مواجهات حلب تختبر مستقبل سوريا بين مشروع الدولة وحسابات قسد
تدخل الساحة السورية مرحلة جديدة من التعقيد بعد الاشتباكات العنيفة التي اندلعت في مدينة حلب بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وقوات الحكومة السورية، في تطور يعكس هشاشة الترتيبات الأمنية والسياسية التي أعقبت سنوات الحرب الطويلة.
وفي ضوء الاشتباكات الأخيرة في حلب، يعود الاتفاق الموقع بين قوات سوريا الديمقراطية ودمشق إلى الواجهة بوصفه أحد أكثر التفاهمات هشاشة في المشهد السوري، وهو اتفاق لم يتجاوز عمليًا كونه إطارًا نظريًا بقي حبرًا على ورق منذ الإعلان عنه، فقد افتقر هذا التفاهم منذ بدايته إلى آليات تنفيذ واضحة وجدول زمني ملزم، كما اصطدم بتناقضات عميقة بين طرفين يحمل كل منهما تصورًا مختلفًا جذريًا لشكل الدولة السورية ومستقبل السلطة فيها.
وقد نظرت دمشق إلى الاتفاق كمدخل مرحلي لإعادة بسط سيادتها الكاملة على الجغرافيا السورية، ودمج قسد ضمن مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، في حين تعاملت قسد معه كوسيلة لكسب الوقت والحفاظ على مكاسبها الميدانية والإدارية، بانتظار تبلور معادلة دولية أكثر ملاءمة لمشروعها السياسي.
وتشير التطورات الأخيرة، لا سيما المواجهات المسلحة في حلب وتعثر مساعي التهدئة، إلى أن الاتفاق بات أقرب إلى الانهيار منه إلى الإحياء، فتصاعد الخطاب المتشدد من الجانبين، وعودة الخيار العسكري إلى الواجهة، يعكسان تراجعًا في فرص الحل التفاوضي، خاصة في ظل غياب ضمانات دولية فاعلة قادرة على فرض التزامات متبادلة.
كما أن تشدد دمشق في مسألة وحدة القرار العسكري والسيادي، مقابل إصرار قسد على الاحتفاظ بهياكلها المستقلة، يجعل أي عودة جدية إلى الاتفاق مشروطة بتنازلات مؤلمة لا يبدو أن أيًا من الطرفين مستعد لتقديمها في المرحلة الراهنة.
ومع ذلك، لا يمكن استبعاد إعادة تدوير الاتفاق بصيغة معدلة إذا ما تبدلت موازين القوى أو اشتدت الضغوط الإقليمية والدولية، خصوصًا مع الدور التركي الضاغط على قسد والموقف الأميركي الحذر من انزلاق الشمال السوري إلى فوضى أوسع.
لكن حتى في هذا السيناريو، سيبقى الاتفاق رهينة الإرادات الخارجية أكثر من كونه نتاجا لتوافق وطني سوري، ما يعزز القناعة بأن مصيره سيظل معلقًا بين التجميد والانفجار، إلى أن تتبلور تسوية شاملة تعيد تعريف شكل الدولة والعلاقة بين المركز والأطراف.
والمواجهات التي شهدت تبادلا كثيفا لإطلاق النار واندلاع حرائق جراء القصف المدفعي في عدة أحياء، لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق الأوسع للصراع على النفوذ، ولا عن التداخل الحاد بين المصالح المحلية والإقليمية والدولية.
وتكتسب حلب أهمية استثنائية في هذا المشهد، فهي ليست مجرد ساحة اشتباك عسكري، بل تمثل عقدة استراتيجية في الجغرافيا السياسية السورية، فالمدينة التي كانت قبل سنوات معقلاً لفصائل معارضة موالية لتركيا، تعود اليوم إلى واجهة الصراع بوصفها نقطة تماس بين مشروع السلطة المركزية الجديدة في دمشق، والطموحات الكردية في الشمال، والحسابات التركية والأميركية المتعارضة.
وقد أدى القتال الأخير إلى نزوح أكثر من 140 ألف شخص ومقتل سبعة مدنيين على الأقل، وفق السلطات السورية، ما يعكس الكلفة الإنسانية العالية لأي تصعيد جديد.
