مسرحي مغربي يؤكد أنه لا وجود لمسرح ذي خاصيات عربية أو محلية

مولاي الحسن الإدريسي: فلسفتي تقوم على اختيار نص جيد بأطروحة فكرية واضحة، وممثل جيد جزء كبير من عرض جيد.


الإدريسي يعطي أهمية كبيرة لاختيار النص وتكوين الممثل


هناك تجارب تطفو على السطح وتختفي

يتمتع المسرحي المغربي مولاي الحسن الإدريسي بمسيرة مضيئة بالعطاء الإبداعي إخراجا وتمثيلا ومؤطرا، وذلك منذ انطلاقته عام 1975 كممثل مع جمعية "شبيبة الحمراء" وهي إحدى أعرق الفرق المسرحية الهاوية بالمغرب، ثم تأسيسه بمعية مجموعة من الأصدقاء جمعية "الرحالة الثقافية" سنة 1976، هذه الجمعية التي شارك فيها مع كممثل ومشارك في الإخراج في عدة أعمال مسرحية منها "رحلة محال" لمولاي عبدالحق الصقلي، "اللعبة" لعبدالله البصيري، "الحصار" المأخوذة عن رواية "العصافير تبني أعشاشها فوق الجليل" لأفنان القاسم، و"الدوار" عن الدوار في الدلالة" لشوقي حمداني، "القرى" عن "القرى تصعد الى القمر" لفرحان بلبل الذي أعدها عن "دائرة الطباشير القوقازية" لبريشت.
ويتواصل عطاء الإدريسي حيث ينتخب في سنة 1982 رئيسا للاتحاد الإقليمي لمسرح الهواة بمراكش وهي هيئة تجمع جمعيات الهواة، ومنها تكونت الجامعة الوطنية لمسرح الهواة. وعندما ينتقل لظروف مهنية من مراكش إلى تارودانت سنة 1986 يتجلى كمخرج مع "جمعية الشعاع" وينجز مع فرقتها عدة أعمال حققت نجاحا وانتشارا قويا مغربيا ودوليا حيث عرضت في تونس والجزائر وفرنسا وأسبانيا وموناكو وفضلا عن مشاركة متميزة في مهرجان افينيون.
أخرج الإدريسي ابتداء من 1986 مسرحيات منها: "تراجيديا السيف الخشبي" للكاتب محمد مسكين، "الرجل الذي يحمل عينين فقط" للكاتب المسكيني الصغير، "شهرزار عن "حكاية الملوك" للكاتب السوري ممدوح عدوان، و"الكراسيز" للكاتب المغربي محمد ماشتي "نص مشترك مع الإدريسي"، و"الكلادفا" عن "ملحمة السراب" للكاتب السوري سعد الله ونوس من إعداد محمد ماشتي، و"موليير القباني" عمل مشترك إخراجا وتأليفا وتشخيصا بين جمعية الشعاع والفرقة من مدينة رومونس الفرنسية، و"تويشيات المهرج" للكاتب محمد ماشتي، و"فاتي أريان" للكاتب محمد ماشتي وهي أول مسرحية له يدخل فيها تجربة المونودرام.
ولا تتوقف مسيرة عطاء الإدريسي عند ذلك، فإلى جانب الإخراج والتمثيل والمشاركة في إعداد النصوص وغيرها عمل كمؤطر لمجموعة من الورشات المسرحية "ورشة الممثل والأكسيسوار- ورشة الممثل والفضاء - ورشة مسرحة الحكاية، كما أنه عضو عدة لجان تحكيم في عدة مهرجانات داخل المغرب، ومستشار فني ومكلف بإدارة الممثل مع جمعية بصمات الفن وهي فرقة محترفة.
وفي هذا الحوار نتعرف من الإدريسي على جوانب مهمة في المسرح المغربي.
