مهرجان سلا لفيلم المرأة يفقد بوصلته في دورته 18
الرباط ـ يشهد المهرجان الدولي لفيلم المرأة بسلا في دورته الثامنة عشرة حالة من التراجع في الرؤية والبرمجة، تكشفها تفاصيل عديدة توحي بغياب الوعي بمكانة الحدث وأهدافه. فعوض أن يكون مناسبة لإبراز صوت المرأة في السينما، سواء عبر الأفلام العربية قبل الدولية أو الكتابات النسائية السينمائية، جاءت بعض الفقرات هامشية ومتناقضة مع روح المهرجان، لتضع أكثر من علامة استفهام حول جدوى الاستمرار بهذه الصيغة.
وتُظهر فقرة تقديم المؤلفات أوضح هذه المفارقات، إذ غابت تمامًا المؤلفات النسائية المرتبطة بالسينما، بينما كان من الطبيعي أن تُخصص لتقديم كتب كتبتها نساء، أو مؤلفات تعالج قضايا المرأة في السينما.
واكتفت الإدارة بعرض كتب أدبية في مجالات الشعر والرواية لا صلة لها بالفن السابع، وهو ما يُفقد هذه الفقرة معناها. ويجعل هذا الانزياح الغريب من مهرجان سينمائي أقرب إلى ملتقى للكتاب، عوض أن يكون منصة لنقد وتحليل السينما النسائية في بعدها الدولي.
وتبرز الندوات بدورها كمؤشر إضافي على محدودية الجهد التنظيمي. لانها برمجت بطريقة أقرب إلى الهيمنة الذكورية، دون إعداد أكاديمي أو عمق ثقافي يوازي صفة المهرجان الدولي للمرأة عموما. ويكشف هذا الارتجال عن غياب الرؤية لدى الإدارة الفنية، التي لم تُبدل أي مجهود يُذكر لتأطير هذه اللقاءات وصياغتها كمحطات للنقاش والتفكير الجاد في السينما وقضايا المرأة كما يحمل توجه المهرجان.
وتُعمّق العروض السينمائية حجم التناقض، إذ تجذب الأفلام المغربية غير المشاركة في المسابقة الرسمية، والمبرمجة في سينما "ملكي" بسلا القديمة، جمهورًا غفيرًا ورواجًا كبيرًا، بينما تُعرض الأفلام الدولية المشاركة في المسابقة الرسمية داخل قاعات سينما هوليوود أمام مقاعد شبه فارغة. وتطرح هذه المفارقة سؤالًا بديهيًا: لماذا لا تُبرمج الأفلام المغربية المحبوبة من الجمهور، حتى وإن لم تشارك في المسابقة، إلى جانب الأفلام الرسمية من أجل ضمان الحضور والتفاعل؟ فالسينما من دون جمهور مشروع فاشل، والمهرجان نفسه من دون حضور جماهيري ووجوه فنية معروفة يبقى بلا جدوى.
ويُسجَّل أيضًا الغياب الكامل للسينما العربية عن هذه الدورة، في مشهد يثير الاستغراب. فلا حضور لأفلام مصر أو تونس أو الجزائر أو فلسطين أو حتى دول الخليج، رغم أن هذه البلدان تمثل ركائز أساسية للسينما العربية، وكان من الممكن أن تضيف ثقلًا فنيًا ونقاشًا حقيقيًا للمهرجان. ويعكس هذا الغياب ضعفًا في التنسيق وغياب رغبة حقيقية في جعل المهرجان فضاءً دوليًا بحق يدافع عن المرأة العربية قبل الدولية.
ويكشف كل ذلك أن الدورة الحالية لمهرجان المرأة بسلا لم تتمكن من الوفاء بما يوحي به اسمها، إذ لم تُعطِ المرأة صوتها الإبداعي في المؤلفات، ولم تستقطب جمهور السينما الحقيقي، ولم تُظهر وجهًا عربيًا أو دوليًا بارزًا.
وإذا استمر المهرجان بهذه الصيغة، فإنه يظل حدثًا بلا أثر، اسمه أكبر من مضمونه، وبروتوكولًا فارغًا أكثر منه مهرجانًا سينمائيًا دوليًا.
ويبرز هذا التناقض أكثر في الأنشطة الموازية، حينما تمت برمجة فقرة تحت عنوان "الصداقة والاعتراف بالفنان الراحل محمد الشوبي"، وهو اختيار يثير التساؤل. فإذا كان المهرجان يحمل اسم "المرأة" ويقوم على فلسفة الاحتفاء بتمثلاتها الفنية والسينمائية، ألم يكن أجدر أن يُخصص هذا الفضاء للاعتراف بفنانة راحلة مثل نعيمة بوحمالة أو نعيمة المشرقي، وهما من أبرز الوجوه النسائية في الساحة الفنية المغربية؟ كان ذلك سيعبر عن انسجاماً بين الاسم والجوهر، ويمنح للمرأة المكانة الرمزية التي تستحقها داخل مهرجان يفترض أن يكون منصتها الأولى.