نظرية الدولة الدينية عند جماعات الإسلام السياسي

المشروع الإسلامي الذي ظهر منذ السبعينيات لم يخرج عن كونه نموذجاً جهادياً فقط دون التطرق إلى تأسيس خطاب نهضوي يتسم بالحداثة والاستمرارية بل كان مجرد رد فعل لتحولات السلطة السياسية في مصر.


كان همهم الأول النزوح إلى الجبال اعتزالا لمجتمع بعيد عن الدين والشرع


ثقافة الانشقاقات عن تلك الجماعات الأكثر غلوا تمثل سيفاً تاريخياً يضرب جذورها


ارتداد الجماعات المتطرفة إلى الاغتيال والتعذيب هو اعتراف صريح بالفشل في إيجاد خطاب فكري

تصاعد العمليات المسلحة صوب بعض الدول العربية بشأن زعزعة استقرار الأوطان، وفكرة الظهور النسبي كل فترة للجماعات والتيارات الدينية السياسية بالمنطقة أعاد إلى الأذهان فكرة وكالة الدين التي تصر قيادات هذه الجماعات البائدة فكريا وحضاريا على استغلالها وجعلها حقا مكتسبا لها دون غيرها من المؤسسات الدينية الرسمية التي تضم آلاف العلماء ورجال الدين الأكفاء. وارتداد تلك الجماعات المتطرفة إلى ممارساتها التاريخية المتمثلة في الاغتيالات وأعمال القتل والتعذيب الوحشي إزاء المخالفين هو نوع من الاعتراف الصريح بالفشل في إيجاد خطاب فكري لها، أو القدرة على الوجود الطبيعي السلمي لأيديولوجياتها بين فئات المجتمعات العربية التي باتت أكثر اهتماما بمحاصرة الجائحة الكونية كورونا أكثر من اهتمامها بجماعات بعينها تظهر وتختفي وتتواري خلف مسميات متعددة كالجماعات الإسلامية، والإخوان المسلمين  والتكفير والهجرة  والتبليغ والدعوة والسلفية الجهادية  والسرورية والعائدين من أفغانستان وتنظيم الدولة وولاية سيناء  وأنصار بيت المقدس وجبهة النصرة والمرابطين وغير ذلك من المسميات التي وإن تعددت لم تستطع الفكاك من شرك التطرف والغلو وتكفير المجتمع وإراقة الدماء للعسكريين والمدنيين على السواء. 
 ورغم تعدد التيارات والجماعات السياسية ذات المرجعية الدينية في الوطن العربي وكثرة شعاراتها الشعبوية التي جاءت بها إلا أن هذه التيارات خلت تقريباً من صياغة مشروع إسلامي كان من المفترض والمتوقع أن تأتي بها، وهذا من شأنه أن يدهش القاصي والداني المتابع للشأن العربي، فقيادات الجماعات الدينية اكتفت بإدلاء التصريحات السياسية والفتاوى الدينية حول بعض القضايا الاجتماعية المعاصرة وأحياناً إثارة الغبار عن قضايا فقهية انتفى ذكرها منذ قرون. ورغم وجود حالة التناطح تلك إلا أن المشهد الحالي لهذه التيارات والجماعات والطوائف أثبت انتفاء تام لوجود مشروع إسلامي يحقق نهضة أمة لا تزال تعاني من مخاض نهضوي لم يكتمل بعد.
وكنت أظن أن حالة المد والصعود السياسي لبعض التيارات الدينية ستدفعها لتبني وصياغة وتشييد مشروع إسلامي تنويري حسب شعاراتها الدينية وقت الانتخابات التشريعية والتي دغدغت عقل وقلب الناخب بكافة البلدان العربية التي شهدت ما يعرف بثورات الربيع العربي، إلا أن هذا المشروع المنتظر لم يظهر حتى وقتنا الراهن، وربما توافرت مجموعة من الأسباب والعوامل هي التي أسهمت بصورة غير مقصودة في تأخر ظهور المشروع الإسلامي النهضوي الذي لا أتوقع ظهوره لفكرة التعانق بين الديني والسياسي لتحقيق مطامع ومكاسب ومطامح شخصية بحتة. 
