نظرة إلى المدن الجديدة في مصر والشرق الأوسط

المدن الجديدة في مصر كانت تخضع باستمرار للمناقشات والمناظرات.


مدن الجيل الأول، التي تمّ بناؤها منذ أوائل الثمانينيات، لم تصل بعد إلى هدفها السّكاني حتى بعد أكثر من 35 عامًا


من منّا لا يحلم بأن يعيش في مدينة مصمّمة على هوى قلبه؟

يقع كتاب "المدن الجديدة وتوسع المجتمع في مصر والشرق الأوسط" New Cities and Community extensions in Egypt and the Middle East : Visions and Challenges " في 284 صفحة، وتمّ نشره عام 2019 عن Springer International Publishing؛ ويتكوّن من أربعة عشر فصلا، تحرير: سحر عطية، وزينب شفيق، وأسماء إبراهيم. ويمكن تلخيص أهمّ ما ورد في الكتاب ضمن النقاط الآتية:
مصر: مدن العلميْن الجديدة، برج العرب الجديدة والقاهرة الجديدة
تَفترض سحر عطية أنّ المدن الجديدة في مصر كانت تخضع باستمرار للمناقشات والمناظرات، وبما أنّ مدن الجيل الأول، التي تمّ بناؤها منذ أوائل الثمانينيات، لم تصل بعد إلى هدفها السّكاني حتى بعد أكثر من 35 عامًا، فإنه يجب تبنّي منطلق جديد في بناء مدن اليوم.
تقع مدينة العلميْن الجديدة في صلب رؤية "مصر 2052"، وتستند إلى برنامج 'تحقيق التنمية الحضرية المستدامة' الذي يراهن على ثلاث مقوّمات: تصميمٌ جيّد، تشريعات قابلة للتطبيق وتمويلٌ لبناء مجتمعات مستدامة؛ وتسردُ سحر مجموعة من الرّكائز لتحقيق الاستدامة في مدينة العلمين: تنويع القاعدة الاقتصادية، القدرة على توفير المياه، إمكانات الطاقة المتجدّدة، الأمن الغذائي وصنع علامة تجارية. وبعد أن تستعرض بالمناقشة التخطيط الهندسي للمدينة الجديدة وأدوار الفضاءات العامة، تُوصي سحر بضرورة التنسيق بين جميع الوزارات ذات الصّلة وسلطات المدن لإنجاح الرؤية؛ وفي ذات السياق ارتأى كلّ من باسم فهمي وماركو كاميا تعداد الارتدادات الإيجابية للمدينة المستجدّة على تطوير الساحل الشمالي الغربي.
ينتقد مصطفى النّجدي وأسماء إبراهيم طرق التمويل التقليدية لقطاع النقل العام في مصر، ويخلصان إلا أنها لا تتماشى مع صورة مدينة برج العرب الجديدة، ويدعوان إلى مراجعة نموذجية لهذه الأساليب مسترشديْن بمحاكاةٍ لتجارب مماثلة ناجحة في هونغ كونغ والصين والدنمارك؛ فيما ارتأى محمد سعيد المصيلحي أن يقارن بين سياسات الإسكان الأميركية ونظيرتها في مصر، موظّفا مدينة القاهرة الجديدة كدراسة حالة، ومحذّرا صناع القرار في مصر من أنّ التراخي في تعديل إجراءات الإسكان سيقود السوق المصري إلى 'فقاعة عقارية' شبيهة بتلك التي حدثت في الولايات المتحدة.
المملكة العربية السّعودية: مدينتا نيوم والملك عبدالله الاقتصادية
يُوصف مشروع نيوم على أنه الأكثر إثارة للجدل في "رؤية المملكة السعودية 2030"، وذلك نظرًا لتعقيدات أهدافه الاقتصادية والسياسية، والمخاوف النّاجمة عن مدينة خالية من قيود التأشيرة والجمركة وفق نظام رأسمالي بحت يحدّده رجال الأعمال.
