عودة لبنان إلى عمقه الخليجي والعربي

خطوة رفع حظر سفر السعوديين إلى لبنان تأتي لتشكّل انفراجة في هذه أزمة بيروت الاقتصادية.

أوقفت السعودية وبقية دول الخليج سفر مواطنيها إلى لبنان بعد ضبط شحنة رمان تحتوي على مخدرات في عام 2021 من مرفأ بيروت، إلى جانب إيقاف الصادرات اللبنانية نتيجة التقاعس من الحكومات المتلاحقة. لكن السعودية رفعت الحظر عن سفر مواطنيها إلى لبنان في 13/11/2025 بعدما لمست كفاءة في حكومة العهد الجديد في لبنان في الحد من تهريب المخدرات وتوقّف استخدام لبنان كمنصة لتهديد أمن الدول الخليجية والعربية.

تنفّس لبنان الصعداء من الرئة السعودية عندما رُفع الحظر عن سفر المواطنين السعوديين إليه. وهناك زيارة مرتقبة لوفد سعودي كبير إلى لبنان يترأسه الأمير يزيد بن فرحان، بهدف إزالة العقبات التي تعيق الصادرات اللبنانية إلى السعودية، والعودة إلى تفعيل 22 اتفاقية بين البلدين، منها اتفاقيات تتعلق بمنتجات زراعية وصناعية، إلى جانب التعاون في قطاعات متعددة على رأسها الإعلام والتعليم. ما جعل الرئيس نواف سلام يصرّح بأن لبنان عاد إلى الحضن العربي، في إشارة إلى أن العجلة انطلقت، خصوصًا بعد شروع السلطات التنفيذية والتشريعية في ترجمة التعهدات بتنفيذ إصلاحات بنيوية واسعة النطاق من خلال خطة تعافٍ شاملة، في ظل كون السياحة ركيزة أساسية للاقتصاد اللبناني.

عانى الاقتصاد اللبناني من انكماش كبير، إذ تراجع الناتج المحلي الإجمالي من 50.93 مليار دولار عام 2017 إلى 28.28 مليار دولار عام 2024، أي ما يوازي خسارة 22.65 مليار دولار، بل انحدر حجم الاقتصاد المحلي إلى ما يقارب 20 مليار دولار، مع معدلات تضخم بلغت 52.5 في المئة قبل أن تنخفض إلى 45.2 في المئة عام 2024، فيما بلغت في عام 2023 نحو 221.3 في المئة، نتيجة سيطرة الاقتصاد الموازي على حصة وازنة من الأنشطة، وتدفق الأموال والمعاملات التجارية من خارج القطاع المالي الشرعي.

ولا تزال حالة عدم اليقين طاغية على النظرة المستقبلية الخاصة بلبنان واقتصاده، ولا سيما مع استمرار العوامل المربكة على الصعيدين السيادي والسياسي، وزحمة الاستحقاقات وفي مقدمتها ملف حصرية السلاح، ومكافحة الأنشطة الاقتصادية والمالية غير المشروعة، ووضع مقاربة فعّالة وعادلة لاحتواء الفجوة المالية البالغة نحو 72 مليار دولار. كما حجب صندوق النقد الدولي تقديراته لنمو الناتج المحلي اللبناني للأعوام المقبلة وحتى سنة 2030 بسبب استمرار الضبابية الشديدة حول الأوضاع الاقتصادية. وتأتي خطوة رفع حظر سفر السعوديين إلى لبنان لتشكّل انفراجة في هذه الأزمة الاقتصادية.

ووعد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعقد مؤتمر في باريس لدعم الاقتصاد اللبناني، لكنه لم يرَ النور حتى الآن، ريثما يسير لبنان نحو الإصلاحات تشريعيًا وتنفيذيًا. وتستشعر باريس الانقسامات الداخلية حول ملف نزع سلاح حزب الله، فأرسلت الجنرال الفرنسي فالنتي سيلة ممثلًا لها للرقابة على وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله الساري منذ عام. كما واصلت الموفدة الفرنسية جولاتها على المسؤولين اللبنانيين لتفعيل الدور الفرنسي في لجنة الميكانيزم، وترسيم الحدود البرية مع سوريا، ودفع الإصلاحات الحكومية القائمة على ثلاثية التوافق الفرنسي–الأميركي–السعودي، خصوصًا وأن إسرائيل تجاوزت الخط الأزرق بأربعة آلاف متر وفق قيادة اليونيفيل، وهو ما يعد انتهاكًا لقرار مجلس الأمن 1701 ولسيادة لبنان وسلامة أراضيه، تجنبًا لمنح حزب الله ذريعة لرفض تسليم سلاحه.

ووفق تقارير، فإن الحزب يعود تدريجيًا إلى مناطق قريبة من الخط الحدودي، لا سيما في القطاع الممتد بين نهر الليطاني والحدود، وخصوصًا في مدن كبيرة مثل النبطية، حيث يجري إعادة انتشار تدريجي لعناصره. وتقدّر إسرائيل أن حزب الله لا يزال يمتلك عشرات آلاف الصواريخ التقليدية، إلى جانب آلاف الصواريخ الدقيقة، فضلًا عن إنتاج آلاف الطائرات المسيّرة الانتحارية منذ انتهاء الحرب الأخيرة. كما يُتوقّع عقد مؤتمر مخصص لدعم الجيش اللبناني في السعودية.

كما أوفدت الولايات المتحدة وفدًا من وزارة الخزانة الأميركية، مؤكدة أن طلباتها من لبنان جدية، وأن هناك مهلة لتجفيف مصادر تمويل حزب الله، خصوصًا وأن "القرض الحسن" كيان مثير للقلق يجب مقاضاة مستخدميه. وفي خضم زحمة الحركة والملفات، وصل إلى بيروت السفير الأميركي الجديد ميشال عيسى، فيما أصدر الرئيس ميشال عون بيانًا يكلّف فيه الجيش بالرد والتصدي لأي محاولات توغل إسرائيلية برية، بهدف إيصال رسالة للجميع بأن الجيش أصبح صاحب القرار في الجنوب، وهو المكلّف بحمايته، في سبيل بناء دولة قوية يكون الولاء النهائي فيها للوطن.

وأكد السفير السعودي وليد بخاري في لبنان أن السعودية تقف إلى جانب لبنان وهي منفتحة على جميع مكوناته، ويهمها استقراره وازدهاره. وأشار إلى ثوابت السياسة السعودية، مؤكدًا أن بلاده مع حل الدولتين وتسخر كل إمكاناتها للوصول إليه. كما رحّب الرئيس عون بقرار السعودية البالغ الأهمية للبنان، مؤكدًا أن حماية لبنان تأتي من محيطه العربي.