البداية مع الإدريسي كانت من مسرح الهواة لخبراته الطويلة فيه، ولأنه مسرح يشكل حلقة مفصلية مهمة في مسيرة المسرح المغربي، قال "في البداية كانت في المغرب، خلال فترة الحماية، فرق مسرحية مكون أغلبها من الطلبة، وكان مسرحها مقاوما للاستعمار الفرنسي، ولكن بعد إنشاء فرقة المعمورة، ضمت أبرز المسرحيين المغاربة منهم الطيب العلج والطيب الصديقي وآخرون بدأ الفصل بين الهاوي والمحترف.
وأضاف "تميز مسرح الهواة بالمغرب بالبحث والتجريب، وقدم للمسرح أسماء تشكل تجاربها الإخراجية بصمة خاصة، مثال ذلك المخرجون: عبداللطيف الزيادي، عبدالكريم بناني (أول رئيس للجامعة الوطنية لمسرح الهواة)، محمد تيمود (مؤلف ومخرج)، الكاتي بن ادريس، إبراهيم نشيخ، إبراهيم وردة، عبدالقادر اعبابو، محمد بلهيسي، عبدالمجيد فنيش، ومن الجيل الجديد: إبراهيم الهنائي (مؤلف ومخرج)، عبداللطيف فردوس (مؤلف ومخرج)، عزيز بوزاوي - بوسرحان الزيتوني (مؤلف ومخرج)، نجيب عبداللطيف، عبدالفتاح عشيق. ومن المؤلفين أذكر: محمد شهرمان، سالم كويندي، محمد قاوتي، عبدالكريم برشيد، محمد مسكين، المسكيني الصغير، عبدالمجيد سعدالله، محمد ماشتي، المهدي حلباس، لحسن القناني، مصطفى الرمضاني، حمداني شوقي".
ورأى الإدريسي أن مسرح الهواة تميز بالتنظير لأشكال الممارسة المسرحية، حيث ابتداء من 1979 بدأت تظهر بوادر بيانات واتجاهات كالمسرح الإحتفالي بقيادة عبدالكريم برشيد، والمسرح الثالث بقيادة المسكيني الصغير، ومسرح النفي والشهادة لمحمد مسكين، ومسرح المرحلة لحسين الحوري. ولقد انتقل عدد من هؤلاء المسرحيين من الهواية إلى لاحتراف، والقليل الذي بقي متشبثا بمسرح الهواة.
وحول الصعود المتميز لفرق مسرحية صغيرة قادمة من الهوامش وقدرتها على منافسة الفرق الاحترافية بالمدن الكبرى، أكد الإدريسي أن هناك فرقا هاوية تشتغل في مدن صغيرة هامشية أو نائية عن المركز، فرضت تجربتها داخل المغرب وخارجه. وبالتالي كسرت احتكار مدن مسرحية تقليدية، كالدار البيضاء والرباط ومراكش وفاس وغيرها للساحة المسرحية، مثال ذلك فرق جمعيات الشعاع من تارودانت، أنفاس من أولاد تايمة، الكواليس من طيط مليل هامش الدار اليضاء، الأوركيد بني ملال، الحياة الثقافية لفقيه بن صالح، وفرق من شيشاوة وزاكورة والعيون والداخلة وشفشاون. 
كما أن عددا من هذه الفرق ينظم مهرجانات وأنشطة مسرحية تكوينية تساهم بفعالية على حلحلة الخريطة المسرحية التقليدية. وهذه الفرق يمكن تصنيف أعمالها من حيث المنحى الفكري والجمالي بفرق محترفة، رغم أنها فرق هاوية بمعيار أن أفرادها غير متفرغين وخريجي المعهد العالي للتنشيط والفن الدرامي.