وبالنسبة للحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع، تمثل هذه المواجهة اختباراً حقيقياً لتعهداتها بتوحيد البلاد بعد أكثر من 14 عاماً من الحرب، فالصدام مع قسد التي ما تزال ترفض الاندماج الكامل في مؤسسات الدولة المركزية، يضع السلطة الجديدة أمام معضلة مزدوجة: إما فرض السيادة بالقوة العسكرية، بما يحمله ذلك من مخاطر التصعيد، أو البحث عن تسوية سياسية قد تُفسَّر داخلياً على أنها تنازل عن وحدة الدولة، بينما توحي تصريحات محافظ حلب عزام الغريب حول وجود "انشقاقات" داخل صفوف قسد بأن دمشق تراهن على تفكك داخلي في بنية القوات الكردية، بما قد يسهّل تغييرا ميدانيا لمصلحتها.
وفي المقابل تجد قسد نفسها أمام مرحلة دقيقة، فمحاولاتها التصدي لتقدم القوات الحكومية والحفاظ على الأحياء الخاضعة لسيطرتها، لا سيما الشيخ مقصود والأشرفية، تأتي في ظل ضغوط متزايدة من أكثر من اتجاه.
ويعكس إعلان الجيش السوري منح سكان هذه الأحياء فرصة لإخلائها قبل شن غارات جديدة، وفرض حظر تجول، استعداد دمشق للذهاب بعيدا في الخيار العسكري.
وفي حال استمرت المواجهات، فإن قسد قد تواجه استنزافا عسكريا وسياسيا يهدد موقعها التفاوضي، خصوصا إذا ما ترافقت الضغوط مع تراجع الدعم الخارجي أو انقسام داخلي أوسع.
وفي خضم هذه التطورات، يبرز الدور التركي بوصفه عاملا حاسما في معادلة الشمال السوري، فأنقرة التي تدعم إدارة أحمد الشرع سياسيا وأمنيا، ترى في أي تمدد للتنظيمات الكردية تهديدا مباشرا لأمنها القومي وتعتبر منع قيام كيان كردي مستقل أو شبه مستقل على حدودها أولوية استراتيجية.
ومن هذا المنطلق، يُفهم الدعم التركي الضمني أو المباشر لخطوات دمشق في حلب، باعتبارها تصب في هدف كبح النفوذ الكردي وإعادة رسم موازين القوى في المدينة التي لطالما شكّلت عمقاً استراتيجياً للنفوذ التركي عبر الفصائل المعارضة سابقاً.
غير أن الحسابات لا تتوقف عند أنقرة ودمشق، فالولايات المتحدة التي تدعم قسد وتعتبرها رأس الحربة في مواجهة تنظيم داعش، تجد نفسها أمام معادلة معقدة، فمن جهة، لا ترغب واشنطن في خسارة شريكها المحلي الأهم في محاربة التنظيمات المتطرفة ولا في السماح بفراغ أمني قد يعيد تنشيط خلايا داعش.
ومن جهة أخرى، تسعى إلى تجنب صدام مباشر أو غير مباشر مع الحكومة السورية الجديدة أو مع تركيا، حليفتها في حلف شمال الأطلسي، لذلك، من المرجح أن يقتصر رد الفعل الأميركي على ضغوط سياسية ودعوات للتهدئة، وربما مساعٍ لإعادة إحياء مسار تفاوضي يضمن دوراً ما لقسد ضمن إطار الدولة السورية، من دون منحها استقلالية سياسية أو عسكرية واسعة.
وعلى المستوى العام، تعكس تطورات حلب خطورة المرحلة التي تمر بها سوريا، فالتصعيد العسكري يهدد بإعادة إنتاج دوامات العنف والنزوح، ويقوّض فرص الاستقرار الهش الذي بدأ يتشكل بعد سنوات الحرب. كما أن استمرار المواجهة بين دمشق وقسد قد يفتح الباب أمام تدخلات إقليمية أوسع ويعيد خلط الأوراق في الشمال السوري.
وبالنسبة للسلطة السورية الجديدة، فإن نجاحها في إدارة هذا الملف سيحدد إلى حد كبير قدرتها على فرض نموذج دولة موحدة. أما قسد، فإن خياراتها تضيق بين المواجهة المكلفة أو القبول بتسوية تقلّص من طموحاتها السياسية.
وتبدو حلب اليوم مرآة مكبّرة للصراع السوري بأبعاده كافة: مدينة تختصر التناقضات بين المركز والأطراف وبين المشاريع المحلية والأجندات الخارجية، وبين الرغبة في الاستقرار ومخاطر الانزلاق مجدداً إلى العنف. والمرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كانت هذه التطورات مقدمة لإعادة ضبط التوازنات، أم شرارة لجولة جديدة من الصراع المفتوح.