ندوة زومية تحتفي بمسرح سعدالله ونوس

مؤسسة العويس تنظم ملتقى فكريا افتراضيا موسعا عن الكاتب المسرحي الراحل سعد الله ونوس على مدار يومين.


تحية تقديرٍ واعتزازٍ للمبدع العملاق، الذي أعطى للمسرح العربي وجهاً أصيلاً


حسن يوسفي يتحدث مساحات الحلم والأمل في مسرح سعد الله ونوس

"الأمل ينتصر والحلم يستمر" عنوان الملتقى الفكري الافتراضي الموسع الذي نظمته مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية عن الكاتب المسرحي الراحل سعد الله ونوس، وذلك على مدار يومين وبمشاركة كوكبة من أقطاب المسرح العربي الذين شاركوا بأبحاث وشهادات لخصت نهج ونوس المسرحي ورؤيته المستقبلية، ووقفت عند أبرز محطات حياته ومسرحياته. 
افتتح المتلقى بعرض فيلم وثائقي من إنتاج المؤسسة بعنوان "استمرار الأمل وانتصار الحلم" أعد مادته الشاعر والإعلامي حسين درويش وسجلته بصوتها الإعلامية ناديا عزت، ووقف الفيلم عند محطات كثيرة من حياة سعد الله ونوس متتبعاً خطوات سيرته الذاتية ونشاطه الواسع وشهرته الكبيرة وصولاً إلى مرضه ورحيله المبكر، واحتوى الفيلم على مشاهد مختارة من مسرحياته وكلماته المأثورة وصور شخصية وأغلفة كتب وغيرها من المواد الفلمية التي تشكل لوحة بانورامية عن حياته وأعماله.
أكد د.سليمان موسى الجاسم نائب رئيس مجلس أمناء مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية في الكلمة الافتتاحية لمنصة اليوم الأول التي أدارها د.حبيب غلوم أن تنظيم ملتقىً فكرياً موسعاً عن الكاتب المسرحي الراحل سعد الله ونوس هو بمثابة تحيةَ تقديرٍ واعتزازٍ لهذا المبدع العملاق، الذي أعطى للمسرح العربي وجهاً أصيلاً، وأَلهمَ أجيالاً من المبدعين ليسيروا على ذاتِ الدرب.. دربُ العطاء المخلصِ للإنسان وقضاياه وحقوقه وقيمته البشرية المطلقة. 

