المثير للدهشة، حيث تغدو السلحفاة (سيّدة الصّمت العميق) صوتاً مؤنسناً سارداً، تتكلم وتبث همومها مثل صاحبتها السيدة حسيبة، فبينهما جذر مشترك نبتت منه علاقة أُنس فريدة بين كائنين وحيدين مهملين. ولِمَ لا تبتدع مخيلة محمود الريماوي ذلك؟ ألم تسبغ مخيّلة العديد من الكتّاب في العالم بعض الصفات البشرية على الحيوان في أدب الأطفال وأدب الكبار كمناورة لإيصال رسائلَ معيّنة، مثل ابن المقفع، تولستوي، ميخائيل بولفاكوف، غسان كنفاني، وغيرهم؟  
هذه المفارقة العجائبية في رواية الريماوي ترتبط بالكثافة التخييلية التي تنتج عنها انزياحات وخروج عن الواقعي والمألوف، انطلاقاً من الخارق الذي يعمل على إنهاض الحدث وتخليصه من رتابته، واعتماداً على المغايرة كحامل دلالي وفني أيضاً. ومن يدقق في هذه الرواية سيكتشف مفارقات أخرى حتماً. 
وتتمثل المفارقة في رواية "حلم حقيقي" بالعنوان أولاً، فهو يقوم على محو التضاد بين الحلم والحقيقة، والمزاوجة بينهما. إنها مفارقة خفية تتجنب أية إشارة من شأنها أن تكشف عن مراميها بشكل مباشر وواضح، بل يحاول الريماوي أن يمرر من خلالها ما يريد أن يقوله من دون أن يُكتشف: هل ثمة حلم حقيقي وآخر خيالي أو فانتازي؟ إن كل فانتازي عجائبي أو مرادف له. 
المفارقة الثانية تكمن في البنية الدلالية للرواية، فأحلام البشر لا تنعقد حول المتاجرة بالصحة والأعضاء والخلايا البشرية، كما فعل الفريق الطبي الأوروبي في مدينة "دكا" ببنغلادش، الذي يختفي وراء تقديم العلاج والمساعدات الطبية للمعوزين، بينما هدفه الحقيقي هو الحصول على الأعضاء والخلايا البشرية لزرعها في أجساد المرضى والمتقدمين في العمر من الأوروبيين الموسرين، لمعالجتهم وإطالة أعمارهم. ويستعمل الفريق الطبي عدة وسائل، بمعونة أطباء وممرضين من أهل البلد للقيام بمهمته الجهنمية، منها بعث مرضى للخارج لإجراء العمليات الجراحية، فيعود بعضهم في صناديق الأموات، ويعود بعضهم حياً ليموت بعد مدة قليلة في وطنه، ومنها عقد صفقات بيع وشراء مع أصحاء يعانون من الحرمان، ويحلمون بالحياة ولو سنوات من عمرهم في بحبوحة من العيش. 
إنها جرائم قتل تُرتكب بقفازات بيضاء، في مفارقة مواقف عجيبة تقوم على التضاد بين المظهر أو المعلَن والحقيقة، ينقلب فيها اللون الأبيض، رمز الخير والطهر والعفة والنزاهة، إلى سلوك أسود شرير. وهي إدراك لحقيقة أن العالم في جوهره ينطوي على تناقض، وأن الوعي الضدي هو الذي يستطيع الإمساك بكليته المتنافرة.  
أما المفارقة الثالثة، فتتعلق بعنصر الفضاء السردي، أو ما يُعرف تقليدياً بالمكان الروائي، وهي مفارقة تضاد أيضاً. ثمة تقابل بين فضائين يشكّلان مسرحاً لأهم أحداث الرواية، هما فضاء المستشفى وفضاء مقر الصحيفة، فالمستشفى يمثل فضاء الجريمة والموت، وانتهاك حرمة الجسم البشري، بدلاً من أن يكون فضاءً للعلاج وإنقاذ الأرواح، بل إنه يمثل فضاءً لموت من نوع آخر لا يقل قسوةً وضراوةً على الناس. إنه موت الضمير في الإنسان، وموت المبادئ والقيم الإنسانية النبيلة. أما مقر الصحيفة، فيمثل فضاءً ثقافياً وإعلامياً وظيفته البحث والتحري عن أخبار ما يجري في المجتمع من أحداث ووقائع وإماطة اللثام عنها. إنه فضاء الفضح والكشف عن حقائق يراد لها أن تبقى في طي الكتمان والمسكوت عنه.  
وهكذا انطوت هذه الرواية على نوعين من المفارقات، لفظي وموضوعي، هما نتاج رؤية الريماوي الثاقبة لظواهر الحياة اليومية العادية، وقدرته على تحويلها من صور ولقطات إلى تجربة إنسانية مكثفة. 
ثمة ميّزة أخرى مهمة جداً في هذه الرواية، وهي أنها من الروايات العربية القليلة التي يممت صوب الشرق لتتخذ منه فضاءً وأحداثاً وشخصياتٍ، فمن يراجع سجل الرواية العربية التي تناولت عوالم خارج العالم العربي، سيجد أن أغلبها يمم صوب الغرب، أما ما اتجه منها إلى الشرق فهو نادر، مثل رواية "في سبيل الزواج" لرائد الرواية العراقية محمود أحمد السيد عام 1921، التي تجري أحداثها في بومباي بالهند، وروايتي "سمرقند" و"حدائق النور" لأمين معلوف، ورواية "سنونوات كابول" لياسمينة خضرا، ورواية "بذور الشيطان" للكاتبة السورية لينا كيلاني. 
وقد صدق الريماوي حين قال إنه اتخذ بنغلاديش فضاءً لروايته لأن "العالم أوسع الغرب، وأكثر غنىً وتنوعاً من أن نقصر اهتمامَنا على قطب حضاري أوحد".  
ومحمود الريماوي هو قاص وروائي وصحفي أردني  فلسطيني، مُقيم في عمان، وأصدر 13 مجموعة قصصية ابتداء من العام 1972، ثم أتبعها بعدة مجموعات قصصية، ووصلت روايته "من يؤنس السيدة" إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) سنة 2010.
ويزخر الأردن بتظاهرات ثقافية ومعارض للكتب ويحرص على دفع عجلة الثقافة وتوسيع رقعة انتشارها.