وأزمة غياب المشروع الإسلامي لدى هذه التيارات التي تعلن ليل نهار أنها ذات مرجعية دينية يكون سببها الرئيس في أنها تخاف من أن تموت الثورة بالسكتة القلبية أو الدماغية وهذا معناه أن تعود الأحزاب الدينية إلى نقطة الصفر من جديد، وربما تعاني أيضاً من سلسلة من الانهيارات السياسية التي قد تعصف بمستقبلها في تسيد المشهد الاجتماعي والسياسي في مصر.
فعلى سبيل المثال، أسفر المشهد السياسي في الوطن العربي هذه الأيام عن تعرض جماعة الإخوان المسلمين ذات الرصيد التاريخي الضارب في القدم منذ 1928 لحملة انشقاقات واسعة أسفرت عن وجود جماعات متعددة وجيوب صغيرة متعددة ربما ستعلن استقلالها آجلاً عن المؤسسة الرسمية والشرعية للجماعة التي لم تستفد من تجربة الحظر والمنع والقمع لها طوال عقود بعيدة. ومشكلة انتفاء وجود مشروع إسلامي لدى التيارات الدينية ومنها جماعة الإخوان والتكفير والهجرة تلك الفئة التي أباحت قتل رجال الشرطة وأسرهم في ثمانينيات القرن الماضي بغير رحمة أو إنسانية عن طريق رجال لا يفطنون كنه الدين الإسلامي ومقاصد الشريعة الإسلامية والتمايز الفقهي بين المذاهب، ومرجعه أن ثقافة الانشقاقات عن تلك الجماعات الراديكالية الأكثر غلوا تمثل سيفاً تاريخياً يضرب جذورها، ومن ثم لم تستفق التيارات المتطرفة الموسومة بالإرهاب واستخدام القوة من تحدياتها الداخلية حتى تشرع في صياغة مشروع نهضوي ولذلك فهي تسير على نفس الخطى المنهجية لجماعة الإخوان وتنظيم القاعدة بغير إضافات أو مراعاة لتغير الزمان والمكان لهذه الخطى. 
وكانت فكرة الانشقاق قد بدأت مبكراً حينما تقدم المهندس أبو العلا ماضي بطلب في التاسع من يناير عام 1996 إلى لجنة الأحزاب بمجلس الشورى المصري لإنشاء حزب جديد يحمل اسم حزب الوسط، ولكن محاولته تلك باءت بالفشل وانتهت الفكرة في ذلك الوقت باعتقال أصحابها للاعتقال والسجن والمحاكمة القانونية. وهذا الخروج غير الشرعي على ثقافة السمع والطاعة قد كسر قاعدة الراديكالية الصارمة داخل الجماعة، والأغرب أن نائب المرشد العام للجماعة آنذاك مأمون الهضيبي أعلن أن الإخوان لم يطلبوا إنشاء حزب سياسي، وأن الذين ذهبوا لإنشاء حزب تصرفوا من أنفسهم، وفي الوقت نفسه أعلن المرشد العام مشهور استياءه العام من تصرف مستقل لا يعبر عن رأي الجماعة، وأعلن عن هذا صراحة بقوله "الموضوع باختصار يتلخص في أن بعض شباب الإخوان كانوا قد فهموا خطأ موافقة الجماعة على تأسيس حزب وتصرفوا من تلقاء أنفسهم دون استشارة الجماعة، وأعدوا برنامجاً وجمعوا توكيلات من خلف القيادة وقدموا الأوراق إلى لجنة شئون الأحزاب، وكان ذلك بمثابة مفاجأة للإخوان، فكان القرار ألا شأن لنا بهذا الحزب". 
ورغم هذا الانشقاق الذي كان من دوره فتح آفاق جديدة لدى الجماعة لتدشين مشروع نهضوي تنويري يخدم مصر كلها وليس الجماعة وحدها إلا أن هذا لم يحدث، بل ولم يفكر أحد بصورة جدية وجادة في صياغة ملامح أولية لمشروع إسلامي كبير. وهذا كان شيئا منطقيا لجماعات أفتى قادتها بالهروب إلى أحضان الجبال لاعتزال المجتمعات التي وصفوها بالكافرة استنادها لطروحات سيد قطب واجتهاداته التي صوبها ضد نظام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، فكان همهم الأول النزوح إلى الجبال اعتزالا لمجتمع بعيد عن الدين والشرع والذي أسفر عن استخدام كافة أنواع البطش والقتل ضد المدنيين لاسيما الأقباط في نهايات فترة الثمانينيات من القرن العشرين. 
