هتافات الأقصى يوم الجمعة؟

رغم عدالة القضية الفلسطينية، لم يستطع الفلسطينيون تحريرها وقدموا آلاف الشهداء ولا يزالون يقدمون دون جدوى، هل في الأمر سر؟


ليس كل من يأكل ويتنفس حيا


فلسطينيو الضفة مستسلمون لقيادتهم التي لا تحل ولا تربط


ليس كل الفلسطينيين يرغبون بطرد اسرائيل وكثير منهم يعملون لديها ويتعاملون معها

ملأت هتافات المصلين في الأقصى أمس وسع الفضاء، ضد حكام الدول العربية التي طبعت مع إسرائيل، مع أن الفلسطينيين مثقفون ويعلمون الظروف المحيطة بهذا التطبيع ولكنهم، كسائر العرب، يرون الحقيقة وينكرونها.

تبقى قضية فلسطين أكثر قضية عادلة في العالم، فهي ببساطة أرض احتلها غاصب وطرد أهلها منها، وليس لهذا المحتل تاريخ فيها سوى مئة عام قبل الميلاد انقسمت خلالها دولة اسرائيل الى دولتين هما يهودا والسامرة ثم اندثرت على يد مملكة بابل. وكل العالم يفهم ذلك ولكن بعضهم ينحازون الى اسرائيل من منطلق ديني والبعض ينحازون لها من منطلق اقتصادي وسياسي، وأما روسيا والاتحاد السوفيتي قبلها انحازت لها نتيجة لحقدها على الفلسطينيين الذيم تحالفوا مع ألمانيا ضدها في الحرب العالمية الثانية.

رغم عدالة القضية الفلسطينية، لم يستطع الفلسطينيون تحريرها وقدموا آلاف الشهداء ولا يزالون يقدمون دون جدوى، هل في الأمر سر؟

إن المجتمع الفلسطيني ليس على قلب رجل واحد وهو منقسم فيما بينه، فليس كل الفلسطينيين يضعون تحرير البلاد على رأس أولوياتهم، فهناك 2 مليون فلسطيني في إسرائيل يسمونهم عرب إسرائيل، ولو أجرينا استفتاء بينهم، لما قبلوا العيش تحت قيادة فلسطينية، ولم نسمع ذات يوم عن فلسطيني من عرب إسرائيل طعن إسرائيليا أو جماعة من عرب إسرائيل مشت في مسيرة تأييد للفلسطينيين، وهم يعتمدون على نوابهم في الكينيست الإسرائيلي للمطالبة بحقوق الفلسطينيين في الضفة وغزة، وهذا لا يعتبر نضالا ويكشف عن حقيقة موقف عرب فلسطين، الراضين عن إسرائيل ولا يرغبون بالعيش تحت ظل حكومة فلسطينية فاشلة ينخرها الفساد شأن بقية الحكومات العربية.

أما فلسطينيو الضفة الغربية، فهم مستسلمون لقيادتهم التي لا تحل ولا تربط ولأفرادها حسابات بنكية في الخارج ولا يعلم المواطن العادي كم دخل الى سلطتهم من أموال وأين ذهبت تلك الأموال، وهو مجتمع كبقية الشعوب العربية منقاد دون أن يكون له موقف وقلما نسمع عن عمليات مقاومة باستثناء مقاومة العائلات التي تصادر أراضيها لبناء المستوطنات، بصورة تفطر القلب نظرا لأن الضحية لا تجد من يفزع لها، وكأن السلطة الفلسطينية صورية ولا تمارس أية صلاحيات لحماية أبنائها.

أما غزة، فهي تناضل من منطلق ديني جعلها تتحالف مع ايران مستفزة مشاعر أهل الخليج جميعا مما أفقدها نصرتهم وحين سلطت ايران ميليشياتها على العرب وقسمتهم الى فصائل متناحرة، تصالحت بعض الدول العربية مع إسرائيل بدافع الضرورة وليس الترف، فهبت الجموع الفلسطينية ترشقها بالخيانة، وكأنهم لو لا هذا الصلح، لكانوا في جنة عدن تجري من تحتها الأنهار.

لا بد من مواجهة الحقيقة، ليس كل الفلسطينيين يرغبون بطرد اسرائيل، وكثير منهم يعملون لديها ويتعاملون معها تجاريا ويعيشون في كنفها مفضلينها على أي حكومة فلسطينية، ويجدون فيها مصدرا للرزق والحضارة، لأنهم يعانون كسائر الشعوب العربية من قلة الوعي والنضج وهم أبطال على بعضهم وعلى نسائهم فقط كبقية العرب وجرائم الشرف تشهد على ذلك.

بصفتي من جيل الستينيات من القرن الماضي، أذكر أنني في طفولتي كنت ألعب مع أطفال الحارة عسكر وحرامية والعسكري هو الفلسطيني والحرامي هو اليهودي، نظرا لأن الثقافة العامة هي ثقافة تحيي الروح الوطنية وليس هناك تيار إسلامي يفسد كل شيء فيتراجع المناضل بانتظار قرار ولي أمره وتتراجع البنت لأنها أصبحت عورة. فقد كان هناك روح غريبة تسمح للجميع بالانطلاق وكم كان هناك مناضلات شابات قمن بعمليات نوعية ودخلن التاريخ.

كانت هناك روح تسري في الأجساد اسمها الحرية، نقول ما نشاء ونلبس ما نشاء ونسافر أينما شئنا، وفجأة أصبح هناك تغيير جذري في النظام وظهرت حركة إسلامية تريد أن يكون جميع الناس أصناما صامتين والشاب الذي يتمرد فاسق والمرأة التي تتمرد (غير مستورة) وانقسم العرب الى مائة عرب ويزيد.

نعم، إنها ثقافة قاتلة فليس كل من يأكل ويتنفس حي، فهناك ملايين الأحياء بلا روح تحركهم وتجعلهم أصحاب اختيار وقرار، فالشباب الذين ترونهم ميتون، لا يحملون رؤية ولا شغف بشيء سوى تأمين لقمة العيش. فهل هذا الشاب قادر على تحرير بلاد؟ فلسطين ليست فيتنام التي هزمت الولايات المتحدة فأهلها منقسمون وناكصون على أعقابهم ولو كانت هناك روح تحركهم، لتمكن ال 6 مليون فلسطيني في إسرائيل والضفة وغزة من إخراج إسرائيل من الأرض التي استولت عليها بقوة السلاح ودون وجه حق، ولكنهم يدركون أن النتيجة ستكون دولة عربية أخرى عرجاء.