owis
بصيصُ الضوء في نهايةِ النفق

لقد أراد ونوس أن نتمسكَ بالأمل لأنه بصيصُ الضوء في نهايةِ النفق، وأراد أن نستمرَ في الطموح والتطلعِ لغدٍ أفضل، وليست مسرحياتُه الانتقادية إلا محاولةً لوضع الأصابع على الجرحِ أو الإشارةِ إلى مواقع الخلل في سيرورتنا التاريخية".
لفت الكاتب المسرحي فرحان بلبل في بحثه المعنون بـ "كيف يبني سعد اللـه ونوس مسرحياته" إلى أنه منذ المسرحية الأولى التي كتبها سعد اللـه ونوس كان يميل إلى الاتجاه الذي يتقصَّد كسرَ إطار "الدراما التقليدية" التي كانت تحاول أن تستكمل خصائصها في المسرح العربي منذ ثلاثينات القرن العشرين. وتحوَّل كسرُ هذا الإطار من مجرد شكل فني جديد، إلى المشاركة العريضة في استخدام الشكل الفني المجدِّد سلاحاً في معالجة قضايا الأمة العربية. وتبلور هذا الاستخدام الملتزم اجتماعياً في قضية فنية سميت "تأصيل المسرح العربي"، وانتهت مهمة التأصيل إلى ما سمي "خلق دراما عربية". 
وقال بلبل "هذه الخطوات التي سارها سعد الله هي الخطوات ذاتها التي سارها أقرانه من الكتاب المسرحيين السوريين. وهي التي شكلت مسار المسرح العربي كله في الفترة التي تلت منتصف ستينات القرن العشرين. وعلى الرغم من اشتراك جميع الكتاب العرب في تحطيم أصول الدراما التقليدية لدفع المسرحية العربية إلى التجديد، فقد كان لكل واحد أسلوبه في استخدام الأشكال التي اتفق الجميع عليها في التجديد. فمن استخدام الراوي والأغاني والأشعار والتعليقات لقطع سير الحدث المسرحي وتنبيه المتفرج إلى الموضوع للخروج به عن حالة الاندماج، إلى ضرب التصاعد الدرامي بأسلوب البريختية التي تتراصف فيها المشاهد ولا تتراكب، إلى المجال الأوسع لهذا التجديد وهو الانتقال من الواقع إلى الإيحاء به. وهذا الانتقال الأخير من تصوير الواقع إلى الإيحاء به هو الذي دمر عند الكتاب المسرحيين كلَّ عناصر البناء المسرحي التقليدي. فالبناء التقليدي يقتضي تحويل منصة المسرح إلى مثيل للواقع يستغرق فيه المتفرج فينتقل من حاضره الذي يعيشه إلى زمان النص المسرحي. وكانت غاية تدمير البناء التقليدي أن يوحي البناء الجديد بالواقع لكي ينفلت المتفرج من زمان ومكان النص المسرحي إلى حاضره الذي يعيشه متذكراً دائماً قضاياه الاجتماعية والسياسية والفكرية".
وقال الكاتب والمخرج المسرحي عبدالإله عبدالقادر في شهادة شخصية عنونها بـ "عنق حنظلة على الخشبة" إن ونوس رجل مثقف موسوعي وعميق في معرفته، وواعٍ لكل ما يدور حوله، لذا جاءت مسرحياته تلامس عقل الإنسان العربي وضميره، بلا ضجيج ولا انفعالات ولا شعارات. كان ونوس كاتباً استشرافياً، مثلاً في مسرحيته رأس المملوك جابر، فهي تطابق حال العراق اليوم بما يمر به من خيانة السلطة واستباحة الوطن وأهل بغداد لا يريدون إلا الخبز والأمان كما تقول حوارات المسرحية، انظر إلى مجيئ قائد الفرس غاضباً على بغداد المستعصية أمامه لولا الخيانة، واستطاع أن يحطم أسوارها بالمنجنيق، وهو الآن يحطم أسوارها بالصواريخ، ويستعمر العراق كما لم يستعمره جيش آخر".
وحول "مساحات الحلم والأمل في مسرح سعد الله ونوس" تحدث د.حسن يوسفي معتبرا أن الأمل بمثابة الرهان الأكبر لتجربة إبداعية مسرحية نضجت على نار هادئة، وعرف ونوس كيف يحولها إلى "ذاكرة نبوءات"، تستشرف الآتي، وتتطلع نحو المأمول في المستقبل، وتجسد، فعليا الفكرة التي تقول إن "الأمل ينتصر، والحلم يستمر".
وأضاف يوسفي إن تدفق الأحلام وغطاء الروح والإرادة الجديدة والأفكار المتعددة؛ كل هذه العناصر هي التي شيد على أساسها ونوس متخيلا مسرحيا مغايرا خاصا بكتابات عقد السبعينات، وهي الكتابات التي أبدعها بموازاة محنة المرض، والتي سبق لي أن أدرجتها ضمن ما سمتيه بـ "متخيل المحتضر"، وذلك من منطلق أن "المبدع الحقيقي هو الذي يمتلك القدرة على تحويل الصور المتشابكة التي تقدح شرارتها في لحظات الاحتضار، إلى متخيل قائم بذاته، ويعرف كيف يجعل من تجربته الذاتية المريرة مهادا للانخراط في الأعمق والأشمل، ومعانقة الشأن الإنساني بشكل يخلد اسمه في ذاكرة الكتابة ويجعله يحفر في وهادها أخاديد بارزة لا يمحوها الزمن. 
وقدم الكاتب المسرحي والفنان عبدالله صالح شهادة فنية بعنوان "رحلة النضوج" حيث التقى ونوس في دمشق "فقال: ها هو ونوس يقف مبتسماً هو الآخر ويصفق لنا بحرارة، ثم يعتلي المسرح ليهنئنا على أدائنا. كانت سعادتي وقتها لا توصف وأنا أرى هذا العملاق أمامي يشاهدنا ويصافحنا".
واختتمت مشاركات اليوم الأول ببحث قدمه الشاعر والمسرحي بول شاوول بعنوان "سعد الله ونّوس في درب الجلجلة محكوماً بالألم" أكد فيه أن نتاج ونّوس يدخل في مشروع متكامل العناصر والمواصفات، يحاول من عمل إلى عمل أن يرسّخ معاني الانسجام والتناغم، ليؤلّف في النهاية عملاً واحداً، متعدد النبرات، غنيّ الإشارات، مفتوحاً على الحياة والزمن بتجلياتهما ومآسيهما. ونظن أن هذا التكامل المتجسد من مسرحية إلى مسرحية تطلّب النظر إلى المسرح كجزء من تجسيد الأفكار، أي كظاهرة "وجودية" "أنطولوجية" وليس كمجرد وسيلة تخضع كنظام قيم، لتبعية اجتماعية أو أيديولوجية "جامدة" أو طائفية أو لمرجعية سلطوية. من هنا فهم ونّوس المسرح كأداة بحث عن حقيقة في واقع متفجر وملتبس ومتناقض المكونات والمعطيات والظواهر، ولا يمكن في هذا الإطار، فصل مسرحه عن الحالات والتحولات الثقافية والاجتماعية والايديولوجيات التي تفجرت في الستينات كامتداد طبيعي للمدى التنويري المتراكم، والذي برز في حيوياتٍ فكرية وأدبية ومسرحية في النتاج والممارسات التجديدية. فهو، جزء من تلك التفجرات ورديف لها ومحاور لنتاجها.

