نهاية الطائفية

بانهيار الطبقة الفاسدة لن يتحرر العراق من التسلط الايراني البغيض فقط، لكنه سيتحرر أيضا من الطائفية التي كانت في صلب مصائبه ومعاناته الكبيرة حتى اليوم. وما يجري في العراق، يجري في لبنان حاليا، ولابد أن يجري في سوريا أيضا.


الطائفية عبارة عن طبقة أرضية عميقة اهتزازها اطاح بالدوافع الوطنية


الطائفية خرجت من الحقل الاجتماعي المغلق الى الحقل السياسي المفتوح.

تشبه الطائفية في عمقها النفسي مرض العصاب، فهي تتسلط على النفس من خارج العقل، حتى ان العقل لا يستطيع مقاومتها بالمنطق الواعي، وهي تنشأ بدافع أصلي هو الخوف، الخوف الذي يتحول الى نزعة عدوانية مكبوتة، ومثل مريض العصاب الذي يمارس حياته بصورة عادية، وهو يخفي معظم المشاعر المتسلطة عليه بطريقة لا ارادية، تتخفى الطائفية وراء مختلف مظاهر الحياة المادية والفكرية ولا تظهر سوى عندما يستفزها عنصر من العناصر المرتبطة بأسباب تكونها الأصلية.

عند ولادة الدولة السورية بعد الخروج من عباءة الامبراطورية العثمانية أولا ثم الخروج من الاحتلال الفرنسي ثانيا في عام 1946 كانت الروح الوطنية في أوجها، فغطت تلك الروح على الروح الطائفية وحجبتها عن الظهور، لكن الروح الطائفية لم تكن ميتة، وبقيت مختفية الى أن عادت للظهور بظروف مختلفة.

مشكلتنا في المشرق العربي أن دولنا تأسست في مجتمعات ذات تاريخ طويل يحمل تراكمات تشبه الطبقات الجيولوجية بعضها فوق بعض، واذا لم نسلم بمن يقول إن الشعوب تشبه الأفراد فالشاب فيها ممن ليس لديه تجارب في الحياة يكون سهل الانقياد، غضا، سريع التأقلم، بينما الطاعن في السن يكون صلبا صعب الانقياد تأسره ذكرياته ويميل للوساوس،عنيد الرأي، لايتأقلم مع الظروف الجديدة. مع اعترافنا بوجود شيء من الصحة في ذلك التشبيه على الأقل، فلابد من التسليم أن كل طبقة جيولوجية في تاريخنا الطويل تركت أثرها في مجتمعاتنا، وأن ما نعاني منه اليوم هو بوجه من الوجوه من تلك الآثار المتراكمة وواضح أن أكثرها فتكا وتأثيرا هي الطائفية.

لقد أسسنا دولنا في لحظة تاريخية زاخرة بالعواطف الوطنية والآمال، فكأننا كنا كمن يؤسس بيته فوق كهوف عميقة، تغطيها طبقة صخرية رقيقة، وحين حدثت أول هزة أرضية انهارت تلك القشرة الصخرية فوق الكهوف.

يذكر فرويد مؤسس علم النفس الحديث أنه كان يعالج مرضاه بأن يجلسهم في حالة استرخاء تام، ويظل يحادثهم حتى يصل الى العقدة التي سببت نشوء المرض، وعن طريق سحب تلك العقدة من حالة اللاشعور الى الشعور الواعي، واخراجها للعلن والنور، وربما بعد عدة جلسات، يتحسن المريض، وتختفي تدريجا أعراض المرض.

ما حدث في العقود الأخيرة أن الطائفية خرجت من الحقل الاجتماعي المغلق الى الحقل السياسي المفتوح.

وبعد أن تضخمت تلك الدملة وظهرت فوق الجلد، جاءت الأحداث المأساوية لتفقأها وتخرج كل ما فيها من صديد.

