مركز المعادلة السيادية في الرياض
ضمن رؤية استخباراتية أميركية قديمة لمنطقة الشرق الأوسط تخدم المشروع الإسرائيلي التوسعي، برزت شخصيتان من بين غيرهما: هنري كيسنجر وزبيغنيو بريجنسكي، إذ بلغا أعلى مراتب مؤسسة الأمن القومي الأميركي بقوة الفكر والطموح والإرادة.
وكان لكلٍّ منهما تأثير كبير في تاريخ الولايات المتحدة واستراتيجياتها الكبرى. ففي عام 1961، طرح بريجنسكي على الرئيس ليندون جونسون رأيه القائل إن التطورات التكنولوجية الأميركية قادرة على تسريع الانحدار السوفياتي. وكان يرى أن النفط والإسلام أداتان استراتيجيتان يمكن استخدامهما في مواجهة الشيوعية، كما لعب دوراً كبيراً في التفاوض على اتفاقيات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1978، بهدف حرمان السوفييت من حلفاء رئيسيين، وفي مقدمتهم مصر.
وتأتي خطة "حدود الدم" للجنرال رالف بيترز في هذا السياق، إذ اقترح حلاً للصراعات والنزاعات في الشرق الأوسط يقوم على إعادة رسم الحدود وفق التمايزات الطائفية والعرقية والدينية. وقد نشر أفكاره في مقال عام 2006 على صفحات المجلة العسكرية الأميركية "آرمَد فورسِز جورنال".
ومنذ احتلال إدارة بوش الابن العراق عام 2003، وانقلاب حركة حماس على السلطة الفلسطينية عام 2007، وسيطرة حزب الله على لبنان عام 2006، وثورات "الربيع العربي" عام 2011، واحتلال الحوثيين صنعاء عام 2014، جرى تشكيل هوامش لمحاصرة السعودية والمنطقة العربية.
وقد شاركت في هذه الخطط تيارات وميليشيات إسلامية وغير إسلامية لتسريع مسارات التدمير، ما أدى إلى تآكل الجغرافيا، ليس في الدول العربية فحسب، بل أيضاً في القرن الأفريقي، ولا سيما في مرحلة ما بعد "الربيع العربي".
ولمواجهة هذه الخطة المدمرة التي فتّتت المنطقة، أقدمت السعودية، برعاية الأمير محمد بن سلمان، على الإعلان عن خطة كبرى للشرق الأوسط، تمثلت في رؤية تنموية مزدهرة عام 2016. وتضمنت الخطة تنفيذ مشروعات وطنية صلبة وجاذبة للمستثمرين العالميين، بما يشجّعهم على المشاركة في إنهاء الصراعات. وقد نتج عن ذلك شراكة أوروبية – عربية أسهمت في حشد الدعم الدولي لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، اعترفت بها أكثر من 153 دولة.
وتتجلى هشاشة الأطراف، من إيران إلى تركيا إلى إسرائيل، التي ظنّ البعض أنها تمتلك وزناً نوعياً في مواجهة ثقل الرياض. غير أن المنطق الاستراتيجي يضعها في موقع "الدولة المانحة للوزن"، التي تعيد توظيف هشاشة الأطراف لتوسيع مركزها، ثم تتخلّص منهم عند أول اختبار أمني، كما حدث مع حركة حماس، التي تخلى عنها حزب الله والحرس الثوري، وكذلك تخلي الحرس الثوري لاحقاً عن حزب الله. وفي المقابل، فإن التحالف مع إسرائيل لا يصنع توازناً، بل يُنتج اختلالاً وظيفياً. كما أن هناك دولاً تمتلك المال لكنها لا تمتلك الحجم الجغرافي، وتصطدم بالعمق الاستراتيجي السعودي سعياً لإرضاء قوى كبرى.
وحتى الولايات المتحدة، التي تبنّت شعار "أميركا أولاً"، تتجه نحو الانكماش الداخلي، وقد اكتشفت منذ عام 1945 السعودية بوصفها قوة جغرافية وسياسية راسخة. واليوم، تنظر واشنطن إلى السعودية بوصفها زعيماً للمنطقة، بما يتيح لها التفرغ لتطويع الجوار ومواجهة الصين، بهدف الإبقاء على الهيمنة الأميركية.
