"مملكة الأسود" نص مسرحي يخاطب عقل الطفل العربي

صلاح شعير صاغ النص بالشكل الذي يحرك خيال الطفل ليتفاعل ويستنتج  ويصل إلى الخبايا ويرفض التصرفات البغيضة.


الحوار بين الشخصيات المسرحية كُتب بصورة متناغمة، وبأسلوب يناسب معالم الشخصية


معالم الشخصية المتهورة برزت في صورة الأسد ضرغام الذي يعميه غروره ورعونته عن المكيدة التي يدبرها له الأسد الملك ليزيحه من ولاية العهد

بقلم:  د. قدرية سعيد 

بمطالعة العمل المسرحي "مملكة الأسود" للكاتب صلاح شعير - وهو النص الأول ضمن الثلاثية المسرحية "تفاح وشطة"، والصادرة عن دار يسطرون للنشر والتوزيع بالقاهرة، وهذه النصوص موجهة للمرحلة السنية 12 سنة فما فوقها – نجد أن أهم مزايا هذه المجموعة استخدام المؤلف اللغة العربية الفصحى السهلة، وهذا يفسح المجال لحركة النص خارج الحدود الأقليمية؛ كما أن مسرحية "مملكة الأسود" تخاطب عقل ووجدان الطفل العربي في كل زمان ومكان.
الشخصيات: من اللافت للنظر أن الكاتب قدم وصفا دقيقا للشخصيات، من خلال الإرشادات المسرحية، ولغة الحوار، وذلك في إطار الصراع المحتدم بين الحيوانات آكلة اللحوم بعضها البعض داخل الغابة، مثل: الأسد ملك الغابة، وزوجته، وابنه أسامة، ضد الأسد ضرغام ولي العهد، وكيف أسهم كل من: الذئب، والقرد، والثعلب، والكروان مغنى الملك، في هذا تأجيج هذا الصراع؛ كل حسب دوره.
أما الوجه الآخر للمنازلة فكان يتمثل في الإنقضاض الجائر من قبل الحيوانات آكلة اللحوم على الحيونات آكلة العشب، حيث المبالغة في عقر وذبح هذه الحيوانات لتحضير وجبات الفطور، أوالعشاء، أو مهور الزواج من قلوب وأكباد هذه الحيوانات فقط، مما أدى في النهاية إلى فناء الغابة، وانتشار الطاعون بسبب كثرة الجثث المذبوحة فوق الأرض.  

ظهور مثل هذه الأعمال بالفضاء المسرحي؛  يتطلب مزيدا من الوعي من قبل المسؤولين عن مسرح الطفل، والالتفات بقدر كبير من إنكار الذات إلى تلك الأعمال الهادفة

