مهرجان الريف للفيلم الأمازيغي يسائل شح لجنة دعم المهرجانات
يُجسّد مهرجان الريف الدولي للفيلم الأمازيغي في دورته الثامنة، التي احتضنتها مدينة تطوان مساء العاشر من يونيو/حزيران 2026، نموذجاً بالغ الدلالة في المشهد الثقافي المغربي المعاصر، إذ يكشف في آنٍ واحد عن حيوية الفعل الثقافي الأمازيغي وعن هشاشة البنى الداعمة له. وإذا كان الاحتفاء بهذه الفعالية أمراً مشروعاً بل وضرورياً، فإن القراءة النقدية الرصينة تقتضي تجاوز خطاب الإطراء المجرّد نحو تشريح الواقع بأدوات التحليل والمساءلة.
لا يمكن قراءة هذا المهرجان بمعزل عن سياقه الدستوري والسياسي. فمنذ الإصلاحات الدستورية لعام 2011، التي رفعت الأمازيغية إلى مصافّ اللغات الرسمية إلى جانب العربية، باتت التعبيرات الفنية الأمازيغية تحمل ثقلاً رمزياً مضاعفاً؛ فهي فعل سياسي هوياتي يُترجم الاعتراف الدستوري إلى ممارسة ثقافية حية. ومن هذه الزاوية يغدو مهرجان الريف، بشعاره المحوري لهذه الدورة "قضايا الهوية في الفيلم السينمائي الأمازيغي بشمال إفريقيا"، فضاءً للتداول النقدي حول إشكاليات الانتماء والذاكرة الجماعية والتمثيل الثقافي.
غير أن ثمة مفارقةً صارخة تستوقف الناظر: فبينما يُكرّس الدستور المغربي الأمازيغيةَ لغةً رسمية، يجد المهرجان المعني بتوثيق هذه الهوية وتشكيل خيالها السينمائي نفسَه أمام شُح مؤسسي واضح في الدعم الرسمي. وهذه المفارقة بين الاعتراف الرمزي والإسناد المادي تمثل مدخلاً نقدياً جوهرياً لفهم حدود السياسات الثقافية في المغرب الراهن.
ويحمل المهرجان في طريقة تنظيمه وبنيته التحتية، ما يمكن تسميته بـ"جماليات الشُّح"؛ أي القدرة على إنتاج حدث بمواصفات راقية رغم ضيق الإمكانيات. وهذه القدرة، إذ تستحق الإشادة، فإنها لا ينبغي أن تُستثمر مسوّغاً لاستمرار الإهمال المؤسسي، أو أن يُحتجّ بها دليلاً على أن الفعل الثقافي يستطيع الاكتفاء بذاته.
إن الادعاء بأن الرقي الفني لا يرتبط بالدعم المالي الضخم، رغم ما يحمله من صدى شعبي مُغرٍ، ينطوي على قدر من المغالطة حين يُطبَّق على الواقع العملي، إذ إن غياب الموارد الكافية يُضيّق آفاق البرمجة، ويُقيّد حرية الاختيار الفني، ويحول دون استقطاب الكفاءات والضيوف، ويجعل استمرارية المهرجان رهينةً بالجهود الفردية لا بالمنظومة المؤسسية. وبالتالي، فإن النجاح النسبي الذي يحققه المهرجان رغم محدودية الدعم لا يُبرئ السياسة الثقافية من مسؤوليتها، إّذ يزيد الحجة عليها: إذا بلغ المهرجان ما بلغه بهذا القدر المحدود، فما الذي يمكنه تحقيقه لو حظي بالإسناد اللائق؟
ويمثّل توسيع المهرجان نطاقه الجغرافي ليشمل صناع السينما من دول حوض المتوسط قيمةً مضافةً لا يمكن إغفالها؛ فهو يُحوّل الهوية الأمازيغية من إطار وطني ضيق إلى حوار ثقافي متوسطي أرحب. وهذا التوجه يستحضر ضمنياً تساؤلات جوهرية: كيف تتقاطع الهوية الأمازيغية المغربية مع نظيراتها الجزائرية والليبية والتونسية في الخطاب السينمائي؟ وأين تتشابك نقاط التماس وتتباين زوايا التمثيل؟
وتبقى الندوات الفكرية والورشات التكوينية ولقاءات صناع السينما من أكثر مكوّنات البرمجة عمقاً وأثراً في سياق كهذا، لكونها تتجاوز بُعد العرض الاحتفالي إلى فضاء المعرفة الإنتاجية والتداول النقدي.
ويستحضر المقال الأصلي المقارنةَ بين مهرجان الريف ومهرجانات تحظى بدعم وفير مع ضعف في التنظيم والبرمجة. وهذه المقارنة وإن كانت تنبّه إلى ظاهرة حقيقية تتمثل في التوزيع غير العادل للدعم الثقافي، إلا أنها تظل محدودة الجدوى النقدية ما لم تستند إلى بيانات موثّقة وحالات محددة قابلة للفحص. إذ إن الخطاب النقدي يسائل المعايير التي على أساسها توزَّع الموارد الثقافية، ويتتبع مسارات اتخاذ القرار في المنظومة المؤسسية الراعية للفعل الثقافي.
يطرح مهرجان الريف الدولي للفيلم الأمازيغي، في دورته الثامنة سؤالاً مزدوجاً: سؤالاً جمالياً عن طبيعة الهوية الأمازيغية في الخطاب السينمائي المعاصر، وسؤالاً سياسياً عن طبيعة العقد الذي يجمع الدولة المغربية بالتعدد الثقافي الذي أقرّته دستورياً. فالاعتراف الرمزي من دون إسناد مادي حقيقي لا يعدو كونه اعترافاً منقوصاً، والهوية التي لا تجد منصات إنتاج وعرض وتداول مدعومة تظل هويةً هشة في مواجهة التحولات الثقافية المتسارعة.
