مصر على طريق استراليا لحظر مواقع التواصل على الأطفال
القاهرة - يتجه البرلمان المصري نحو تدشين حوار مجتمعي لحظر استخدام الهواتف المحمولة ومواقع التواصل الاجتماعي على الأطفال. وناشد أعضاء في مجلس النواب الجهات المعنية المشاركة في الحوار لوضع قانون يحد مما يسمى بـ"فوضى" استخدام السوشيال ميديا لدى شريحة عريضة من الأطفال. يمكن أن تتسبب في زيادة معدل الادمان الرقمي، وتوسيع مساحة العزلة بين هذه الشريحة وأسرها.
جاء تحرك البرلمان (الأحد) بعد يوم واحد من دعوة وجهها الرئيس عبدالفتاح السيسي حول تقنين استخدام الهواتف لدى الأطفال. وعقب تفاعل قطاع عريض من المواطنين مع مسلسل تعرضه إحدى القنوات المصرية بإسم "لعبة وقلبت بجد"، ويتناول خطورة لعبة "روبلوكس" على الأطفال وتحولها من التسلية إلى أداة للابتزاز العنف والتحرش.
أشار الرئيس السيسي إلى تجارب دول أخرى في اتجاه فرض قيود على مواقع التواصل، في مقدمتها استراليا، التي وضعت قانونا في ديسمبر/كانون الأول الماضي يمنع الأطفال دون الـ16 عاما من ارتياد مواقع التواصل. وفرضت غرامات مالية باهظة على الشركات الكبرى العاملة في هذه المجال، إذا لم تلتزم بالقانون الجديد.
مع استجابة الشركات العشر الكبرى للقانون المطبق في استراليا: يوتيوب، سناب شات، اكس، فيسبوك، تيك توك، كيك، تريدز، انسجرام، تويتش، ريديت، إلا أن الصعوبة تكمن في تطبيق التحقق من الهويات العمرية، فقد يلجأ بعض الأطفال إلى استخدام هوية أصدقاء لهم، أو الدخول عبر تطبيق VPN الذي يسمح باختراق المنصات المحجوبة باسم دولة أخرى.
بدأت دول، مثل: فرنسا وبريطانيا والدانمارك، تدرج مشروعات قوانين لحماية الأطفال، والحد من المخاطر الناجمة عن ادمان مواقع التواصل من قبل شريحة كبيرة من الأطفال. ولا أحد يعلم هل ستتمكن هذه الدول من سن تشريع قانوني أم تتعرض إلى انتقادات من جانب المدافعين عن الحريات، وتجد صعوبة في السيطرة على الأطفال، وتعليمهم وسائل التهرب وتجاوز القوانين عبر حيل تكنولوجية حديثة.
وجد تحرك البرلمان في مصر تفاعلا من أسر كثيرة، بدأت تستشعر خطورة ادمان الانترنت على الأطفال، وتخشى من مواجهة مصير غامض، بعد تصاعد التحذيرات من خلال أعمال فنية عديدة. وتزايد أعداد الألعاب الجاذبة للصغار. وانتشار حوادث الانتحار في أوساطهم بسبب ألعاب تحرّض على ممارسة العنف، إذ يقوم بعض الأطفال بتقليد ما يرونه على هواتفهم الخاصة، كنوع من التجربة وحب الاستطلاع، ولا يعلمون أنها تفضي إلى أزمات أكبر، تؤثر على المجتمع بأكلمه. ولن تنحصر روافدها في أسرة واحدة، وهو ما كان دافعا للرئيس السيسي لإطلاق تحذيره، ومحفزا للبرلمان على التجاوب معها، ومبررا لتستعد الحكومة لإطلاق حوار مجتمعي.
يصعب القطع بطبيعة النقاشات التي سيتطرق إليها الحوار المجتمعي ونتائجها. ومن المؤكد أن هناك تشريعا سوف يصدر قريبا، يهدئ من روعة أسر تخشى على مصير أطفالها، دون أن تعلم أي لعبة أو تطبيق ستقوم بالتعامل معه، وما يفضي إليه من مشاكل مجتمعية، لأن التوجيه الذي أطلقه الرئيس السيسي مبني على معلومات لديه، تلقاها من الأجهزة المعنية. ويشير حديثه الحاسم إلى أن الأمر وصل إلى مستوى يصعب الصمت عليه.
