مستقبل أسعار النفط: موعد ثان مع 100 دولار

أوبك بلاس تتحرك بفاعلية لموازنة العرض مع الطلب بعيدا عن تذبذبات استحدثها دخول النفط الصخري المعادلة وفي مراعاة لحقيقة تراجع الاستهلاك بسبب كورونا.


دخول النفط الصخري إلى الأسواق زاد حجم الإنتاج العالمي بنسبة 10بالمئة


شركات النفط الصخري تضع لنفسها استراتيجية تجارية خاصة تتعلق بمدى استقرار السعر

ارتفعت أسعار النفط يوم الاثنين الماضي متجاوزة عتبة الـ70 دولارا للبرميل الواحد بعد مرور أكثر من عام على انخفاض الأسعار النفطية وهبوط مؤشرها لمستويات تاريخية جراء انتشار جائحة كورونا وتأثر حركة النشاط التجاري في أنحاء العالم.

وخلافا لأغلب التوقعات حتى المتفائلة منها حول عودة الأسعار النفطية إلى مستوياتها القياسية، فقد لقي هذا الارتفاع الوقتي لسعر برميل النفط دهشة واهتمام المحللين والمراقبين الاقتصاديين والسياسيين وحتى العامة، وأعاد إلى الواجهة التساؤلات حول تقديرات السعر النهائي لبرميل النفط خلال سنة 2021 أو السنة القادمة على أقل تقدير، ويأتي هذا الاهتمام المتزايد عادة لدى البلدان والأمم التي تعتمد مواردها واقتصادياتها على حجم وكمية وأسعار مبيعاتها النفطية.

أسباب ارتفاع النفط عالميا

ترتبط أسعار النفط عالميا بمجموعة كبيرة من الأسباب والعوامل، منها أسباب اقتصادية مباشرة تتعلق بمقدار حجم الاستهلاك العالمي للنفط الخام والذي كان يقدر بـ100 مليون برميل يوميا، ثم انخفض إلى ما يقارب 75 مليون برميل يوميا خلال سنة 2020 ومطلع 2021، بسبب إجراءات القيود على النشاط الاجتماعي خلال فترة الأزمة الصحية، وقيود الحظر التي توسعت في بلدان العالم.

ويبقى الطلب العالمي هو العامل الرئيسي المباشر، ومن أهم المؤثرات التي تحدد قيمة أسعار النفط الخام اعتمادا على مبدأ وقاعدة العرض والطلب التي تحدد قيمة السلع والمنتجات، ومنها سلعة النفط التي ترتبط بكثير من الصناعات التحويلية والكيماوية وصناعة الطاقة.

وتعد منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) أو مجموعة (أوبك بلاس) والتي تشير إلى دول أوبك والدول التي انضمت إلى اجتماعاتها من خارج أعضائها، تكتلا اقتصاديا دوليا يحاول تحقيق ومراعاة أهداف ومصالح تلك الدول اقتصاديا من خلال ضبط القدرة الإنتاجية للدول المصدرة ضمن المجموعة والسيطرة على الإنتاج التصديري لها، للوصول إلى سعر توازني معقول للبرميل المنتج عالميا، يتناسب ويلبي طموحات المنتجين ويغطي نفقات الإنتاج ويحقق مكاسب مالية.

جاء إنتاج النفط الصخري في أميركا الشمالية مؤخرا عامل ضغط على دول أوبك وأوبك بلاس، لكون إنتاج النفط الصخري ينتشر في دول لا تضع أي قيود أو سيطرة أو محددات على الشركات المنتجة للنفط الصخري، أو حتى الإنتاج التقليدي للنفط كما في الولايات المتحدة وكندا، ولكون تلك الدول تتبنى سياسات اقتصادية ليبرالية حرة في أنظمتها السياسية، ولا تجيز لنفسها إطلاقا التحكم بالأسعار أو بالإنتاج النفطي أو غير النفطي لبقية قطاعات الصناعات المختلفة، وتشكل الثروات النفطية ممتلكات خاصة للشركات ولا تمتلك الدول الحقول النفطية أو الصناعة النفطية بشكل عام، عكس بقية الدول المنتجة للنفط، فغالبا ما تكون الحقول النفطية ممتلكات للحكومات وتحت سيطرتها وخاضعة لقراراتها.

فدخول النفط الصخري إلى الأسواق النفطية حديثا، زاد حجم الإنتاج العالمي بنسبة 10% دون سيطرة أو قيود الحكومات والدول المنتجة للنفط، ونافس الدول المصدرة والمنتجة للنفط، وساهم وجود هذه التكنولوجيا الحديثة في إنتاج النفط في بلدان ليبرالية تتمتع فيها الشركات بحريات الإنتاج والبيع، وشكّل عامل ضغط كبير على الأسعار النفطية يدفع بها نحو الانخفاض بفضل الوفرة وزيادة العرض عالميا، باستثناء بقاء نقطة هامة جاءت لصالح المنتجين بالحقول التقليدية للنفط، هي أن كلفة إنتاج النفط الصخري تعادل تقريبا ثلاثة إلى أربعة أضعاف كلفة إنتاج النفط من الخام الاعتيادي بما يقارب 45 دولارا للبرميل الواحد، مما يجعل هذا السعر هو العتبة السعرية التي تبدأ منها الشركات المنتجة للنفط الصخري بالإنتاج لتحقيق الأرباح، ولا يمكن لشركات النفط الصخري الاستمرار بالإنتاج إذا ما انخفضت الأسعار بمعدل 50 دولارا وتعريض نفسها إلى الخسارة أو الإفلاس.

