هجرة الأطباء التونسيين نزيف آخر في قطاع مثخن بالجراح

في حين تصل تكلفة تكوين طبيب تونسي الى 54 الف دولار تتحملها الدولة، دول أوروبية وخليجية تستفيد بلا مقابل من كفاءات عالية معترف بها دوليا غادرت البلاد هربا من التهميش والأجور المنخفضة ومنشآت صحية متهالكة ونقص حاد في الطواقم وسوء تصرف وفساد إداري.


قرابة ثمانين بالمئة من الأطباء الشباب هاجروا الى الخارج في 2019


اطباء متعاقدون بلا رواتب منذ اشهر

تونس - يعمل طبيب الطوارئ عبد الوهاب في الصف الأول لمكافحة وباء كوفيد-19 لكنه لم يتقاض راتبه منذ أشهر، ويستعد شأنه في ذلك شأن غالبية الكوادر الصحية، لمغادرة تونس بحثا عن ظروف عمل أفضل.

ولم تتوقف ظاهرة هجرة الأطباء الشباب إلى فرنسا وألمانيا أساسا وكذلك إلى دول الخليج.

ويؤكد الطبيب الجرّاح سليم بن صالح الذي كان رئيسا لعمادة الأطباء أن "قرابة ثمانين بالمئة من الأطباء الشباب هاجروا الى الخارج في 2019"، محذرا من كبر سن الأطباء في القطاع الحكومي.

ويتابع الجرّاح أن "هذه النخبة أحست دائما بالاشمئزاز"، موضحا أن هؤلاء الشباب "نجحوا" في الشهادة الثانوية بمعدلات عالية "ويجدون أنفسهم مهمشين من قبل السلطات بعد عشر سنوات من الدراسة".

وتساءل "لكن ماذا فعلت الدولة ليبقوا؟ أنا ايضا لم أعد أتحمّل وسأغادر".

وتؤهل تونس سنويا 800 طبيبا بكفاءات عالية معترف بها دوليا. لكن في المقابل، تشهد البلاد تدهورا في وضع المنشآت الصحية بسبب نقص في المعدات والدواء وقلة الطواقم نتيجة سوء تصرف في إطار فساد.

ويقرّ الطبيب في قسم الطوارئ في مستشفى حكومي بالعاصمة تونس عبد الوهاب المغيربي "أشعر وكأنني دفنت حيّا في تونس".

وقد تزوج هذا الطبيب منذ خمس سنوات ويحرم نفسه من انجاب أطفال خشية الا يستطيع توفير الامكانيات اللازمة لتحمل مسؤوليتهم. ويقول إن "المشكلة الكبيرة هنا هي الجانب المادي، رواتبنا مهينة".

وكشفت دراسة حديثة أعدتها منظمة ومعهد دراسات أن الطبيب الداخلي في تونس يتقاضى حوالي 365 يورو شهريا وهذا أقل من معدل الرواتب وبالكاد يكفي لموازنة عائلة تتكون من أب وأم وطفلين للعيش "بكرامة".

ويضيف عبد الوهاب "هذا غير مقبول ومقرف"، مشيرا أيضا إلى الساعات الاضافية "الإجبارية" بسبب اكتظاظ بعض المستشفيات ونقص عدد الطواقم.

"القلق والحيرة"

مقابل ذلك، "صفر حقوق" حسب المغيربي الذي لم يتسلم راتبه منذ ان تم انتدابه بعقد محدود المدة في كانون الاول/ديسمبر الفائت. وهو لا يتمتع بضمان صحيّ ويعمل بالرغم من غياب المعدات والتجهيزات الضرورية لعلاج المرضى.

ويقول "لا أستطيع التمتع بالحياة لقلة الموارد ولا العمل في ظروف جيدة، ولا شيئ آخر". ويخشى الطبيب "ألا تتمكن الدولة من سداد رواتبنا" هذا العام.

ويمثل قطاع الصحة ستة في المئة من موازنة الدولة التي تبحث عن موارد تكميلية للعام 2021، بينما تصعب أمام المسؤولين مهمة الانطلاق في مشاريع اصلاحات كبرى للقطاع والمطلوبة من المانحين الدوليين.

ويقول عبد الوهاب "في لحظة ما أقول في نفسي: ماذا أفعل هنا؟" لأن "الوضع في تونس أصبح مصدرا للقلق والحيرة".

وفي مقابل ذلك تغذي الصراعات السياسية والاضطرابات الاجتماعية والصعوبات الاقتصادية المناخ "الخانق" في البلاد.

ويتابع الطبيب الذي تلقى عروض عمل ويُعد ملفه لمغادرة البلاد "لا أرى أملا هنا، أريد أن أهاجر من أجل روح معنوية أفضل".

تأزم قطاع الصحة

في مؤشر على تأزم وضع قطاع الصحة في تونس، نفذ الأطباء الشبان في كانون الأول/ديسمبر الفائت، تظاهرات واحتجاجات على أثر وفاة طبيب في مستشفى حكومي بمحافظة جندوبة (شمال غرب) المهمشة بعد ان سقط في مصعد معطل أثناء مباشرة مهامه.

وأكدت دراسة نُشرت العام 2020 من قبل طالب دكتوراه شاب في الطب أن هجرة الأدمغة تؤثر على جميع اختصاصات الأطباء والكوادر الصحية، ما يعزز أوجه القصور "لا سيما في المناطق الأقل نموا".

وتوضح الكاتبة العامة في نقابة الأطباء أحلام بالحاج أن الدول التي تشغل هذه الكفاءات "تستفيد بدون مقابل من رأس مال بشري بكفاءة عالية".

ويقول المدير العام للصحة فيصل بن صالح ان هذا "التدفق يقلقنا"، موضحا أن كلفة تكوين طبيب في تونس تقدر بحوالي 46 ألف يورو.

ويخلص المسؤول الى أنه يمكن ان تُعتبر هجرة الأدمغة "تصديرا لخدمات ولكن يجب ان يكون هذا مراقبا" داعيا الى تنظيم هذه الهجرة باتفاقيات بين الدول.