ندوة زومية
دربُ العطاء المخلصِ للإنسان وقضاياه وحقوقه وقيمته البشرية المطلقة

وفي اليوم الثاني للملتقى الذي أدار وقائع منصته الناقد المسرحي عصام أبوالقاسم، افتتحت د.ابتهال الخطيب المشاركات ببحث عنوانه "من حيرة ذلك المخلوق الخائف.. حيث يبدأ مسرح سعدالله ونوس… ولا ينتهي" وجاء في بحثها إن من غرائب الأقدار ومفارقاتها المؤثرة المعبِّرة أن كانت أولى مسرحيات سعدالله ونوس هي آخرَها كذلك.
وأشار الفنان أحمد الجسمي في شهادته الفنية "تجربتي مع نصوص سعد الله ونوس" إلى أن نصوص سعدالله ونوس المسرحية تنتمي إلى النصوص المسرحية العالمية، وإنها لا تقل قيمة في جوانبها الفنية والإنسانية عن النصوص المسرحية التي ألّفها الكاتب المسرحي العالمي أوزفالدو دراجون". وقال "لقد تبنى سعدالله ونوس قضايا هذه الفئات من المجتمع وكأنها قضيته، وتحمل أعباء التصدي لمثل هذه القضايا من خلال طرح عميق يستند إلى الحكاية التاريخية تارة وإلى الموروث الشعبي تارة أخرى أو حتى الخيال الجامح إن تطلب الأمر".
وفي بحثه المعنون "سعد الله ونوس.. الريادة الثانية في المسرح السوري" رأى الكاتب والناقد المسرحي نجم الدين سمان أنه إذا كانت الريادة الأولى في المسرح السوري معقودةً لأبي خليل القباني 1833 - 1903 فإن الريادة الثانية فيه معقودةٌ لسعد الله ونوس 1947 - 1997.. بالتأكيد. وقال "كلاهما.. أسّس لنقلةٍ نوعيّة؛ وكلاهما.. انطلقا من البحث عن هُويَّةٍ عربية لهذا الفنّ الناشئ في عالمنا العربي؛ والوافدِ من ثقافات أخرى؛ فيما كانت "الحكاية والسيرة والحكواتيّون وخيال الظل" هي التجليّات المسرحية الأولى التي لم تتطوّر من داخلها.. لتصير مدرسة فنية مسرحية خاصةً بنا؛ على غرار مسرح "النو" الياباني الذي تطوّر من داخل ثقافته.. بمَعزلٍ عن التأثيرات غير الآسيويّة؛ الأوروبية تحديداً".
وشاركت ابنة سعد الله ونوس الروائية ديما ونوس بشهادة وجدانية مؤثرة تحت عنوان "بحثاً عن الجملة السحرية"، قالت فيها: "العتبة بين حياته وحياتي لم تكن موجودة. لا أعرف أن كان قد ردمها والدي، أم أنها لم تكن موجودة أصلاً. أو أن حياته ألغت المسافة مع حياتي، لمعرفتها بأنها ستكون قصيرة".
واختتمت المشاركات بشهادة للفنانة القديرة نضال الأشقر بعنوان "صداقة حنونة.. لا تنسى". حيث قالت "عرفت ونوس في أواخر الستينات في بيروت وهو يقدّم عمل "حفلة سمر من أجل خمسة حزيران"، ولا شك أنه أدهش الجمهور بهذا العمل المختلف ذي اللغة المختلفة ذات السمة الارتجالية التي كانت قد بدأت كنوع جديد في تلك الحقبة. وكان ونوس قد بدأ التنقيب بتاريخه ولغته وأدواته الجديدة. ثم قدّم في بيروت أيضاً مسرحية "أبو خليل القباني" وأخذت هذه المسرحية أيضاً ألقاً كبيراً في بيروت والعالم العربي. هكذا عرفته أولاً كمعجبة بمسرحه، ولكن إنتاجه الغزير في بداياته وتقديمه العشرات من المسرحيات في سوريا وباقي المدن العربية وضعت اسمه بين الكبار منذ البداية واهتم الأساتذة والطلاب بمسرحه وبتدريس مسرحه. 
هذا هو ونوس كما عرفته في بداياته. لكن فجأة حدث تحّول عميق في حياته وبدأ مرحلته الثانية في الكتابة بعد مرضه بالسرطان الذي أودى بحياته، رغم أن سعدلله ونوس وجد دواء جديداً للمقاومة ضد الداء المميت وهو كتابته للمسرح. وقد بدأ مرحلته الثانية والأخيرة مرحلة مكافحة المرض، مرحلة كتابة المسرح الذي لا يشبه أي مسرح آخر ناقداً لمجتمعنا العربي انطلاقاً من أمثولات التاريخ والإنسان ومن خلال دراسته أمراض المجتمع وآفاته وبذلك تخطى النقد العادي والمسرح العادي إلى عالم من وضوح الرؤيا في عقله وخياله وتجربته.