وربما هذا التخلي الإخواني في السابق عن الحزب الوليد هو الذي أعطى الضوء الأخضر للمؤسسة السياسية في مصر آنذاك برفض الحزب ومن ثم حبس أعضائه. وبعد أعوام عديدة رأينا أن المشهد السياسي الحزبي في مصر شهد مولد حزبي الوسط رهين المنع والقمع قديماً، وحزب الحرية والعدالة صوت جماعة الإخوان، ورغم ذلك وجدنا مجموعة من الشعارات اللغوية فقط دون وجود مشروع نهضوي يعكس ثقافة هذه الأحزاب ذات المرجعية الدينية. وهذا يدفعنا إلى التأكيد بأن فكرة الوصول السياسي هي الحلم الأخير لهذه التيارات وما استخدام الدين إلا وسيلة سهلة لاستقطاب الرأي العام لكن وجود خطة سياسية ومنهج واضح فهي أمور لم ترد أصلا بخاطرهم. 
وهذا الانشقاق في صفوف جماعة الإخوان لم يكن وليد الصدفة، أو له السبق في الخروج وشق عصا الطاعة، فلقد سبقتها الجماعات الإسلامية تحديداً في عام 1981، حينما تعرضت جماعة الجهاد لأول انشقاق سياسي مبكر في صفوفها حينما أعلن عبود الزمر تنصيب نفسه أميراً لتنظيم الجهاد وكان ذلك عقب اغتيال الرئيس الراحل العظيم محمد أنور السادات، ورفض آنذاك عمر عبدالرحمن، وأرسل وقتها فتواه الشهيرة بأنه لا تجوز الإمارة لأسير، فأعقبه عبود الزمر بفتوى مضادة مفادها بأنه لا تجوز إمارة ضرير. 
وبمجرد تبادل إطلاق التصريحات والفتاوى تفجرت مجموعة من الانشقاقات داخل الجماعة الإسلامية رغم حدوث ترضية بين الاثنين على أن يتولى عمر عبد الرحمن إمارة الفتوى في حين يتولى عبود الزمر إمارة الجناح العسكري، وظهرت فيما بعد جيوب عديدة للجماعة مثل جماعات الناجون من النار، والحركيون، والشوقيون، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجماعة القمري وجماعة التكفير والهجرة التي اتخذت من محافظة المنيا مركزا رئيسا لها ومارست شتى فنون الجهل الديني واستقطاب البسطاء من الشباب والنساء، فضلا عن ارتكاب كل صنوف الترويع والهلع والقتل بشأن المواطنين ورجال الشرطة. وتاريخ التطرف والإرهاب وأعمال القتل والعنف بمحافظة المنيا معروف ومسجل بالوثائق والسجلات وأروقة المحاكم أيضا، حيث إن المحافظة في فترة الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن الماضي شهدت أحداثا دموية من جانب الجماعات الإسلامية بشأن ضباط الشرطة والمسلمين المدنيين أيضا وكذلك الأقباط، فضلا عن الفتوى الشهيرة التي أطلقها مفتي جماعة التكفير والهجرة آنذاك بضرورة اعتصام أفراد الجماعات الإسلامية بالجبل بمركز ملوي بعيدا عن المجتمع الذي رآه كافرا ولا ينتمي إلى الإسلام، وهؤلاء رغم أنهم قد أعلنوا توبتهم عما ارتكبوه من جرائم أرى أن صنيعهم لم ينفك عن خدعة أتموها باقتدار من أجل مراوغة الجهات الأمنية.
وهذه الجماعات المنشقة عن الجماعة الأم لهثت وراء تدشين مجموعة من الشعارات والصيحات مثلها مثل جماعة الإخوان دون تحديد واضح عن وجود مشروع إسلامي يحقق نهضة هذه الأمة ويضبط سلوكياتها وييسر شئون الراعي والرعية. 
وبعد أن عانت الجماعات الإسلامية من سياسات مبارك الأمنية التي تمثلت في الاعتقال والمطاردات الأمنية والعزلة الاجتماعية والسياسية التفتت بعض الأصوات الإسلامية إلى اللجوء القسري لما يسمى بفقه المراجعات، والتي ارتكزت على مراجعة بعض الآراء الفقهية لدى تلك الجماعات والخاصة بالجهاد وتبرير العنف المسلح، وبدت هذه الأصوات أكثر وسطية رغم رفض الجماعة الإسلامية لهذا التصرف، حتى أن بعضهم نال حتفه على أيدي قيادات الجماعة نفسها. إلا أن هذه المراجعات الفقهية لآراء الجماعات الدينية المتشددة لم تتوقف بل تحولت بشدة نحو السلمية وطرحت خطاباً فقهياً يفسر تحولها عن سياسة العنف.