وأشار الإدريسي أن الفرق المسرحية نوعين: الأول فرق تتكون من خريجي المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط التقافي المتفرغين والموظفين في مصالح وزارة التفافة أما كأساتذة للتربية الفنية، أو أطر إدارية في المراكز الثقافية. والثاني فرق تتكون من متفرغين للعمل المسرحي والتلفزيوني والسينمائي وليسو بخريجي المعهد العالي.
ولفت إلى أن فرق مسرح الهواة لم تتراجع بمحض إرادتها، بل فرض عليها ذلك، وقال "كانت البداية هي الرسالة الملكية التي أوهمت أغلب المسرحيين الهواة بتخصيص نسبة 1 بالمئة من ميزانية الجماعات المحلية لدعم المسرح. وهذه اعتبره البعض خطة مدبرة للحد من المد المتسارع لمسرح الهواة المرتبط بقضايا جماهيرية وبتوجهات ايديولوجية. وكان لها ذلك مع مقاومة مجموعة من المسرحيين الذين فطنوا للعبة.
وحول دوافع وظروف تأسيسه وعمله فرقة "الشعاع" المسرحية، أوضح الإدريسي "أنا ابن مدينة مراكش، بعد تخرجي من المدرسة العليا للأساتذة سنة 1984 عينت بمدينة تارودانت التي تبعد عن أكادير بـ 80 كلم كأستاذ لمادتي الفيزياء والكيمياء، ولممارسة هوايتي التحقت بجمعية الشعاع التي أسست سنة 1983 وفي سنة 1986 أنجزنا أول مسرحية من تأطيري، وهي تراجيديا "السيف الخشبي" للكاتب المغربي محمد مسكين ومن هنا بدأت. ومن هنا حافظت على مساري في خندق مسرح الهواة إلى اليوم.
ورأى أن الموهبة بدون تكوين تعطي ممارسا لا يتوفر على أدوات الاشتغال ولا على رؤية واضحة لمساره ولا قناعة لاختياراته، لهذا لا بد لنا من ممثل موهوب ومكون. وفي المغرب هناك معهد واحد ووحيد لتكوين الممثل وبعض المختبرات في بعض المراكز، يسميها البعض معاهد، استفاد منها مجموعة من الشباب الذين أصبحوا من كبار الممثلين عندنا، وأذكر هنا مختبرا كان يشرف عليه عباس إبراهيم الذي لم ينصف "منى فتو، محمد خويي، بن عيسى الجراري، رشيد الوالي...".
وعلى تعدد أشكال الاخراج المسرحي ومعالجاته للنص، أكد الإدريسي اعتماده في الإخراج عن البساطة وعلى أداء الممثل، والابتعاد عن البهرجة والزوائد. وقال "فلسفتي تقوم على اختيار نص جيد بأطروحة فكرية واضحة، وممثل جيد جزء كبير من عرض جيد لهذا أعطي أهمية كبيرة لاختيار النص وتكوين الممثل". 
وأضاف "بطبيعتي أنا قارئ نهم للروايات والقصص القصيرة والنصوص المسرحية. اختيار النصوص مرتبط بالمرحلة التاريخية التي سأنجز فيها نصا معينا، فمثلا اختيارنا لرواية الفنان القاسم في جمعية الرحالة مرتبط بحصار بيروت سنة 1982، واختيارنا لمسرحية اللعبة مرتبط بأحداث 1981 بالمغرب، واختيارنا لمسرحية الدوار مرتبط باعتقالات 1984 بالمغرب. وهذا يعني أن اختيار النص كان من أساسياتي، والعمل على دراسته وإعداده يتطلب مني وقتا كثيرا ومن خلال ما سبق ستلاحظ أنني تعاملت مع نصوص لمؤلفين كبار كمحمد مسكين، برشت، سعد الله ونوس، ممدوح عدوان، عزيز نسين، أرابال.
وسمى الإدريسي المسرح العربي بالـ "المسرح في الدول العربية" وعلّل ذلك بقوله "لأن بهذه الدول عرقيات وهويات أخرى من عرب وأمازيغ وطوارق وأكراد وغيرها، وبالنسبة لحالة المسرح أهو بخير أم يعاني؟ أقول إن المسرح يولد من رحم المعاناة، وتبقى هل هو بخير نسبية حسب تحديد معنى حالته. هناك تجارب من هنا ومن هناك تطفو على السطح وتغيب ليس هناك استمرارية الحضور والتواجد مرة في المغرب ومرة في تونس ومرة في دول أخرى، وهذا راجع لعدم اهتمام القائمين على الشأن العام بالفنون ولا يرتاد المسارح إلا القليل والمسرح شبه غائب على اهتمامات شعوبنا.
وأضاف "تابعت لثلات دورات مهرجان المسرح العربي الذي تنظمه الهيئة العربية للمسرح، ولاحظت أن لجميع المسرحيات المشاركة داخل المسابقة أو خارجها شكلا أوروبيا، بمعنى أنها تعتمد عن مبادئ وتقنيات المسرح الأوروبي بمنطوق عربي وبقضايا تهم الإنسان العربي. ولهذا أنا مقتنع أنه لا وجود لمسرح ذي خاصيات عربية أو محلية. وعندما قلت إن هناك تجارب تطفو على السطح وتختفي استحضرت نتائج المهرجان في دورة كانت الجائزة الكبرى لفرقة من الكويت، وفي دورتين كانت للمغرب، وفي الدورة الأخيرة كانت لمصر، هذا لا يعني أن المسرح في هذه الدول مزدهر ومتطور إنها فلتات فقط.