مهرجان المسرح العربي يرصد إسهامات المرأة المصرية في التجربة المسرحية

المسرح المصري استطاع أن ينقل تجربته الرائدة والمهمة إلى الدول العربية عن طريق الأساتذة والرواد ومنهم سلامة حجازي وفاطمة رشدي ويوسف وهبي وزكي طليمات وغيرهم.


المؤتمر الفكري المصاحب للمهرجان يعقد ندوة حول نقد تجربة المسرح المصري


سامية حبيب تحلل مذكرات وذكريات الرائدات في النصف الأول من القرن العشرين

جاء انطلاق فعاليات المؤتمر الفكري المصاحب لمهرجان المسرح العربي في دورته الـ 11 والمخصص للتجربة المسرحية المصرية، "نقد التجربة - همزة وصل المسرح المصري في الفترة من 1905 – 1952"، توثيقا لهذه الفترة مسرحيا وأرشفتها، ومراجعة نقدية قوية في سياق ما يعرف بنقد النقد لتجربة المسرح المصري، تتعرف على الماضي بكل دقة، لتعرف مكانها من الحاضر، وتستشرف المستقبل. وقد كان تخصيص الهيئة العربية للمسرح للتجربة المصرية تأكيدا لدورها الفاعل في التأثير على المسرح في الكثير من الدول العربية، حيث استطاع المسرح المصري نقل تجربته الرائدة والمهمة إلى هذه الدول على يد عدد من الأساتذة والرواد ومنهم سلامة حجازي وفاطمة رشدي ويوسف وهبي وزكي طليمات وغيرهم.
الجلستان الأولى والثانية ناقشتا محورين مهمين يخصان حضور المرأة في المسرح المصري، حيث تطرقت الجلسة الأولى لإسهامات المرأة في المسرح في النص الأول من القرن العشرين من خلال بحث نور الهدى عبدالمنعم والمعوقات التأسيسية للمرأة في المسرح المصري بين المنع والمدح من 1905 ـ 1952 من خلال بحث الفنانة أمينة سالم، والمسرح النسائي المصري: البحث عن منبر للتعبير للدكتورة دينا أمين، وتناولت الجلسة الثانية جدلية الصوت النسوي والثقافة الذكورين أيضا من خلال بحث د. سامية حبيب التي قرأت خلاله مذكرات وذكريات الرائدات في النص الأول من القرن العشرين، وبحث إبراهيم الحسيني: النسوية الغالبة في المسرح المصري.. أسئلة الريادة والوعي بقضايا المجتمع، وبحث د. محمود الضبع عن الوعي والوعي المضاد: البدايات الأولى لتشكيل هوية المرأة في المسرح المصري.
د. دينا أمين رأت في بحثها أن المرأة لم تكن فاعلة في مجال الكتابة للمسرح أو الإخراج المسرحي منذ بداية المسرح وحتى منتصف القرن العشرين لكن إسهاماتها في تطوير المسرح العربي كانت إسهامات ملموسة وفعَّالة في المجالات المسرحية الأخرى، وقالت: "إذا كان المعيار الوحيد لمقدار هذا الإسهام وفاعليته هو الكتابة الفعلية للنصوص المسرحية وإخراج المسرحيات، فإن رأي د. نهاد صليحة في هذا الشأن يُعد رأيًا دقيقًا للغاية. إذ تقول "تظل هناك حقيقية واحدة جليَّة: (ظلت النصوص المكتوبة لفترة طويلة ملكًا للرجل، ولطالما نُقشت على أجساد النساء وأصواتهن). ولكن إن أمكن تقدير مساهمة المرأة في المسرح من خلال النظر في حجم مشاركتها في المجال أولًا بصفتهن فنانات، ومديرات للشركات، ورعاة، وداعمات للفن، بالإضافة إلى إمكاناتهن في الإخراج وكتابة المسرحيات، فإن إسهاماتهن في الواقع لا تقدر ولا تحصى".

المسرح المصري قام في الكثير من منتجه في البدايات بالتماهى في إسناد دور المرأة إلى ممثلين رجال مثال: المسرح الإغريقي والإليزابيثي والمسرح الديني في العصور الوسطى

