نورالدين بالطيب بين إنشائية المكان وقصائد الترحال
ينتمي نورالدين بالطيب إلى الجيل الشعري التونسي الذي اشتد عوده في التسعينات وقد دشن مسيرته الشعرية بمجموعته "قصائد موحشة"، ثم تتالت مجموعاته الشعرية "أمطار الصيف، أنت أيتها العزلة، كعشبة في الرمال، صلوات للرمل والذكرى..."، ولكنه لم يكن متفرغا للكتابة الشعرية، إذ تجاذبته الكتابة الصحفية والاهتمامات الثقافية والفكرية التي كرس لها جزءا من تجربته.
والشاعر ينحدر من تربة مخصوصة، مؤمنة بالكلمة ومتشبّعة بالقيم، آلفت تحويل غناء الصحراء والحياة الوعرة إلى جمال وإبداع. هكذا هم أهل دوز أو المرازيق ينحتون إبداعهم من تلك الحياة.
من هنا انبثق شعر نورالدين بالطيب محتفلا بقريته دوز ومسهما في كتابة ذاكرتها بلغة شعرية تحمل وشم الصحراء بخيامها ورمالها وإبلها وأغنياتها الضاربة في الأعماق، فإذا دوز طيف يلاحق الشاعر أينما حل، يظهر لقارئه في أي قصيدة ودون استئذان. فهذه القرية الأم تنأى عن الشاعر ويبتعد عنها وتختفي ملامحها القديمة ولكنها تظل دوما مرافقة له في حقائبه وأوراقه وأسفاره القريبة والبعيدة وتظل عطرا فواحا في القصائد التي كتبها فيها أو في العاصمة أو خارج البلاد. فالكتابة الشعرية عند بالطيّب تبدو في هذا الباب أجراس حب وحنين إلى دوز بل صلوات عشق لها وللصحراء والبداوة.
وإذا كانت دوز تعتبر الحضن الأمومي والمكان المنشود في هذه التجربة، فإن تأمل شعر بالطيب من جهة المكان يفضي بنا إلى العثور على مكان معاد، خانق ومؤلم للشاعر وهو العاصمة التي جاء إليها طالبا واستقر فيها ممارسا مهنة الصحافة لعقود، تاركا بصمات خاصة في الصحافة الثقافية، متذوقا أصنافا مختلفة من الغربة. ولعل هذا المكان المعادي مألوف في الشعر العربي والتونسي، فكثيرا ما كتب الشعراء صدمة المدن والعواصم وكتبوا تيهم في المقاهي والحانات والساحات. وهو ما نلمسه في مدونة شاعرنا فهو يكتب المدينة / العاصمة، باعتبارها مدينة ضياع واختناق وحيرة، مسجلا الكثير من أيام الاغتراب. ولكن قلم نورالدين بالطيب لا يخلو من رحيل إلى مدن الحلم العربي الضائع، فيبدو حالما بتلك المدن العربية المسلوبة وباحثا عن مجد عربي تائه في قرطبة واشبيليا وغيرها.
وصفوة القول إن شعر نور الدين بالطيب يتسع لدلالات كثيرة لكن الباب الأيسر لولوجه هو باب المكان. فالشعري ينهض عنده كلما نأى وابتعد وكلما حل بمكان. هو شعر عاشق للأرض وللوطن وللإنسانية. وهو يجسد في هذه المراحل صوت الشاعر طفلا وشابا حالما ويحتفل كثيرا بطفولته وبذاكرته.