ملامح اقتصاد ما بعد كورونا وعولمة التباعد الدولي

تعرضت ثوابت التفاعلات الاقتصادية لثغرات هيكلية نتيجة الانتشار السريع لفيروس كورونا.


الشركات الصغرى والضعيفة بدأت تواجه معضلة البقاء في مقابل صمود الشركات القوية 


يتوقع أن تسفر الأزمة عن تشكل "عولمة التباعد الدولي" التي تقوم على الارتداد للداخل، والتركيز على الاقتصادات الوطنية

تعرضت ثوابت التفاعلات الاقتصادية لثغرات هيكلية نتيجة الانتشار السريع لفيروس كورونا، حيث تصاعدت الأعباء الاقتصادية التي تواجهها الاقتصادات الوطنية، وتزايدت معدلات الفقر وتهديدات الأمن الغذائي. ونتيجة لذلك، ووفقا للباحث د.علي صلاح رئيس وحدة التحولات الاقتصادية بمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة بأبوظبي، توسعت الدول في أدوارها الاقتصادية بالتوازي مع التحولات في ثوابت المالية العامة، كما بدأت الشركات الصغرى والضعيفة تواجه معضلة البقاء في مقابل صمود الشركات القوية، وحققت أنماط الاقتصاد الافتراضي مكاسب ضخمة. 
ويتوقع أن تسفر الأزمة عن تشكل "عولمة التباعد الدولي" التي تقوم على الارتداد للداخل، والتركيز على الاقتصادات الوطنية، وتقليص التجارة والتدفقات البشرية العابرة للحدود، في مقابل التوسع في تجارة الخدمات ونقل التكنولوجيا والمعرفة وأنماط الاقتصاد الافتراضي عبر الإنترنت.
رأى علي صلاح في دراسته المعنونة "ملامح جديد للاقتصاد العالمي في مرحلة ما بعد كورونا" أن هذه الأزمة تقود العالم إلى إعادة النظر في الكثر من المفاهيم الاقتصادية، ولا سيما المرتبطة بدور الدولة في الاقتصاد، وطبيعة الأنشطة الاقتصادية وأساليب أداء العمل والإنتاج بها، ناهيك عن العلاقة بين المنتج والمستهلك، هذا بجانب إعادة صياغة مفهوم العولمة، ليناسب "مرحلة ما بعد كورونا"، التي ستترك الاقتصاد العالمي بشكل وهيئة وطبيعة مختلفة عما كان عليه قبلها. أو بمعنى آخر، فإن هذه الأزمة ستفرض على الاقتصاد العالمي مفاهيمها، قبل أن تتركه وترحل.
ولدى مقارنته الأزمة الاقتصادية المترتبة على "فيروس كورونا" وعمقها وتأثرها مع باقي الأزمات الاقتصادية التي شهدها العالم في التاريخ الحديث؛ أشار على صلاح إلى إن ما يقفز إلى الأذهان للوهلة الأولى هو مقارنتها بآخر أزمتين اقتصاديتين كبيرتين شهدهما العالم خلال المائة عام الماضية، وهما من الأحدث إلى الأقدم: الأزمة المالية العالمية عام 2008، وأزمة الكساد الكبير التي اندلعت عام 1929 واستمرت حتى بداية الحرب العالمية الثانية عام 1939.

ملامح "عولمة التباعد الدولي" تتشكل عبر التدافع بين قوتين هما: اتجاهات الإغلاق ووقف التدفقات العابرة للحدود والتوسع في دور الدول في مواجهة تمدد التفاعلات الاقتصادية الافتراضية عبر الإنترنت