وسردت أمين تاريخ أبرز الوجوه المسرحية كـ: منيرة المهدية، وفاطمة اليوسف، ودولت أبيض، وعزيزة أمير، وفاطمة رشدي، لتخلص إلى أن النساء المصريات اجتزن أشواطًا شاسعة في جميع جوانب الفن، وتركت كثيرات منهن بصماتهن، وأثبتن جدارتهن في مجال المسرح. إن نجاحهن وإنجازهن لم يكن يسيرًا، ويجب ألا يُنظر إليه على أنه أمر مُسَلَّمٌ به. فلقد ناضلوا بكد ولوقت طويل؛ لتُسمع ’أصواتهن‘ في جميع ميادين الكفاح في المجالات المختلفة. لم توشك معاركهن على الانتهاء، فلا يزال أمامهن الكثير من الجبهات والمجالات ليبدأن في سبر أغوارها.
وقالت الباحثة نور الهدى عبدالمنعم إن الطريق لم يكن ممهدًا أمام المرأة المصرية في بداية القرن الماضي لتؤسس لما عُرف فيما بعد بمسرح المرأة، فقد كان يسمّى مسرح المجتمع أو المسرح المنوع، بل كان أمامها عقبات كثيرة منها ما يرتبط بالمجتمع الذي مر بثلاث مراحل هي: الأولى: الرجال يسيطرون على كافة تفاصيل العملية المسرحية من تأليف وإخراج وتمثيل فكانوا يقومون بالأدوار النسائية بجانب أدوار الرجال "حيث كان ظهور المرأة على المسرح ومطارحتها للغرام، يعتبر خروجًا على الدين والأخلاق فكان يعهد بأدوار النساء إلى شبان صغار في السن". 
ومن الحوادث الطريفة التي نقرأ عنها في إحدى الدراسات أن الموسيقار محمد عبدالوهاب كان أحد هؤلاء الأطفال في تلك الفترة التاريخية في مسرحية الموت المدني لفرقة عبدالرحمن رشدي 1917، تضمنت دورًا لفتاة صغيرة تدعى "أداة" فأسند إليه الدور وهو بعد لا يزيد على تسع سنوات، فكانوا يلبسونه فستانًا قصيرًا زاهي الألوان ويربطون شعره بالأشرطة الحريرية.
الثانية: سيدات شاميات ولبنانيات، وهن من فتحن باب دخول المرأة إلى مجال التمثيل وجعلن الفتاة المصرية تسعى لتقليدهن، من بينهن: ملكة سرور، هيلانة بيطار، مريم سماط، ميليا ديان، وردة ميلان، ماري صوفان، أبريز استاتي، ألمظ استاتي، فاطمة اليوسف، بديعة مصابني، ماري منيب، ثريا فخري.
الثالثة: سيدات يهوديات ومسيحيات مصريات من بينهن: أديل ليفي، صالحة قاصين، استر شطاح، نظلة مزراحي، سرينا إبراهيم، هنريت كوهين، فيكتوريا كوهين، فيكتوريا موسى، فكان من الصعب بل من المستحيل أن تقوم بالتمثيل امرأة مصرية مسلمة.
وأضافت أيضًا ما يرتبط بعادات وتقاليد المجتمع والأسر المصرية التي كانت تعارض بشدة دخول بناتهن هذا المجال، مما جعل ظهور المرأة في البداية على خشبة المسرح لتجسيد شخصيات رجال، حتى بدأ المجتمع يتقبل ذلك تدريجيًا، وكانت منيرة المهدية هي من بدأت ذلك ومن بعدها فنانات أخريات لعل أشهرهن أمينة رزق. وعلى الرغم من ذلك فقد نجحت المرأة المصرية أن تثبت وجودها واستطاعت أن تنتصر على التقاليد وقتها ولم تقتحم هذا المجال فحسب بل إن بنات العائلات المعروفة وبنات الطبقة الأروستقراطية وقتها دخلن هذا المجال وعملن فيه منهن دولت أبيض، عقيلة راتب، زوزو ماضي، ميمي شكيب وزوز شكيب، وكذلك بنات الريف حيث بدأ هذا الانفتاح على يد بنت قرية المهدية مركز ههيا بمحافظة الشرقية "منيرة المهدية". 