ولنا أن نتساءل: هل يمكننا اعتبار مثل هذه المراجعات مشروعاً إسلامياً؟ بالقطع لا، فهناك فرق كبير بين نقد الحالة الراهنة، وبين استشراف مستقبل وفق خطوات منهجية وأسس واعتبارات وثيقة الصلة بالمتغيرات الثقافية والاجتماعية لوطن ما، وهذا ما لم تفعله الجماعات الإسلامية التي أعلنت توبتها عن أفعالها الدموية السابقة. 
وفي هذا الصدد أؤكد مرة أخرى بأنه من غير المنطقي قبول المراجعات التي قدمها قيادات وأمراء هذه التيارات التكفيرية التي اعتادت إباحة قتل المواطنين وإطلاق فتاوى تكفير المجتمع وإعلان ضلالته وفسوقه، ومن غير المنطقي أن نصدق ان ثمة أقوال أو كتابات أصدرها قيادات الجماعات المتطرفة زاعمة بأنها كانت على جهل وهي الآن في صواب من أمرها، لأنها مارست لسنوات طويلة وبعيدة أعمال القهر والاستبعاد الاجتماعي صوب كل طوائف المجتمع. 
ولا شك أن هذا الانشقاقات الداخلية في التيارات الإسلامية في مصر واكبها انشقاق عالمي لاسيما التناطح السياسي بين المرجعية الدينية في إيران (المرشد العام ) وبين الرئيس، بالإضافة إلى تردي المشروع الإسلامي في السودان وقيام حسن الترابي بتشكيل ما عرف وقتها بالأممية الإسلامية، وصعود التيارات الليبرالية القومية، أدت هذه الإحداثيات إلى غياب المشروع الإسلامي بصورة واضحة. فمعظم التيارات والجماعات الإسلامية التي بزغت منذ الثمانينيات خرجت من عباءة الثورة الخمينية في إيران، ولكن حدث لغط شديد عند تطبيق المرجعية الإيرانية في بيئات غير مؤهلة لذلك أولاً، ولاختلاف النموذج الإيراني عن المجتمعات العربية والمصرية تحديداً من جهة أخرى.

ملايين من المتعاطفين مع الاخوان توافدوا نحو غزوة الصناديق من أجل إعلان الانتصار الإسلامي الذي لا يعرف ضد من!

والمشكلة قد لا تتمثل في النموذج الإيراني الحاكمي إنما في طبيعة التركيب المجتمعي في مصر، والذي يأبى وجود حاكمية تشترط السمع والطاعة دون مناقشة، كما أن طبيعة التركيب الاجتماعي الثقافي في مصر من شأنه ألا يقبل تطبيق أي فكر سياسي ذي صبغة دينية دون مناقشة أو مراجعة وتفنيد.
والذي دعم فكرة عدم قبول النموذج الإيراني السياسي ذي التوجه الديني المتشدد أنه لم يقابله وجود نموذج مقارب مصري الصنع، فرغم أن التيارات والجماعات الدينية في مصر تتسم بسمات مميزة عن غيرها من التنظيمات السياسية مثل وجود مرجعية فقهية وقدرتها على التنظيم السري والتحشيد وتوجيه العامة، إلا أنها افتقدت ملمحاً رئيساً وهو اختفاء نموذج أو مشروع نهضوي يمكن تطبيقه، وأصبحت الآراء المتعلقة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودرء المفاسد والحاكمية وحديث الرقائق وقصص الصحابة هو المشروع الإسلامي النهضوي، لكنه ليس على غرار مشروع الإمام المجدد محمد عبده.