يفصّل فرج أبو المكارم في تحدّيات المشروع، أبرزها انخفاض أسعار النفط والعقبات البيروقراطية التي تمنع توفير بيئة جاذبة للاستثمار، إضافة إلى تداخل المشروع مع حدود إسرائيل، أما فرص نجاحه فتتوقف على قدرة المملكة في توفير السيولة المالية وإرادة القادة في تتبّع الدراسات العلمية والنية الصادقة للدول الشريكة في دعم المشروع.
تهتمّ رشا موسى بإبراز فرص تكنولوجيا المعلومات والاتّصال في تطوير مدينة الملك عبدالله الاقتصادية، إضافة إلى أهمية مشاريع سكك الحديد في ربط المدينة بسائر المناطق؛ أما أبرز التحديات فتكمن في التكيف مع تغيرات المناخ، وصنع بيئات مبتكِرة وتعديل الأهداف والأولويات وفق السياق المحلّي، ولا يفوت رشا أن تُشيد بأدوار التكامل بين القطاعين العام والخاص في تشييد هذه المدينة.
عودةً إلى مدن مصر الجديدة: الرؤى والتحديات
حاول عماد قناوي وآخرون تقصّي أهم التحديات التي تحول دون أن تتمكّن مصر من تحقيق أهداف إستراتيجيتها التنموية لا سيّما ما ارتبط بالتنمية العمرانية الجديدة في المناطق الصحراوية؛ قناوي يقترح اتفاقية سلامٍ شامل تضمن لجميع أصحاب المصلحة تحقيق مصالحهم، ولن يتأتّى ذلك إلا بتوافر الشفافية في فضّ النزاعات ومدّ جسور الثقة بين مختلف الفواعل.
وتُوصي رنا سميح مخطّطي ومصمّمي المدن الجديدة بدمج العناصر الحداثية مع القديمة مراعاة لعنصر الزمن، وتحذّر من أنّ التطوير الكامل من شأنه أن يفصل أنماطا مؤثرة في الفضاء الحضري مثل المناظر الطبيعية، كما تدعو إلى صنع موازنةٍ بين جودة التصميم والاعتبارات الوظيفية والاقتصادية.
هدفت ليلى خُضير وتسنيم جمال إلى استخلاص نصائح توجيهية من أجل المساعدة في إنشاء 'بيئة استشفائية' لها قدرة التكيف مع المستقبل؛ ورهانهما في ذلك هو دمج الفن في المدن الجديدة، فتصوير الثقافة المصرية في الشوارع والمشاريع من شأنه أن يعزّز شعور الانتماء إلى هذه المدن، فـ "الفن المعماري يقاس بالماضي، ولكنه يدفعك للتفكير في المستقبل"؛ لذلك لا توسم المدن الجديدة على أنها مجرد طرق ومباني فقط، بل هي تعبير نوعي على المساحات الداخلية لحياة المجتمعات.
نجح المؤلَّف في إثارة أحجية عالم الاجتماع الفرنسي هنري لوفيبفر "من منّا لا يحلم بأن يعيش في مدينة مصمّمة على هوى قلبه"، غير أنّ قطاعا عريضا من الأكاديميين والناشطين المدنيين والحقوقيين يبدون توجّسا تجاه عبارة "تجميل المدينة والارتقاء بشكلها الحضاري"، وذلك على أساس أنها ذريعة تبرّر كل الممارسات غير المستساغة لنزع الملكيات والتهجير القسري وسلب الأراضي والمساكن، وفي نهاية الأمر تغيير شكل المدينة بحيث لا يكون في مقدور سكانها الأصليين أن يجدوا موطئ قدمٍ لهم فيها؛ وهنا تأتي التساؤلات التي لا يكفّ دافيد هارفي عن طرحها "حقُّ من الذي يجب أن يُراعى؟ مصالح من التي يتعين أن تُبنى المدن لتحقيقها؟ وعلى قلب هوى من يجب أن تُخطّطَ المدن وتتوسّع؟ 
لقد قدّمت سحر عطية وزملاؤها توليفة شاملة تجعل من الحفاظ على روح المدينة وهويتها أمرا ممكنا في ظل المكاسب العولمية الواعدة التي تطرحها مقاربات المدن الذكية.

جامعة عنابة ـ الجزائر