من جورج فلويد إلى هشام الهاشمي

اجتاز الهاشمي خطوط الموت ليمشي في حقول الألغام فكان الموت قتلا في انتظاره.


القاتل معروف ومن الصعب على الحشد الشعبي إنكار ارتباطاته بالعصابة


إذا كان فلويد فوجئ بمحاولة قتله فالهاشمي كان يعرف أنه يقاتل عصابات شرسة وقذرة

المواطن العراقي هشام الهاشمي ليس المواطن الأميركي جورج فلويد الذي خرج العالم كله بسبب مقتله على يد شرطي في حادثة اتسمت بسلوك عنصري غير مسؤول ويخرج عن نطاق الواجب.

الهاشمي مناضل من أجل الحرية. نذر نفسه من خلال الكتابة للدفاع عن حق شعبه بأن يعيش حياة كريمة في ظل دولة تسودها العدالة التي تستند على حقوق المواطنة غير المنقوصة والمساواة أمام القانون. وكان استثنائيا في وقوفه المعلن ضد قوى اللادولة التي تحتكم إلى السلاح في فرض وجودها المرتبط بدولة أجنبية.

اجتاز الهاشمي خطوط الموت ليمشي في حقول الألغام فكان الموت قتلا في انتظاره. اما فلويد فإنه إنسان بسيط، قيل إنه كان يسعى إلى شراء شيء ما، متواضع الثمن مقابل عملة مزورة فدفع حياته بسبب مغامرة لا قيمة لها. قتله الشرطي في لحظة طيش غبية.

ما جرى بعد ذلك أن السلطات الأميركية تراجعت عن قرارها إقالة الشرطي من الخدمة وقدمته إلى القضاء بتهمة القتل غير العمد. لم تفعل ذلك إلا لأن صرخة الظلم التي أطلقها فلويد وهو يقول للشرطي "دعني أتنفس" أيقظت الأميركيين على واقع لا تزال العنصرية تعشعش فيه ولا يزال الأميركيون من أصل أفريقي يعاملون باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية.

مقتل فلويد أيقط أميركا ومعها العالم كله على العنصرية التي لا تزال تتحكم بسلوك البعض من البشر وهو ما فتح الباب واسعا على سلوك بعض المؤسسات العنصري الذي نتج عنه انتشار البطالة بين صفوف ذوي البشرة السوداء من الاميركيين.

كان فلويد ضحية العنصرية قبل مقتله الذي كان تتويجا لها.

جملة واحدة من فلويد قالها قبل موته دفعت العالم كله إلى نصرة قضيته والوقوف مع أبناء جنسه. في المقابل فإن أطنانا من الكلمات قالها وكتبها الهاشمي قبل موته من أجل الدفاع عن قضية شعبه المعذب والمضطهد الذي تحاصره العصابات الإيرانية لم تحرك طرفا من الضمير الإنساني.

وإذا ما كان فلويد قد فوجئ بمحاولة قتله فإن الهاشمي كان على معرفة من أنه يقاتل عصابات شرسة وقذرة من غير أن تكون هناك دولة تحميه. كان الموت يقتفي أثره فيما كان يرى أن عليه أن لا يتخلى عن واجبه الوطني.

واجه الهاشمي التهديد بالقتل بالكلمة التي سيتركها نبراسا لشعبه. هل كان انتحاريا؟ كان في حقيقته بطلا اكتسب من الكلمة قوة ووهبها قدسية سيقف أمامها الشعب بإجلال.

لم يخرج الشعب العراقي في تظاهرات احتجاجا على اغتيال الهاشمي لأن العصابات التي قاتلها فقتلته لا تزال تمسك بالشارع ولا يزال مشروعها في القتل قائما ولكنها لن تتمكن من الاستمرار في ذلك. لقد وهبت تلك العصابات من خلال جريمتها العبثية فرصة للحكومة تسترضي من خلالها الشعب. فالقاتل معروف وسيكون من الصعب على قيادة الحشد الشعبي أن تنكر تبعية العصابة التي ينتمي إليها القاتل لها.

فأما أن تتخلى تلك العصابة عن سلاحها بعد أن تسلم القاتل إلى الحكومة وأما أن يختار الحشد الشعبي الصدام بالقوات المسلحة والأجهزة الأنية الرسمية. وبسبب الظروف الاقليمية وما تتعرض له إيران من ضربات فإن الخيار الأول هو المرجح.      

سينتصر الهاشمي في قبره. تلك نهاية حزينة.

لطالما حلم هشام الهاشمي بأن يرى نهاية للعصابات. غير أن موته وقد صار اسطورة سيفتح تلك النهاية على سؤال المصير العراقي. سيكون الهاشمي عنوانا للكلمة المقاومة. سيبقى كذلك.