وبمجرد أن انخرطت التيارات الدينية في المشهد السياسي عقب انتفاضة يناير التي قام بها حفنة من الشباب غير المؤهل سياسيا والمؤطر بأفكار دعائية سرعان ما استدعت تلك التيارات روح النموذج الإسلامي من جديد ولكن هذه المرة من أجل اعتلاء سدة السلطة التشريعية والرقابية وربما التنفيذية بعد ذلك. فبدأ بزوغ مشروع نظري وورقي ظهر بوضوح أثناء خوض الإسلاميين انتخابات مجلس الشعب الأخيرة والتي نجم عن هذا النموذج النظري توافد الملايين نحو غزوة الصناديق من أجل إعلان الانتصار الإسلامي الذي لا يعرف ضد من. ولكن بمجرد أن وصلت التيارات الإسلامية إلى مقاعد البرلمان وما أعقبها من مقاعد بالنقابات المختلفة أفل من جديد نجم المشروع الإسلامي الذي لم يكن يعتمد على خطة مستدامة يمكن تطبيقها إذا صلحت النوايا.
إن مشكلة النموذج الإسلامي المصري الذي بدأ في سبعينيات القرن الماضي هو أسلمة المجتمع المصري، والقائمون على هذا النموذج لا يزالوا يظنون بأن المجتمع كافر ويحتاج إلى تطهير وتغيير، رغم أن البلاد منذ تلك الفترة شهدت أكبر حركة تأليف إسلامية ونشط الدعاة بصورة غير مسبوقة، ويكفي أن نشير إلى ظاهرة الدعاة الجدد الذين تسيدوا المشهد الفضائي ورغم ذلك ادعت ولا تزال تدعي بعض التيارات الدينية أن المجتمع المصري يعيش منذ سنوات في ضلال غير مبالين بظواهر جيدة تفشت في المجتمع كان أبرزها الفضائيات الدينية والسلاسل الدينية التي أصدرتها وزارة الأوقاف المصرية ومشروع مكتبة الأسرة وتعدد المجلات والمطبوعات الدينية، ورغم ذلك يجتهد الإسلاميون في أسلمة الوطن!!
لكن أكبر عائق وقف ولا يزال يقف أمام النموذج الإسلامي السياسي الاستشرافي هو بدعة الغلو في التكفير، وهو الأمر الذي دأبت التيارات المتشددة في استخدامه بصورة موحشة، والمشكلة التي أسهمت في بزوغ هذه البدعة هي أن معظم المنتمين لاسيما القادة إلى هذه التيارات المتشددة فهموا خطأ ما أشار إليه ابن تيمية في تكفير التتار والجهاد ضدهم، الأمر الذي دفع الجهاديين في تعميم الفكرة بالمناداة بتكفير المجتمع والمؤسسات الرسمية في البلاد، بدعوى أن هذه المؤسسات لا تطبق شرع الله، رغم أن كافة المؤسسات الحكومية بها مساجد خاصة لإقامة فريضة الصلاة، ناهيك عن الملصقات الدينية المنتشرة بالمكاتب والطرقات بصورة كبيرة.
إذن إذا أردنا في اختزال شديد أن نحدد ملامح المشروع الإسلامي الذي كان ينبغي أن يقوم على النهضة والتنوير إلا أنه قام على مرتكزات أخرى ربما كانت وليدة اللحظة السياسية الراهنة آنذاك فإنها لا تخرج عن مواضعات فقهية ترتبط بفكرة الخروج على الحاكم الفاسد، وتكفير المجتمع، والغلو في تكفيره، والجهاد ضد أعداء الإسلام، وتطبيق الحاكمية، وتغيير المنكر باليد والقوة، وأخيراً الحسبة بوصفها فرض عين، لكن هذا المشروع لم يكتب له الاستدامة لأنه ارتبط بفترة زمنية محددة، كما ارتبط الخطاب السياسي للأحزاب الدينية بفترة التصويت الانتخابي وبعده اختفى صدى هذا الخطاب، كما أن المشروع الإسلامي الذي ظهر منذ السبعينيات واستمر خلال أكثر من ثلاثين عاماً لم يخرج عن كونه نموذجاً جهادياً فقط دون التطرق إلى تأسيس خطاب نهضوي يتسم بالحداثة والجدة والاستمرارية بل كان مجرد رد فعل لتحولات السلطة السياسية في مصر.
وجدير بأن نشير إلى سبب رئيس دفع بعض التيارات الدينية السياسية إلى عدم تبني مشروع إسلامي استشرافي للبلاد، وهو أنها تتميز دونما استثناء بملامح مثل إلغاء الفردية وفرض التنميط الجمعي واتباع سياسة القطيع، الأمر الذي استبعد تماماً وجود طروحات فكرية ثابتة، بالإضافة إلى انشغالها المستدام والمحموم في الحصول على النفوذ السياسي واعتلاء المنصة الخطابية بانفراد لا يقبل التعددية.