الحوار: كُتب الحوار بين الشخصيات المسرحية بصورة متناغمة، وبأسلوب يناسب معالم الشخصية، أما الأحداث فكانت متتابعة وسريعة، كأنه صورة حية؛ وقد نقل المؤلف إلى القارئ مشاعر الخوف من المصير الذي ينتظر الضعفاء نتيجة صراع الكبار، ثم مداهنة الحيوانات التي تمثل الشريحة المساندة للطرف الأقوى مثل (الثعلب، الذئب) كذلك برز في جوانب الحوار كيف تجاهل الجميع صوت السلام الذي جاء عبر نصائح الأسد الحكيم.  
خطورة الإسراف: تمثلت هذه الخصلة المذمومة في تصرفات الأسد المتسلط، الذي يتزعم الغابة، لقد كانت النهاية المؤلمة هي نفاد الحيوانات التي تتغذى عليها الحيوانات آكلة اللحوم، وضياع  مقدرات الغابة بسبب الإسراف، تلك القيمة بمثابة تحذير للجميع من خطورة تبديد الموارد، لأن التبذير يهدم المجتمعات التي تتمتع بالوفرة، وشيوع ثقافة الترشيد تنقذ المجتمعات التي تعاني من الندرة؛ لأن الاقتصاد في النفقة، والاعتدال في تناول الطعام؛ يساعد الجميع على المرور من الأزمات  الطاحنة بسلام، وتلك هي الرسالة الرئيسية التي صاغها الكاتب في النص؛ ليحذر البشر من خطورة التبذير عبر الأحداث التي وقعت في مجتمع الغابة.
خطورة التهور: لقد برزت معالم الشخصية المتهورة في صورة الأسد ضرغام الذي يعميه غروره ورعونته عن المكيدة التي يدبرها له الأسد الملك ليزيحه من ولاية العهد؛ حتى ينصب ابنه (أسامة) ليتولي عرش مملكة الأسود من بعده، لقد ذهب الأسد ضرغام الأحمق وحده إلى الأدغال كي يعود بقلب ابن وحيد القرن من وسط القطيع، مهرًا لعاموس، فكتاثرت عليه الحيوانات وانهالوا عليه ضربًا وطعننا بقرونهم الحادة، فعاد يجر الحسرة، وجسده ممزق، وعيناه مفقوءتان، وأصبح لا يصلح لأي وظيفة بالغابة.
وأيضًا  كانت بسالة قطيع وحيد القرن في مواجهة المعتدي صورة حية عن ضروة الزود عن النفس، وحماية الأوطان من كل معتدى أثيم. 
قيم متنوعة: بخلاف ما سبق يحتوي النص على الكثير من القيم التربوية والمعلومات العلمية دون إقحام، بل جاءت بانسيابية في سياق الخط الدرامي موزعة بشكل منطقي يساهم في إثراء العمل، فمن خلال الأحداث عرف المشاهد مصير الطمع، أو فرض العنف والقتل على الحيوانات المسالمة، كانت النتيجة هلاك الظالم، تحطيم الغابة، انتشار الأمراض، تشوه المجتمع، كثرة الآلام. 

في مسرح الطفل
عنصر التشويق

يتخطى النص مجتمع الغابة إلى دور الإنسان، وأهمية العقل البشري في حل المشكلات، دون إفصاح من الكاتب، بل ترك للمتلفي أن يستنتج ما يجب علي البشر القيام به في نبذ العنف، والحفاظ على البيئة، وحماية الثروة الحيوانية من الانقراض والتعامل معها بنوع من الحكمة، وبذل الجهد في الرحمة بالضعفاء ومساعدتهم ، واستخدام العلم في الحفاظ على صحة المجتمع. 
لقد تم صياغة النص بالشكل الذي يحرك خيال الطفل ليتفاعل ويستنتج  ويصل إلى خبايا تلك الشخصية ويرفض تصرفاتها البغيضة، فيصبح لاحقًا عندما يكبر معتدلا في تصرفاته، وتلك القيم هي دعوة إلى تدبر عاقبة الأمور، والاستماع لصوت العقل.
تميز النص القابل للعرض بأهم ما يميز مسرح الصغار، وأيضا الكبار وهو عنصر التشويق؛ ولذا يمكن القول إننا بصدد مشروع فني قابل للتنفيذ على أرض الواقع، وكما كان هذا النص ممتعا في القراءة سيكون أكثر إمتاعًا من خلال التنفيذ، وهذه المسرحية على وجه التحديد تثبت أن الكُتاب المصريين قادرون على النهوض بمسرح الطفل؛ متى تمت الإستعانة بالمبدعين الحقيقين عند إنتاج النصوص التى ترتقي بالذوق العام؛ بهدف بث القيم الإيجابية في المجتمع العربي؛ فالكاتب لم يدخر جهدا في كتابة هذا العمل، وتم إعداده بطريقة متفردة تُمكن أي مخرج من عرضه وتنفذيه بسهولة.
 والدليل على جودة هذا النص أنه صعد ضمن النصوص المسرحية بالقائمة القصيرة المرشحة للفوز في مجال مسرح الطفل بالهيئة العربية للمسرح بدولة الإمارات العربية المتحدة للأعمال غير المنشورة  عام 2014.
بيد أن ظهور مثل هذه الأعمال بالفضاء المسرحي؛  يتطلب مزيدا من الوعي من قبل المسؤولين عن مسرح الطفل، والالتفات بقدر كبير من إنكار الذات إلى تلك الأعمال الهادفة.