ولكي لايعتبر أحد أن ما سبق مجرد خيال، لننظر الى العراق قليلا، فحين غزا الجيش الأميركي العراق وقام بتدمير الجيش العراقي والدولة العراقية، لنتصور أن الشعب العراقي كان كتلة واحدة لا تقسمها الطائفية، فكيف كان سيواجه المحتل الأميركي؟

لابد أنه كان سيواجه كما واجهت فرنسا الغزو النازي، فباستثناء تيار سياسي محدود قاده الجنرال بيتان، فقد التف الشعب الفرنسي كله حول فكرة مقاومة الاحتلال النازي، وبقي كذلك حتى اندحر الاحتلال.

لكن ما حدث في العراق أمر مختلف تماما، فقد انشق المجتمع العراقي على نفسه الى ثلاثة أجزاء، الشيعة الذين أطاعوا تعليمات السيستاني بعدم مقاومة الأميركي، والأكراد الذين وجدوا في التدخل الأميركي فرصة لتدعيم استقلال كيانهم في الشمال، والسنة الذين أصبحوا في مواجهة الاحتلال الأميركي شاؤوا أم أبوا.

وأرجوا أن لا يعترض أحد بالقول ان بعض المقاومة صدرت عن الشيعة أيضا، فالكلام هنا عن التيار العريض ضمن كل مكون من مكونات العراق، فبعض السنة أيضا أيدوا الغزو الأميركي وقبلوا به وساهموا في بناء الدولة التي بنيت على أنقاض العراق القديم.

والقصد أن الغزو الأميركي قد نجح واستقر الى حدما بفضل الانقسام الطائفي في العراق، ثم جاء الاختراق الايراني ليتغلغل في مفاصل الدولة العراقية الجديدة بفضل الانقسام الطائفي أيضا.

وبعد سبع عشرة سنة، أفرغت الدملة الطائفية كل صديدها، فعرفها العراقيون على حقيقتها حين خرجت للحقل السياسي، فاذا هم قد فقدوا استقلالهم لصالح ايران، ولم يعوضهم فقدان استقلالهم سوى بالفقر، والفساد، وضياع ثرواتهم النفطية الكبيرة، وتحكم عصابات مافيوية مجرمة بهم من وراء سياسيين تافهين وفاسدين ورجال دين متلاعبين لا يعرفون شيئا عن الوطنية والنزاهة.

انفجر الجيل الجديد في العراق، وما زالت ثورته مشتعلة، وهي تحرق في طريقها عفن الطائفية المتراكم منذ مئات السنين، ولن تفلح محاولات اعادة الشباب العراقيين لعبادة الهيكل الطائفي الذي تحطم، وما يواجهه ذلك الجيل هو مقاومة الدولة العراقية التي تتحكم ايران في مفاصلها، والعصابات المسلحة الرديفة، وتلك قيود لا يستهان بها، لكنها تقف ضد تيار التاريخ، وسوف تنهار.

بانهيارها لن يتحرر العراق من التسلط الايراني البغيض فقط، لكنه سيتحرر أيضا من الطائفية التي كانت في صلب مصائبه ومعاناته الكبيرة حتى اليوم.

ذلك مثال لنهاية الطائفية الحتمية في المشرق العربي كله، وما يجري في العراق، يجري في لبنان حاليا، ولابد أن يجري في سوريا أيضا.

يقول روسو في كتابه "العقد الاجتماعي": "وكما أن بعض الأمراض تؤثر في عقول الناس فتمحو منها آثار الماضي، تحدث أحيانا في تاريخ الدول، فترات من العنف تؤثر فيها الثورات في الشعوب بما يشبه تأثير الأزمات في الأفراد، فتحل لديهم كراهية الماضي محل النسيان، وتولد الدولة، بعد أن تكون الحروب الأهلية قد مزقتها، من جديد على الأنقاض، وتسترد حيوية الشباب بعد أن تفلت من براثن الموت".