وقال "فيما يتعلق بحجم الخسائر الاقتصادية الناتجة عن كل أزمة، فإن الأزمة الراهنة، ووفق العديد من التقديرات، يتوقع أن تتسبب في خسائر اقتصادية عالمية تقارب 2.7 تريليون دولار كحد أدنى، وهناك تقديرات تشير إلى أن الخسائر ستتعدى ذلك بكثير، حيث يرجح أن تبلغ خسائر الاقتصاد العالمي جراء هذه الأزمة خلال النصف الأول من عام 2020 نحو 6 تريليونات دولار، وسينكمش الاقتصاد العالمي 11% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2019. وفيما يتعلق بالخسائر التي تعرض لها الاقتصاد العالمي جراء الأزمة المالية العالمية لعام 2008 فإنها بلغت نحو 4 تريليونات دولار وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، وبنسبة بلغت 5% من الناتج المحلي الاجمالي العالمي في حينه، وبالتالي إذا توقفت أزمة كورونا عند مداها الحالي، وعاد النشاط الاقتصادي العالمي إلى طبيعته في الأجل القصير فإن الخسائر الناجمة عنها ستكون مساوية تقريبا لخسائر الأزمة المالية العالمية.
ولفت علي صلاح إلى أن استمرار الأزمة في الأجل المتوسط والطويل وبقاء حالة الإغلاق شبه التام للأنشطة الاقتصادية، يؤدي إلى وصول الأزمة إلى آفاق أخرى، لتفوق في آثارها الأزمة المالية العالمية 2008، وتقترب من أزمة الكساد الكبير التي عاشها العالم في أخريات العقد الثالث من القرن العشرين وطوال العقد الرابع منه.
وأشار إلى أن هذا الترتيب مرهون بالفترة التي ستستغرقها الأزمة، والمعتمدة أساسا على عملية استيعاب الفيروس، فإذا تمكن العالم من التغلب على التحدي القائم، وطي صفحة جائحة كورونا فإن معاناة الاقتصاد العالمي لن تطول، وستظل خسائره محدودة مقارنة بما تكبده إبان الكساد الكبير. وإذا استمرت الأزمة وعمدت الحكومات إلى استخدام أساليب التعامل القائمة على إغلاق المزيد من القطاعات، والتوجه إلى وضع قيود على تصدير السلع والمنتجات إلى الخارج، أو حتى منع التصدير، فإذن ذلك سيعني مجابهة الاقتصاد العالمي أزمة لم يشهد لها مثيلا على مر التاريخ، ولن يكون الكساد الكبير بجانبها سوى أزمة هامشية.
وأوضح علي صلاح أن التغير المحتمل لن يكون متعلقا فقط بإعادة صياغة العاقات الاقتصادية بين الدول وآليات تسييرها، لكنه أيضا سيدفع نحو دور اقتصادي أكبر للدولة. فقد تضطر الحكومات في بعض الدول إلى شراء بعض الأصول والشركات الخاصة، سواء بشكل مباشر أو من خلال شركات قابضة تابعة لها، وذلك بسبب تعرض الكثير من الشركات الخاصة للإفلاس، الأمر الذي يهدد استقرار الاقتصاد الكلي، ويدفع نحو تفاقم أزمات البطالة والفقر. ولذلك اقترح صندوق النقد الدولي تدخل الدولة بإجراءات تضمن استمرار عمل القطاعات الضرورية، كخدمات الرعاية الصحية، وإنتاج الغذاء وتوزيعه، وهو ما قد ينطوي على إجراءات تدخلية من جانب الحكومة لتوفير الإمدادات الأساسية استنادا إلى ما أسماه "صلاحيات وقت الحرب" التي تعطي أولوية لإبرام عقود حكومية توفر المدخلات التي لا غنى عنها والسلع النهائية، أو تحويل الصناعات إلى احتياجات بعينها، أو إجراء عمليات تأميم انتقائية.
ورأى أنه في ظل هذه الضائقة الاقتصادية العالمية التاريخية والمتزامنة بالنسبة لجميع الدول، فستكون قدرة بعض الدول على تحمل الضغوط أعلى من قدرة دول أخرى، وسيتوقف ذلك على عوامل عدة، أهمها: مدى غنى أو فقر كل دولة، ومدى التنوع الذي يتمتع به اقتصادها. وقد يصل الأمر  في حال استمرار الأزمة لفترة طويلة إلى قدرة اقتصاد الدولة على تأمن احتياجاته ذاتيا، بداية من السلع والبضائع الاستهلاكية، وصولاً إلى الخدمات وقبل كل ذلك بالطبع رؤوس الأموال اللازمة لتأمين كل ذلك. وبطبيعة الحال، فإن الدول الفقيرة لن تتمكن من فعل ذلك بمفردها، لا سيما وأنها تعاني في الأساس من فجوات تمويلية محلية. ووفق تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، فإنه في الوقت الذي تحتاج فيه الدول النامية لنفقات استثمارية سنوية على مشروعاتها المحلية تقدر بنحو 3.9 تريليونات دولار، فإنها لا تملك إلا 1.4 تريليون دولار من تلك الاستثمارات، لتبقى هناك فجوة تمويلية بمقدار 2.5 تريليون دولار سنويا. ويجعل ذلك الدول الفقيرة مجبرة على الاقتراض لمواجهة تبعات كورونا، حيث أعلن صندوق النقد الدولي في مطلع أبريل/نيسان 2020 أن 85 دولة قد طلبت مساعدات بالفعل. وبرغم أن هذا العدد يصل إلى نحو ضعف عدد الدول التي طلبت مساعدات من الصندوق إبان الأزمة المالية العالمية عام 2008 فهو مرشح للزيادة كلما استمرت الأزمة، ويبدو ذلك بوضوح من خلال إعلان الصندوق ارتفاع هذا العدد إلى 90 دولة، وذلك بعد مرور 4 أيام فقط من إعلانه الأول، وبجانب ذلك فقد أشار البنك الدلي إلى أنه تلقى طلبات للحصول على مساعدات مالية لمواجهة كورونا من قبل 100 دولة.

