من المهمل إلى الملهم .. هجرة الواقع إلى الواقعية

ليلى الركباني نحاتة تسلك طريقا مختلفا رغم صعوبة الرحلة، فتجربتها التشكيلية قائمة على الإستعمال المكثف لكل ما هو تالف ومهمل.


التشكيلية التونسية تخرج إلى مصب الفضلات تأخذ منه ما تأخذ، لتعود إلى الورشة حيث تقوم بتنظيف ما جمعت من مادة


لحظات الطفولة هي حالة الإستعداد القصوى للصفاء والنقاء

نزلت ضيفا في ورشة الفنانة التشكيلية ليلي الركباني، في حقيقة الأمر لم أكن على دراية جيدة ومعمقة لا بفن النحت ولا بالخبايا التي تؤلف المنحوتة وتشكل كيانها،  ولكن الفن بطبعه ملهم لناظره ومتلقيه، والإلهام هنا هو ذلك الخطاب الذي يتنزل منك  فيك كلما صفا داخلك وصرت للجمال أهلا. والصفاء الذي أقصده هو جلاء خواطر الأغيار والأكدار. إنه منك وإليك عبر اختراق الفن لك لعل شيء ما يستيقظ بداخلك فيسطو عليك فتصير في حال ذوق بلا كيف ولا مثل.
 وهذا ما بدا لي جليا وواضحا عند مشاهدتي الأولى لأعمال الفنانة ليلى الركباني. إنه فتح لباب السؤال والإستفهام.
وإني أشير منذ البدء إلى أن ليلى الركباني خريجة المعهد العالي للفنون الجميلة بتونس، نحاتة سلكت طريقا مختلفا رغم صعوبة الرحلة، فتجربتها التشكيلية قائمة على الإستعمال المكثف لكل ما هو تالف ومهمل: تخرج إلى مصب الفضلات بعد أن بات وجهتها اليومية تأخذ منه ما تأخذ، لتعود إلى الورشة حيث تقوم بتنظيف ما جمعت من مادة، ثم تحاول الاشتغال عليها بأدوات الحدادة واللحام لتشكل الجسد المنحوتة. أعتقد أن ما تقوم به الفنانة هو فعل مقاوم متجذر في بيئته نابع من الآن وهنا.
يدفعني كل هذا حقيقة إلى طرح العديد من الأسئلة التي ربما تفتح لنا أفق القراءة والتأويل.  

fine arts

أين كانت المنحوتة قبل أن تنحت؟ هل كانت في قماط المادة أم في وجدان الفنان؟ ما سر الكم الهائل من الدمى في رفوف الورشة؟ ما معنى أن تستعمل الفنانة في أعمالها كل ما هو تالف وفاقد للقيمة؟ كيف نفهم استعمال الفنانة لأدوات معينة دون غيرها من المواد (قوارير، أوعية، أجهزة ...) في أعمالها؟ هل من الممكن أن نفهم إعادة القيمة للتآلف والمنتهي على أنه فهم لأعطاب النفس وترميم وإصلاح لها؟ 
إن السؤال عن عملية الحدوث والإنشاء التي بها يكون العمل الفني على ما هو عليه إنما هو سؤال عن الثنايا والمسارات التي تشكل بها العمل وأنشئ، إنها رحلة من المكون إلى المكون تنحجب فيها الكينونة ليظهر الكائن ظهورا بينا ساطعا.
إن المنطلق الأساسي للتشكيل والإنشاء في كل أثر فني هو وجدان الفنان وهو الرحم الأول تلقى فيه النطفة الأولى فتصير علقة ثم مضغة ثم أمشاجا، وحين يستوي أمرها يتدفق إلى المادة، وهي الرحم الثاني ويكون الأثر فيها محاطا بكيس امينوسي يتمزق عند المخاض، فيستل الأثر الفني من مادته كأنه جنين تخلى عن قماطه.
والمادة هنا هي تلك الأدوات التالفة التي لم تعد صالحة للإستعمال، وفقدت قيمتها بمرور الزمن، جمعت بعناية فائقة قد لها مسار آخر، بدا أوله في وجدان الفنان  لينصب الفعل الفني على المادة، فتلين وتنصاع لأمر إنشائها، وما الإنشاء هنا سوى إنشاء للفكرة التي تخمرت في ذهن الفنانة، وسكنت في جسدها واستوطنت في مخيالها، ثم فاضت هذه الفكرة على المادة كأنها خمر عتيق لتحولها إلى منحوتة وتجعل منها واقعا شعريا وسحريا وعجائبيا، فالفنانة تحاكي نفسها وتلامس ماضيها بكل ما فيه من حنين وعاطفة، وتحاول إيجاد التعبيرة الفنية الملائمة لذلك، ففي كل لحظة أصوب فيها بصري للمنحوتات أعرف جليا أن الفنانة قد وضعت نفسها وبثتها في كل هذه الأعمال.
في البداية وأنا أدرب نفسي على القراءة كان لا بد لي أن أقتفي أثر الفنانة في منحوتاتها الطفولية المرحة. إن لحظات الطفولة هي حالة الإستعداد القصوى للصفاء والنقاء، فالطفل مساو لذاته، خال من الشوائب والأدران والأغيار، محب لفضائه، يعظم الأشياء فيستمد منها العظمة.
يبدو أن الكتابة تحتاج إلى اللعب، والفنان عليه أن يصوب فعله الفني باللعب، وعليه أن يبحث عن لحظات التحرر بإيجاد الطفل المرح الذي يسكنه، إنه فعل نحت داخلي يتخلي فيه الفنان عن ضيقه ليتوسع الأفق عنده، وفي هذا الإطار أعتقد أن الفنانة ليلي الركباني، قد تدربت على هذا الفعل، فوجدت طفلتها تقبض على أدوات الحدادة وعن أشياء إلتقطتها من المزابل لتلعب وتصنع دماها وعرائسها، فكل أعمال الفنانة هي عبارة على دُمى حتى تلك الأعمال التي لم تكن فيها الدمية شديدة الحضور والظهور.

إن كل الأدوات موجودة لا أمام اليد فقط، وإنما هي طوع اليد بالضرورة فهي معروضة أمام الإنسان وجاهزة ومسخرة للإستعمال اليدوي، وبالتالي فعلاقة الفنانة بالأداة ليست مبنية على الحياد إنها علاقة استعمال ومنفعة وهي في عمقها علاقة جعلت الأداة موضع فعل فني وجمالي.