مَن يحب العراق وأهله الطيبين
فيما مضى كنت أشعر بالاستفزاز حين اسمع أحدهم وهو يقول "أحب العراق" ومَن لا يحبه؟ ولكن حبا يختلف عن حب آخر. والجمل التي تلي تلك الجملة تفسرها. عراق اليوم فيه مطاعم كبيرة ومجمعات كثيرة للتسوق وما من شيء تحتاجه إلا تجده في أسواقه من الإبرة إلى الطائرة المسيرة. بلد استهلاكي، ناسه مستهلكون. ولكنه بلد من غير كهرباء ولا مياه صالحة للشرب. القطاع الصحي فيه منهار وخريجو جامعاته عاطلون عن العمل وجهاز دولته المتضخم فاسد والزراعة فيه تتدهور بسبب نقص المياه وإنهيار منظومات الري التي سبق للعراق أن أنفق مليارات الدولارات من أجل إنشائها وهو أيضا فقد مصانعه التي تم تفكيكها وتصديرها خردة إلى إيران وتركيا. كما أن العراق فقد لمعانه الثقافي لا لأن شعبه لم يعد يقرأ حسب بل وأيضا لأن ذلك الشعب صار صعبا عليه وهو يعيش حالة رثة من العاطفة يمتزج من خلالها الفقر الخيالي بالطائفية أن ينتج شخصيات مبدعة مثل بدر شاكر السياب وفؤاد التكرلي ورافع الناصري ومنير بشير وناظم الغزالي وجواد سليم ومائدة نزهت وزها حديد وكاظم الساهر.
عام 2006 التقيت أحد الشعراء العراقيين في الجزائر وكان مقيما في لندن وسألته "لمَ تذهب دائما إلى العراق وهو محتل؟" قال بارتخاء وتفاخر "لأرى أهلنا الطيبين" بعد سنوات اكتشفت أن مَن حصلوا على معاش تقاعدي من غير أن يعملوا في الدولة العراقية كان عليهم أن يذهيوا إلى العراق لإستلام رواتبهم وكان ذلك الشاعر واحدا منهم. فسقطت نظرية "أهلنا الطيبون". كان الرجل يكذب. هل كان صادقا في شعره؟ أشك في ذلك. نحن نعيش أزمة ضمير. فإذا كان المثقفون يكذبون فماذا عن الشعب الذي يجلس أمام التلفزيون لينصت إلى دعاياته المضللة؟ لقد سمعت شخصيا حديثا من أهلنا الطيبين عن حماسة نوري المالكي للمذهب وهو الذي سلم الموصل إلى داعش وكان مسؤولا عن أكبر هزيمة يُصاب بها العراق. نوري المالكي هو الآخر يحب العراق ويحب أهله الطيبين الذين عرف كيف يقودهم مثل كائنات عمياء في المسيرات الجنائزية إلى كربلاء. مؤلمة تلك المشاهد. لا يصدق المرء ما يراه. لا يمكن أن تكون تلك الطقوس جزءا من احتفال ديني. حين نعرف أن الدولة العراقية تنفق ملايين الدولارات من أجل أن تحيي تلك الطقوس ندرك أن الهدف منها سياسي.
"أهلنا الطيبون يلطمون من أجل الحسين" وأيضا "نحن نحبهم لأنهم يلطمون". كل الشعرية العراقية يمكن ان تختفي حياء وهي تتلقى صفعة من ذلك النوع. العباءة الزينبية صارت شعار المرحلة. تصطف النساء في طابور طويل وهناك رجل دين يلبسهن العباءات المصنوعة في الصين. في المدارس الابتدائية يقيمون حفلات لتغطية رؤوس الفتيات الصغيرات. وهناك قانون يبيح تزويج القاصرات. تلك صور من عراق كئيب أحبته الهام شاهين التي تعلن بين حين وآخر عن إمكانية انتقالها من الإسلام إلى المسيحية. كما لو أن هذا النوع من النفاق ينقصنا لتكتمل الحفلة. لا أعتقد أن إلهام شاهين وسواها ممن صارت طرق بغداد سالكة أمامهم يرغبون في معرفة شيء عن أحوال العراق والعراقيين. لا تهمهم الصورة الزائفة التي انتهى اليها العراق، دولة فاشلة وشعبا يتلفت. الجز الأكبر من ذلك الشعب يبحث عن قوة انقاذ خارجية والجزء الأقل خائف على الامتيازات الضخمة التي حصل عليها بالمجان، فيما يقف مثقفوه الحقيقيون في حيرة من أمرهم بعد أن صار صناع الثقافة الزائفة يتقدمون المشهد محمين بقوة الميليشيات وأموالها.
لعبة حب العراق وأهله الطيبين انما تخفي وراءها مكيدة عظمى بدأت مع الأيام الأولى للإحتلال حين تم الدفع بعدد من (علماء الاجتماع الجدد) لدراسة المجتمع العراقي على أساس طائفي وعشائري في محاولة لإلغاء الطابع المدني للمجتمع المدني الذي تطور في وقت قياسي عبر ثمانين سنة هي عمر الدولة العراقية الحديثة. اما حين أقيمت الدولة الطائفية وتم تكريسهاعن طريق الانتخابات المزورة فقد انتفت إلحاجة إلى عمل أولئك العلماء الذين لم تعد لبحوثهم أية أهمية تُذكر. لقد قاموا بعملهم الذي قبضوا ثمنه.
أسوأ ما يمكن أن يحدث للعراق أن يتخلى المثقفون العرب والعراقيون منهم بالأخص عن حقيقته فيقومون بتلميع صورة زائفة لا تمت إلى واقعه بصلة بحجة حب العراق وأهله الطيبين. فمَن يحب العراق وأهله حقا لابد أن يخلص إلى المهمة الحقيقية للمثقف والتي تقوم على التنوير، فالعراق الذي نحبه بلد موجوع تركه المحتل الأميركي ضائعا بين دروب متاهات صار من الصعب عليه الخروج منها.