وأكد علي صلاح أن للتوزيع الجغرافي للمعرضين لفقدان وظائفهم حول العالم بسبب أزمة كورونا أهمية في التعرف على عدد المعرضين للفقر، فوفق السيناريوهات المتصورة من قبل منظمة العمل الدولية، فإن النسبة الأكبر للمعرضين لفقدان وظائفهم بسبب الأزمة تتركز في الدول صاحبة الدخل المرتفع، بإجمالي 14.6 مليون شخص، وبنسبة تصل إلى 59.1% من الإجمالي العالمي، في الوقت الذي يرجح أن يصل فيه هذا العدد إلى 7.4 ملايين شخص في الدول متوسطة الدخل، وبنسبة 29.9%، بينما يصل عدد هؤلاء في الدول منخفضة الدخل إلى 2.8 مليون نسمة، وبنسبة 11% من الاجمالي العالمي.
وتطرق لتهديدات الأمن الغذائي والتخوف من ارتفاع عدد من يعانون من الجوع والذي بلغ عام 2015 نحو 822 مليون شخص، وهو ما قد يتضاعف في حال طول أزمة كورونا وخروج الفيروس عن السيطرة. وفيما يتعلق بصمود الشركات القوية وانهيار الكيانات الصغرى، فقال إن الأزمة ستغير قواعد اللعبة في كل صناعة حيث تجمع الشركات الكبرى أفضل الأصول في كل صناعة أو نشاط وتتخلى عن أقلها قيمة، وحين تنتهي فترة التراجع سيكون هناك عدد أقل وأكبر قوة من الشركات. وهذا يعني أن أزمة كورونا تفعل في تلك الصناعات والأنشطة الاقتصادية ما يمكن وصفه بأنه تطبيق حرفي لنظرية الانتقاء الطبيعي لداروين التي تقول إن البقاء للأصلح والتي ستفرز صناعات وأنشطة اقتصادية صغيرة في كل قطاع، ولكنها ذات شركات قوية وذات أصول جيدة. وسيتجلى حدوث ذلك في القطاعات التي تعاني هبوطا حادا في الطلب على منتجاتها مثل قطاع السفر والسياحة وقطاع النفط.
ولفت علي صلاح إلى أن قطاع الاتصالات والشركات المقدمة لخدمات الإنترنت يأتي في مقدمة الأنشطة الاقتصادية المرشحة لحدوث طفرة في حجم أنشطتها، وذلك لسببن أولهما أن حالة العزلة والتباعد الاجتماعي الذي يعيشه البشر حول العالم، أوقف حركة السفر. وهذه الظروف، سواء العزلة المحلية لسكان الدولة الواحدة، أو العزلة الدولية لسكان الدول المختلفة عن بعضهم بعضا تجعل من خدمات الإنترنت الملاذ الآخر بالنسبة لهم، سواء بالاتصال فيما بينهم، أو لتأدية أعمالهم عن بعد، أو التسلية. أما السبب الثاني الذي يجعل من شركات الاتصالات ومقدمي خدمات الإنترنت على رأس الشركات والأنشطة الاقتصادية المرشحة لحدوث طفرة في أنشطتها، فهو يتعلق بأن الخدمات التي تقدمها هذه الشركات هي الوسيط الذي يتم من خلاله نقل الخدمات والمنتجات من الأنشطة الاقتصادية الأخرى إلى المستهلكين.
وتوقع أن تتشكل ملامح "عولمة التباعد الدولي" عبر التدافع بين قوتين هما: اتجاهات الإغلاق ووقف التدفقات العابرة للحدود والتوسع في دور الدول في مواجهة تمدد التفاعلات الاقتصادية الافتراضية عبر الإنترنت والتي تتم عن بعد ودون الحاجة لاحتكاك مباشر بين مزودي الخدمات ومتلقيها. وقال "إذا كان التغير سيبدأ من تبديل قواعد تنظيم الانتقال المادي بين الدول، بمعنى تغير القواعد المنظمة لحركة البضائع والسلع والمواد وتنقل البشر من دولة إلى أخرى؛ فإن من شأن ذلك أن يقود إلى تغير قواعد تحرير حركة رؤوس الأموال أيضا، إذ إن تقييد حركة البضائع والحد من حركة البشر - إذا حدث - سيؤديان إلى عدم وجود مبررات كبيرة لحركة وانتقال رؤوس الأموال بين الدول بالمعدلات نفسها التي كانت قبل الأزمة.