في مهرجان المسرح العربي
نقد التجربة

ليس هذا فحسب بل نجحن في تغيير نظرة المجتمع للفنانة وكسبن احترامه وتأييده، وأثيرت في هذه الفترة قضايا المرأة، وكن بالفعل همزة الوصل التي أثرت في الأجيال التي جاءت بعدهن، وبفضل مبادرتهن استمرت مسيرة المسرح والتنوير خلال النصف الثاني من القرن العشرين بمشاركة جيل من الدارسات لفن التمثيل، بل وشهد أيضًا ظهور المرأة الناقدة التي ظهرت في النصف الأول على استحياء فكانت روز اليوسف أول امرأة تؤسس مجلة، وعلى الرغم من كونها سياسية، أفردت فيها أبوابا للنقد المسرحي، واستعانت بنقاد كبار منهم محمد التابعي وأحمد كامل مرسي، وتعاظم الأمر في النصف الثاني من القرن العشرين: فظهرت الناقدة والأستاذة الأكاديمية في علوم المسرح منهن: د. نجاة علي، د. نهاد صليحة، د. سميرة محسن.
وخلصت الفنانة أمينة سالم من تحليلها لظاهرة حضور وغياب المرأة الفترة من 1905 – 1952؛ إلى القول بأن وضعية صورة المرأة في المسرح المصري تتلخص في عدة استنتاجات منها: أولا تبقى وضعية المرأة المصرية رهينة مثيلتها الأوروبية في ارتباطها بظروف العصر وأحداثه؛ كما أنها مصدر ثري ومتجدد لكثير من مختلف القضايا؛ وذلك باختلاف الحضارات في الشرق والغرب؛ وهو ما يجعلنا نقول إن المطروح في المسرح المصري لم يكن بمستوى الطارح. بمعنى أن النتاج كان أقل من السعى للوصول إليه. 
ثانيا ستظل المرأة المصرية دائماً تتأرجح بين ثبات الوجود، وتأرجح الموجود. أى بين القائم والسائد .ثالثا ارتبطت قضايا المرأة وصورتها بالرمز والدلالة للأرض والوطن وبخاصة مع البدايات الأولى للوعي بقضيتها بعد ثورة 1919 واهتمام الدولة بالمسرح، ومحاولة تخليصه من جموده الفكري .رابعا قام المسرح المصري في الكثير من منتجه في البدايات بالتماهى في إسناد دور المرأة إلى ممثلين رجال مثال: المسرح الإغريقي والإليزابيثي والمسرح الديني في العصور الوسطى حيث الرجال يتنكرون في أثواب النساء؛ ويتحدثون بأصواتهن. 
خامسا هناك باحثات ومفكرات دعمن الدعوة إلى حرية المرأة؛ وكان لهن حضور قوي في تغيير وضعية المرأة منهن: هدى شعراوي ونبوية موسى وسيزا نبراوي وباحثة البادية ملك حفني ناصف، منيرة ثابت ودرية شفيق؛ وغيرهن ممن حذون على نهجهن فيما بعد مثل سهير القلماوي ونوال السعداوي. وهو ما يدلل على أن المرأة المصرية قوية عبر الزمن رغم الانحسار والتقدم والانكسار. 
وحللت د. سامية حبيب مذكرات وذكريات الرائدات في النصف الأول من القرن 20 مثل: مقالات الممثلة مريم سماط التي جاءت بعنوان "التمثيل العربي" المنشورة عام 1915 بجريدة الأهرام في خمس حلقات منذ يوليو/تموز إلي سبتمبر/أيلول من العام نفسه ثم ضمها الكتاب المرجع، ومذكرات فاطمة اليوسف "ذكريات" المنشورة في المؤسسة التي حملت اسمها "روزا اليوسف"، والتي ضمت ذكرياتها عن العمل بالمسرح والصحافة معا منذ مطلع القرن العشرين، ومذكرات فاطمة رشدي "كفاحي في المسرح والسينما"، وذكريات كل من أمينة رزق وزينب صدقي التي  نشرت في صور حوارات معهما  قبل وفاتهما بفترات قصيرة  في مجلة "المسرح". والكتب والحوارات المنشورة لرواد الإخراج والتمثيل ممن عاصروا الرائدات وعملوا معهن، مثل مذكرات "عشت ألف عام" ليوسف وهبي، وكتاب "طلائع المسرح العربي" لمحمود تيمور وكتاب "خمسون عامًا من المسرح" لفتوح نشاطي وكتاب "ذكريات ووجوه" لذكي طليمات.
ورأت د. حبيب أن أسلوب الكتابة في المذكرات كان بالنثر في صيغة الحكي عن أحداث ووقائع مرت بها صاحبة المذكرات بنفسها أي هناك تطابق بين السارد والشخصية التي تحكي عنها. أيضا نجد المنظور الاستعادي للحكي، فأحداث المذكرات كلها تمت منذ ما يقرب من ربع قرن في حالة "ذكريات" و"كفاحي في المسرح والسينما" لذا نجد كل الأفعال في صيغة الماضي. وتم ذكر شخصيات كثيرة رحلت عن عالم صاحبات السير، ولكنهن يذكرنهن للتعريف بدور ما في حياتهن أو رحلة عملهن. وقد اتفقت الاثنتان روزا اليوسف وفاطمة رشدي، على ذكر فضل شخصية عزيز عيد مثلا عليهن، كما ذكرتا وقائع إنشاء الفرق المسرحية التي عملتا بها مثل فرقة رمسيس وعكاشة وسلامة حجازي.
وأشارت إلى أن الفن وخاصة التمثيل المسرحي كان هو العامل المشترك بين مذكرات الدراسة، وهذا لم يمنعهن من ذكر كثير من الوقائع الوطنية والسياسية التي مرت بها مصر وكان لها تأثير ما في عملهن. مما ساهم في توسيع الموضوع المسرود وخرج به عن مجرد سيرة جافة لكل منهن، لتكون سيرة الفن والمسرح مع وقائع سياسية واقتصادية حدثت أثناءها مثل مصادمات مع سلطات الاحتلال الإنجليزي من جانب، وأواصر التعاون والتلاحم بين القوى الوطنية والثقافية من جانب آخر؛ بهدف جعل الفن وسيلة من وسائل المقاومة والتنوير والتثقيف للشعب المصري بل والعربي.