إن استمرار هذا المهرجان وتنامي حضوره النقدي يستوجبان، بالضرورة، تحويل الدعوة العاطفية إلى مطالبة مؤسسية منظمة: مطالبة بسياسة ثقافية واضحة المعالم، تُعلي من شأن التنوع بوصفه ثروة وطنية لا عبئاً إدارياً، وتجعل من مهرجان الريف نقطةً ارتكاز في المنظومة السينمائية المغربية لا استثناءً نجا بأعجوبة.
يحتلُّ مهرجانُ الريف الدولي للفيلم الأمازيغي مكانةً فريدةً من نوعها في المشهد الثقافي والسينمائي المغربي، مكانةٌ لا تنبعُ من تميّزِه الفني أو حداثةِ تجربته، وإنما من كونِه المهرجانَ الوحيدَ في المملكة الذي يحملُ هذه الصبغةَ الدولية ذات الطابع الأمازيغي الصريح والمُعلَن، وهو ما يجعلُه حدثاً استراتيجياً بامتياز يرتبطُ ارتباطاً عضوياً عميقاً بمسألة الهوية الوطنية المغربية في أحد أبعادها الأكثر حساسيةً وأكثرها حاجةً إلى الرعاية والاحتضان. فالمغربُ الذي دسترَ الأمازيغيةَ لغةً رسميةً إلى جانب العربية عام 2011 في خطوةٍ تاريخية بالغة الدلالة، يجدُ نفسَه أمامَ مسؤوليةٍ حضارية لا تكتملُ بالنصوص القانونية ما لم تُترجَم إلى واقعٍ ثقافي ملموسٍ وحيٍّ ونابضٍ بالإبداع، وهذه الترجمةُ لا يُجيدُها شيءٌ كما تُجيدُها السينما حين تُمنحُ الإمكاناتُ اللازمة والدعمُ الكافي. ومن هنا تتجلّى الإشكاليةُ الحقيقية التي ينبغي أن تُطرحَ بجرأةٍ ووضوح: كيف يُعقلُ أن يكونَ المغرب، هذا البلدُ الذي تُشكّلُ الأمازيغيةُ جزءاً جوهرياً من هويتِه التاريخية والحضارية، لا يمتلكُ سوى مهرجانٍ واحدٍ بهذه الصبغة الدولية الأمازيغية في حين تزخرُ خريطتُه بعشراتِ المهرجانات التي تُعنى بأجناسٍ فنية أخرى وتحظى بدعمٍ مؤسسي وإعلامي لا يُقارَن؟
إن الاستثمارَ في هذا المهرجان ليس ترفاً ثقافياً ولا منّةً تُسبَغُ على منظّميه وجمهورِه، لأنه استثمارٌ في الهوية الوطنية ذاتِها وصونٌ لمكوّنٍ أصيلٍ من مكوّنات الشخصية المغربية التي تُقدّمُها الدبلوماسيةُ الثقافية للعالم بوصفها نموذجاً للتنوع والتعدد والانفتاح. وكلُّ تقصيرٍ في دعم هذه التظاهرة الفريدة يعني بشكلٍ أو بآخر تركَ هذا المكوّن يتآكلُ ببطءٍ في غياب الرعاية، وتركَ الساحةَ فارغةً أمام قوى التهميش والنسيان التي لا تحتاجُ إلى قرارٍ صريح كي تُؤدّيَ مهمتَها، وانما يكفيها الصمتُ والإهمالُ وشُحُّ الموارد لتفعلَ فعلَها في جسد الذاكرة الجماعية الأمازيغية بما لا يُخلّفُه حتى أشدُّ الهجمات المقصودة وطأةً وأكثرُها عدوانية.
يحتاجُ مهرجانُ الريف الدولي للفيلم الأمازيغي إلى الدعم المادي وتوسيع الموارد، وإلى شيءٍ أعمق وأندر وأكثر أثراً في المآل، كما يحتاجُ إلى عقولٍ منفتحةٍ تُدركُ أن الثقافةَ الأمازيغية هي رافدٌ حضاري أصيل قادرٌ على الحوار مع ثقافات العالم من موقع الشريك المبدع فالمغربُ الذي يفخرُ بانفتاحِه على العالم وبتقاطعاتِه الحضارية المتعددة بين الأمازيغي والعربي والأندلسي والإفريقي والمتوسطي، لن يُقدّمَ هذه الصورةَ الحقيقية كاملةً ما لم يستثمرْ في المكوّن الأمازيغي بالقدر الذي يستحقُّه ويُليقُ بعمقِه التاريخي وثرائه الجمالي الاستثنائي. وهذا الاستثمارُ لا يُحسنُ تقديرَه من يرى في الثقافة نفقةً تُخصَّصُ لها ميزانياتٌ بحسب الأولويات السياسية المتقلّبة، وإنما يُحسنُه من يؤمنُ إيماناً راسخاً بأن ثقافةً مغربيةً حقيقيةً منفتحةً على ثقافات العالم لا يمكنُ أن تكونَ كذلك وهي تُقصي أو تُهمّشُ أحدَ روافدِها الجوهرية، لأن الانفتاحَ الثقافي الحقيقي يبدأُ بالاعترافِ الكامل بالذات وصونِها وتقديمِها للعالم بكل ما تحملُه من تنوّعٍ وعمقٍ وأصالةٍ لا تحتاجُ إلى إذنٍ من أحد كي تُثبتَ حقَّها في أن تكونَ وأن تُبدعَ وأن تُسمَع.

