مفرقعات حماس تنقذ إسرائيل من مأزقها في القدس

تطلق حماس صواريخها المضحكة في غزة فينسى العالم ما فعلته إسرائيل في القدس.


شعب غزة هو الذي يدفع التكلفة الباهظة للحروب وحماس هي التي تقبض الثمن


إسرائيل انتفعت من كل ما فعلته حماس عبر السنوات العشر الماضية فما هو نفع الفلسطينيين؟

لا تستطيع إسرائيل قصف حي الشيخ جراح بالقدس غير أنها تستطيع أن تقصف غزة. ولا يمكن لإسرائيل أن تقصف غزة أو تشن حربا على أهلها ما لم يتم استدراجها من قبل حركة حماس الإسلامية إلى ذلك. معادلة صارت معروفة. ففي كل الحروب السابقة التي شُنت على غزة بدت إسرائيل أمام العالم كما لو أنها تدافع عن أمن واستقرار مواطنيها.

في كل المرات السابقة كانت لحماس دوافعها لقيام الحرب التي لا صلة حقيقية لها بالنضال الوطني الفلسطيني. وإذا ما كان شعب غزة الفلسطيني هو الذي يدفع التكلفة الباهظة لتلك الحروب فإن حماس هي الجهة التي تقبض الثمن بعد أن تكون قد أدت ما عليها من واجبات قد كُلفت بها من قبل هذه الجهة أو تلك.

وإذا ما نظرنا إلى المعطيات التي قادت إلى قصف غزة الذي قد يقود إلى حرب شاملة جديدة يمكننا أن نلاحظ ما يلي. في الوقت الذي انتصر فيه الفلسطينيون لاخوتهم سكان حي الشيخ جراح في صراعهم مع المستوطنين الذين تقف اسرائيل وراءهم وتسندهم الشرطة الاسرائيلية ويدعمهم القضاء الإسرائيلي كما أن الدول الغربية باتت على وشك أن تتخذ قرارات تعلن من خلالها عن تفهمها لموقف سكان الحي العربي وتضغط في اتجاه تأييدهم كان ضروريا بالنسبة لإسرائيل أن تهرب إلى الأمام وإلا فإنها ستقع في حرج كبير أمام العالم. ذلك ما جعلها تستغيث بحركة حماس وتطلب منها النجدة.

حرب في غزة بكل ما تنطوي عليه من مآس يتعرض لها مدنيون يمكنها أن تُنسي المجتمع الدولي ما جرى ويجري في القدس. وهكذا فقد قامت حماس برفع الحرج عن سلطة الاحتلال التي سينسى العالم ممارساتها اللإنسانية وعنفها في مواجهة شعب أعزل يُراد منه أن يفقد وطنه مرات عديدة ليتعاطف معها كونها الطرف الذي اضطر للدفاع عن نفسه بعد أن تعرض أمن مواطنيه للخطر. وهنا نتساءل "إذا كان الدور القذر الذي لعبته حماس في هذه المناورة هو نسخة عن أدوار سابقة وقد بات الهدف منه مفضوحا، فلمَ يكون التفاعل الايجابي معها مطلوبا نصرة للقضية الفلسطينية؟"

الصواريخ التي رمتها حماس في اتجاه إسرائيل هي كالعادة لم تضر بأحد فهي أشبه بمفرقعات المهرجانات الصبيانية وهي في حقيقة جدواها العسكرية لا تستدعي قيام حرب مدمرة يسقط فيها عشرات القتلى ويتم تحطيم جزء من البنية التحتية وبالأخص في ما يتعلق بالقطاعين التعليمي والصحي اضافة إلى الخدمات البيئية الأخرى التي لا يستغني عنها الإنسان. ولكن تلك الصواريخ وهي لا تسبب إلا الازعاج المحدود صارت مطلوبة من أجل أن تعلن إسرائيل أنها باتت في خطر فيصدقها مَن يرغب فعلا في أن يجد سببا مقنعا لاستمراره في الوقوف معها حتى في جرائمها ولكن المصيبة أن هناك مَن بين الفلسطينيين نفرا يصدق الادعاءات الإسرائيلية ويعبر عن سعادته بما فعلته حماس التي باتت من وجهة نظر ذلك النفر قوة تحسب لها إسرائيل حسابا من جهة ما تشكله من خطر.

هناك الغاز أخرى تكشف عنها الحرب الحالية وفي مقدمتها علاقة إسرائيل بتنظيمات الإسلام السياسي. علاقة ملتبسة تنطوي على الكثير من المنافع المتبادلة. لقد انتفعت إسرائيل من خلال علاقتها بحماس فما هو نفع الفلسطينيين من كل ما فعلته حماس عبر السنوات العشر الماضية؟ زادتهم فرقة واضعفت قدرتهم على مساءلة السلطة الحاكمة في رام الله بطريقة ايجابية ولكن عبئها الثقيل وقع على كاهل أهل غزة الذين صاروا يتنقلون بين دور الرهينة والضحية. إيهما ترغب في أن تكون حاضرا من خلاله؟ غزة بفضل حماس لم تعد جزءا من فلسطين بل صارت مسألة إنسانية تقع في فضاء آخر. وهو فضاء يقع خارج حدود النضال الوطني الفلسطيني ليدخل في إطار ما يُسمى بـ"المقاومة الإسلامية".

إسرائيل تريد ذلك، ألا تكون غزة على الخارطة السياسية الفلسطينية.

وهناك شيء آخر يتعلق بموقف حركة حماس من مفهوم الوطن. ذلك مفهوم يجمع الحركة بإيران في مزاد اسمه فلسطين وهي بالنسبة للإثنين فكرة وليست أرضا. هي هتاف وليست وطنا. فالأرض والوطن بالنسبة لحماس ومن ورائها كل تنظيمات الإسلام السياسي ليست فلسطين بل أن فلسطين هي جزء من اللعبة السياسية التي كان الدين مجرد واجهة مؤقتة ومضللة لها.     

قد لا تقوم حرب شاملة جديدة غير أن مفرقعات حماس خففت من حرج إسرائيل في مواجهة الضغط الفلسطيني والعالمي ووهبتها استراحة في انتظار جولة أخرى في القدس.