هل بدأت شركات النفط الصخري بعملية الإنتاج؟

على الرغم من صعود أسعار النفط العالمية منذ أكثر من شهر محققة ارتفاعا كبيرا وصولا إلى عشرية الستين للبرميل الواحد، ذلك السعر الذي من الممكن أن يحقق أرباحا لشركات إنتاج النفط الصخري، إلا أن سياسات شركات النفط الصخري ما زالت تضع لنفسها استراتيجية تجارية خاصة تتعلق بمدى استقرار واستدامة السعر النفطي الحالي الذي لا يحتمل مزيدا من الهزات والصدمات، إضافة الى أنه من الممكن أن تصيب الأسواق حالة من الانخفاض بالأسعار لتعود إلى مستوى 40 إلى 45 دولارا للبرميل الواحد، حالما استشعر السوق عودة إنتاج النفط الصخري للأسواق وازدياد العرض التجاري، لتعود تلك الشركات إلى الإغلاق أو إعلان الإفلاس، فتبقى استراتيجية الشركات النفطية هو انتظار تعافي الأسواق النفطية لتصل الى عتبة الثمانين أو التسعين دولارا للبرميل الواحد، فتعرض إنتاجها ليستقر السوق بنحو 60 إلى 65 دولارا للبرميل المنتج، محاولة بذلك إقناع المستثمرين بهذه الاستراتيجية وجني الأرباح مع توقعات بارتفاع قيمة الأسهم لتلك الشركات.

سياسات نقدية أخرى مؤثرة على أسعار النفط

تعتبر سياسات التسهيل النقدي واحدة من أهم العوامل المؤثرة على قيمة المنتوجات والسلع، ومع السياسات النقدية الأخيرة في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وكندا ودول الاتحاد الأوروبي وعمليات التحفيز الاقتصادي الكبيرة، وعلى رأسها الولايات المتحدة التي تبنت حزمات تحفيزية تعد الأكبر في التاريخ، الأولى بقيمة 1.9 تريليون دولار، والأخرى بقيمة 900 مليار دولار، والأخيرة بقيمة 1.9 تريليون دولار مع بداية تولي بايدن للسلطة، وتقارب بمجملها الـ5 تريليونات دولار خلال سنة واحدة، وتضيف للنقد العالمي ما يعادل 6% والمقدرة بـ80 تريليون دولار.

قد تساهم تلك السياسات عمليا في تضخم الأسعار وانخفاض مؤشر قيمة الدولار الأميركي، وحسب توقعات سيتي بنك فقد ينخفض مؤشر الدولار بنسبة 20% مقابل العملات الأخرى سنة 2021، ولا شك أن هذا الانخفاض سوف يؤثر إيجابا في الأسعار النفطية إذا ما تم تحييد العوامل التجارية والاقتصادية والجيوسياسية الأخرى، وقد ترتفع أسعار النفط بنسبة تقارب 25% عن معدلاتها التقديرية التخمينية الأخرى المتعلقة بالطلب والتنافسية لتقارب بين 81 إلى 106 دولارات لكل برميل بحلول نهاية 2021 ومطلع 2022، ليكون بذلك سعر 106 دولارات أعلى عتبة سعرية متوقعة، و81 دولارا العتبة السعرية المتوازنة بعد دخول إنتاج النفط الصخري وعودة المنتجين التقليديين إلى كمياتهم التصديرية القياسية.

أخيرا، تجنبنا خلال المقال التطرق إلى الأسباب أو العوامل الجيوسياسية والأمنية المؤثرة على الأسعار النفطية والتي من غير الممكن التنبؤ بها، وعلى رأسها الصراع الأميركي الإيراني في الشرق الأوسط والعقوبات الأميركية على إنتاج النفط الإيراني، والتوترات الأمنية قرب موانئ تصدير النفط السعودي ومواقع شركات الإنتاج، إضافة إلى المراهنة على الحفاظ على استمرار الاتفاق السياسي النفطي بين روسيا والسعودية حول كميات الإنتاج، وانتهاء حرب الإنتاج التي أثرت سابقا على أسعار النفط، والتفاؤل بانتهاء الأزمة الصحية العالمية المرتبطة بجائحة كورونا، وإنهاء الدول لسياسات الحظر والإغلاق وعودة الحياة والسياحة والتجارة الدولية إلى معدلاتها الاعتيادية وتزايدها بمعدلات أعلى تدريجيا.

وننظر بتفاؤل أيضا إلى ازدياد النشاط العالمي السياحي والخدمي والإنتاجي ونموه بنسبة كبيرة حال السيطرة على انتشار الوباء وعودة الأفراد إلى أنشطتهم الاجتماعية والسياحية بقوة بعد فترات إغلاق طويلة، وتعويض الشركات الخسائر التي منيت بها خلال هذه الفترة، مما قد يؤثر ايجابا على مستويات الطلب العالمي للنفط.