تمثل السعودية ثقلاً مركبا غير مستعار من أي قوة أخرى، نظرا لامتلاكها شرعية دينية بوجود الحرمين الشريفين ورعايتهما. وقد فشلت الأطراف في انتزاع هذه الشرعية أو مشاركتها أو تشكيل شرعية موازية. كما تمتلك السعودية قوة اقتصادية متصاعدة، لا سيما بعد تبني "رؤية المملكة 2030"، التي جعلت من السعودية قطباً اقتصادياً عالمياً جاذباً، يمسك بمفاتيح الطاقة العالمية. واستثمرت السعودية موقعها الجغرافي الرابط بين الشرق والغرب، وهو موقع يشكّل كتلة جيوستراتيجية راسخة.
وتمتلك السعودية أيضاً قوة سياسية تجمع بين المدى والمبدأ، وبين الشرعية والقدرة، ومدارا جيوسياسيا قادرا على صياغة المعادلات السياسية، وإنتاج التوازن الإقليمي ذاتياً، وتحويل الجغرافيا إلى قرارات. وهي بذلك قطب مرجعي، ومحور اتزان، ودولة مركز ودولة قرار، نظراً لما تتمتع به من ثبات بنيوي في محيط مضطرب، وثقل مركب في مواجهة كيانات قزمية تدّعي أو تتوهّم القدرة على موازنة السعودية، سواء كانت تتبع المحور الإيراني أو الإسرائيلي. فكلا المحورين يقتاتان على أوهام المظلّات الاستراتيجية، لكن ببعدهما عن قلب الجزيرة العربية السياسية، تاهوا في صحراء الجغرافيا وانكشفوا استراتيجياً. والأمثلة كثيرة، من حماس إلى حزب الله والحوثيين وغيرهم، وهو ما دفع السعودية إلى التوجه نحو التهدئة مع الحوثيين عام 2022، ومع طهران برعاية بكين في مارس/آذار 2023.
وقد شعرت دول العالم كافة بثقل المعادلة السياسية في الرياض. إذ أشار الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى أن السعودية كانت في السابق بعيدة عن التدخل مع أي طرف، لكن بات لزاماً عليها اليوم التدخل في القرن الأفريقي لحماية المصالح المشتركة، في ظل الضعف العربي الواضح، علماً بأن ميناء مصوع يرتبط تاريخياً بتهامة تجارياً واجتماعياً.
وفي هذا السياق، عُقد اللقاء الثالث في طهران بحضور الصين بتاريخ 9/12/2025. فقد تغيّرت السعودية وازدادت قوة، كما تغيّرت إيران، لا سيما بعد الضربات الاثنتي عشرة المتبادلة مع إسرائيل، وكذلك عززت الصين قوتها ومكانتها العالمية، خصوصاً بعد نجاحها في مواجهة الحرب التجارية مع الولايات المتحدة. وقد أعلنت الدول الثلاث دعمها للحل السياسي الشامل في اليمن، بما يتوافق مع المبادئ المعترف بها دولياً، وتحت رعاية الأمم المتحدة.
ويأتي انعقاد الاجتماع الثالث في ظل سياق إقليمي معقّد وتوترات متصاعدة في البحر الأحمر والخليج، ما يمنحه وزناً سياسياً إضافياً. كما يكرّس هذا الاجتماع دور الصين وسيطاً استراتيجياً قادراً على التأثير في توازنات المنطقة، ويوسّع مساحة التوافق في مواجهة التوترات التي تثيرها الهجمات الإسرائيلية. وتتجه المنطقة نحو إعادة تعريف جيوسياسية للعلاقات بين إيران والسعودية، مع بروز دور صيني واسع يسعى إلى تحويل العلاقة بين البلدين من تنافس صدامي إلى علاقة قائمة على التفاعل والتعاون، وإدارة الخلافات الإقليمية بطريقة تحول دون توسيع نفوذ القوى فوق الإقليمية، سعياً إلى تشكيل نظام إقليمي جديد أكثر استقلالية وتوازناً، وتعزيز التعددية الإقليمية والدولية، في إطار توازن النفوذ الصيني في غرب آسيا.