لن يحتاج البرلمان المصري إلى عناء كبير من أجل إصدار تشريع مناسب، لأن الحكومة تملك أغلبية كبيرة من الأعضاء داخله، وهناك استنكار عام مما يحدثه العالم الافتراضي على المجتمع، وفئة الأطفال خصوصا. ولدى الحكومة تجربة في فرض قيود على محتويات يبثها بلوغرز على تطبيق تيك توك وتجاوب المسؤولين في الأخير معها، لأنهم لا يريدون خسارة سوق كبير مثل السوق المصري، به نحو 93 مليون شخص يتعاملون مع الانترنت.
يعبر التوجه نحو إصدار قانون لتقييد وصول الأطفال لمواقع التواصل عن قلق بالغ في مصر، وغيرها من الدول التي بدأت تتخوف من انتشار بعض المنصات والتطبيقات الموجهة نحو الأطفال، وغالبيتها يتسبب في مشكلات مجتمعية، يمكن أن تؤثر على وعي أجيال قادمة، ومدى قدرتها على استيعاب الجانب الإيجابي في التكنولوجيا، وتهميش الجانب السلبي فيها، ما يضع على عاتق أرباب الأسر مسؤولية كبيرة، لأن المسألة تحتاج إلى رقابة داخلية صارمة. ومهما كانت قوة القوانين وتشدد القيود لن تغني عن دور الأسرة، فهي البوابة الأولى للتربية، ونجاحها أو اخفاقها يحدد شكل النتيجة المنتظرة.
يقول خبراء في مجال الرقمنة إن العزل الإلكتروني لا يمثل حلا، ولن يقود إلى ضبط سلوك الأطفال. فهناك الكثير من المنصات المظلمة (دارك ويب) التي يستطيع الأطفال ارتيادها، وتقدم لهم ما يريدون من ألعاب مسلية، بما يتجاوز ما كانوا يحصلون عليه من خلال مواقع التواصل الاجتماعي. وتوفر هذه المنصات أشخاصا يجرون حوارات متعددة مع الأطفال، وتحوي أحيانا ابتزازا وتحرشا وتحريضا على العنف.
ولدّت التصرفات المفرطة مع مواقع التواصل ما يسمى بـ"التشتت الرقمي". بسبب الكثافة في التطبيقات، التي يقدم غالبيتها نوعا من الخدمات المزدوجة. بعضها يحمل معاني إيجابية، والآخر لا يخلو من مضامين سلبية.
ويميل الأطفال في سن مبكرة إلى الاستكشاف ويفضلون الاستطلاع، ما يوقعهم في فخاخ تكنولوجية وأزمات مجتمعية. وربما اقتصادية. فهناك تطبيقات اختلقت عملات خاصة بها، تحفز الأطفال على التعامل معها وتغريهم على عدم مبارحتها.
يؤكد خبراء في التكنولوجيا الرقمية أن الوصاية أو الأبوية لن تكون كافية لتغيير سلوك الأطفال. فإذا تمكنت الحكومة في مصر من إصدار تشريع من البرلمان وتقييد مواقع التواصل الاجتماعي، فإن الوعي العام لا يقل أهمية. وهذه مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمؤسسات الرسمية، ممثلة في الإعلام والثقافة وغيرهما.
وما لم يوجد تكاتف بين هذه الجهات لن يُحدث القانون الجديد أثرا كبيرا، ويظل تأثيره شكليا. فالبرلمان قام بالتشريع والحكومة تسعى للتطبيق والأسر تحاول فرض رقابتها. وليصبح التأثير عمليا من الضروري أن يصطحب معه قدرا وافرا من التوعية، التي تتواءم مع ميول الأطفال واحتياجاتهم وشغفهم لخوض تجارب بأنفسهم.
قد تسير مصر على خطى استراليا أو غيرها لسن القانون لتقييد مواقع التواصل على الأطفال. إلا أن الحصيلة الناجمة عنه يجب أن تكون جيدة وتؤدي الغرض منها. فالقوانين وضعت ليتم تطبيقها وحمايتها وعدم خرقها. ويحتاج الوصول إلى هذه النقطة المزيد من الإجراءات العملية. أبرزها عدم الرضوخ لأي ابتزاز تمارسه الشركات الكبرى بحجة الحفاظ على الاستثمار. كما أن القيود على ارتياد الأطفال لمواقع التواصل قد يكون مثل كرة ثلج تتدحرج سريعا لمنع التمادي في التطبيقات المضرة لعقل وصحة الإنسان.