من المتحف إلى السماء: حين يسبق الخيال زحمة السير

بين زيارتي لمتحف المستقبل وقراءتي لخبر التاكسي الجوي، أدركت أن دبي لا تتعامل مع المستقبل كزمن مؤجل، بل كمهمة جارية.. المستقبل هنا ليس معرضا، بل جدول أعمال.

كوني عراقية الأصل ومقيمة في بريطانيا، أصبحتُ خبيرة غير معتمدة في الهروب من الشتاء الأوروبي القارس. كلما انخفضت درجات الحرارة، يبدأ عقلي بالبحث عن بقعة دافئة على الخريطة، بقعة تسمح للشمس بأن تكون كريمة، وللمعطف الثقيل بأن يأخذ إجازة غير مدفوعة الأجر. لم أكن وحدي في هذه الهواية الموسمية؛ فصديقات الطفولة المقيمات في أوروبا يعانين المتلازمة نفسها. وهكذا، وكما تفعل الصداقة حين تتآمر على الجغرافيا، قررنا أن نلتقي في دبي.

دبي، بالنسبة لنا، لم تكن مجرد وجهة سياحية، بل مساحة وسطى بين الذكريات القديمة والحياة الجديدة التي فرّقتنا في عواصم العالم. تنقلنا بين أماكن سياحية وغير سياحية، من الأسواق إلى الشواطئ، من الأبراج إلى الأزقة الأقل شهرة. وكل مكان زرته ترك انطباعه الخاص، لكن ثمة مبنى واحد لم يكتفِ بالإعجاب، بل أيقظ فضولًا فكريًا حقيقيا: متحف المستقبل.

الهيكل وحده كان كافيًا لإيقاف أي عابر؛ فولاذ وزجاج يتشابكان في تصميم يبدو كأنه قادم من زمن آخر. الاسم نفسه كان استفزازًا لطيفًا للعقل: متحف المستقبل. نحن اعتدنا أن تكون المتاحف خزائن للماضي، أما هنا فالأمر معكوس. متحف لا يقول "كان"، بل يسأل "ماذا لو؟"

قررنا أن نؤجل الزيارة إلى اليوم الأخير من إقامتنا، وربما هذا خطأ سياحي شائع: ترك الأكثر إثارة للنهاية. حين وصلنا، اكتشفنا أن تذاكر الدخول العادية (149 درهمًا) نفدت، ولم يتبقَّ سوى تذاكر "الأولوية" بسعر 399 درهمًا. هنا يبدأ الصراع الداخلي المعتاد بين العقل الاقتصادي والفضول الثقافي. وبما أن اليوم هو الأخير، وبما أن صديقتي القادمة من أميركا تشاركني الفكرة نفسها "الفرص لا تُؤجَّل"، اشترينا التذاكر.

بدأت الجولة من الطابق الخامس، حيث عرضٌ لحياة البشر في الفضاء الخارجي على متن محطة فضائية. ثم انتقلنا إلى رؤية مستقبلية لدبي في تاريخ 22/02/2071. التاريخ لم يكن عشوائيًا؛ هو مزيج ذكي بين يوم وشهر افتتاح المتحف (22 فبراير) ومرور مئة عام على تأسيس دولة الإمارات عام 1971. حتى في اختيار التواريخ، هناك رسالة تقول إن التخطيط للمستقبل لا يترك شيئًا للصدفة.

متحف المستقبل استشراف مبكر للمستقبل
متحف المستقبل استشراف مبكر للمستقبل

ما رأيته هناك جعلني أبتسم أولًا، ثم أرفع حاجبي دهشة. مدن أكثر خضرة، أنظمة حياة ذكية، وتفاصيل تكنولوجية تلامس الخيال. لكن أكثر ما شدني – وربما أقل ما صدقته – هو فكرة السيارات التي تحلق في الهواء. في تلك اللحظة، قلت في نفسي "حسنًا، هذا جميل… لكنه يشبه أفلام هوليوود أكثر من شوارع حقيقية".

خرجت من المتحف وأنا أتعامل مع ما رأيته بوصفه سيناريوهات مستقبلية بعيدة، ربما تتحقق بعد عقود، وربما لا. لم يخطر ببالي أن بعض هذا الخيال سيطرق باب الواقع بهذه السرعة.

في زحمة الأخبار التي تابعتها اليوم، شدّني عنوان جعلني أعود ذهنيًا إلى زيارتي لمتحف المستقبل: "وداعًا للزحام.. دبي تُحلّق نحو المستقبل بالتاكسي الجوي". توقفت لحظة وأعدت قراءة العنوان. التاكسي الجوي؟ الآن؟ ليس في 2071؟ هنا حدثت المفارقة التي لا يمكن تجاهلها.

ما شاهدته في المتحف بوصفه تصورًا بعيد المدى، بدأ يتحول إلى مشروع فعلي. الحديث لم يعد عن "ماذا لو"، بل عن "متى". دبي، مرة أخرى، تسبق الزمن بخطوة – أو ربما بعدة أمتار عمودية هذه المرة. الزحام، الذي تعاني منه معظم مدن العالم بوصفه قدرًا حضريًا لا مفر منه، يُعاد التفكير فيه من الأعلى… حرفيًا.

من زاوية تحليلية، الأمر يتجاوز رفاهية التنقل. التاكسي الجوي يعكس فلسفة أوسع: نقل المدينة من منطق التوسع الأفقي إلى التفكير العمودي، من استهلاك الوقت في الطرق إلى استثماره في السماء. ومن زاوية اجتماعية – وربما ساخرة قليلًا – تخيلت نفسي أقول لصديقاتي في لندن "تأخرت لأن الطريق مزدحم… في الجو".

الطرافة هنا ليست في الفكرة بحد ذاتها، بل في سرعتها. نحن لا نتحدث عن وعود بعيدة تُعلّق على جدران المتاحف، بل عن مشاريع تُعلن وتُختبر. المفارقة أنني، التي لا أعتقد أنني سأكون موجودة في 22/02/2071 لأخوض تجربة السيارات الطائرة، قد أجد نفسي أختبر نسخة مبكرة منها في وقت أقرب بكثير مما توقعت.

بين زيارتي لمتحف المستقبل وقراءتي لخبر التاكسي الجوي، أدركت أن دبي لا تتعامل مع المستقبل كزمن مؤجل، بل كمهمة جارية. المستقبل هنا ليس معرضًا، بل جدول أعمال. وربما لهذا السبب، حين تضع قدمك في هذه المدينة، تشعر أن الزمن يتحرك بإيقاع مختلف؛ أسرع، وأكثر جرأة، وأقل خضوعًا لعبارة "ليس الآن".

بالنسبة لي، كانت الرحلة هروبًا من شتاء بارد، لكنها انتهت بدفء من نوع آخر: دفء الإحساس بأن بعض المدن لا تنتظر المستقبل… بل تذهب للقائه في السماء.