هجوم أرامكو يكشف خطط إيران لإبقاء العراق تحت عباءتها

وسائل إعلام أميركية تحدثت عن انطلاق الطائرات التي هاجمت أرامكو من الشمال وليس من الجنوب، أي من العراق أو إيران وليس اليمن.


سوق النفط العراقي مفتاح خنق اقتصاد إيران المتدهور


طهران تسعى بأي ثمن لمنع التعاون بين بغداد والرياض في مجال النفط والطاقة


إيران تجيش وكلاءها لمنع عودة العراق إلى محيطه العربي

بغداد - نفى العراق في بيان الأحد، أي علاقة له بالهجوم الذي استهدف منشآت نفطية سعودية بعدما تحدثت وسائل إعلام عن احتمال أن يكون جرى انطلاقا من الأراضي العراقية على الرغم من تبني المتمردين الحوثيين اليمنيين العملية.

وكان هجوم بطائرات مسيّرة تبنّاه المتمرّدون الحوثيّون السبت، أدى إلى إشعال حرائق في منشأتين نفطيّتين تابعتين لشركة أرامكو السعوديّة العملاقة في بقيق.

وقال مكتب رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي في بيان الأحد إن "العراق ينفي ما تداولته بعض وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي عن استخدام أراضيه لمهاجمة منشآت نفطيّة سعوديّة بالطائرات المُسيّرة".

وأضاف أن العراق "يؤكد التزامه الدستوري بمنع استخدام أراضيه للعدوان على جواره وأشقائه وأصدقائه"، مؤكدا أن "الحكومة العراقية ستتعامل بحزم ضد كل من يحاول انتهاك الدستور".

وقوبل الهجوم الذي أجبر السعودية، المصدر الرئيسي للنفط في العالم إلى خفض انتاجه، بـتنديد من قبل الولايات المتحدة وعدد كبير من الدول العربية والغربية.

غير أن بعض وسائل الإعلام، بينها "سي إن إن" و"وول ستريت جورنال"الأميركيتان تناقلت معلومات تفيد أن طائرات مسيرة أو صواريخ طراز "كروز"، أطلقت هذه المرة من الشمال وليس من الجنوب، في إشارة إلى العراق أو إيران التي تقدم دعما كبيرا لميليشيات تابعة لها على الأراضي العراقية.

وذكرت "وول ستريت جورنال" أن الاعتداء على المنشآت السعودية من العراق ليست جديدة، فقد سبق أن خلص المسؤولون الأميركيون، إلى أن الهجوم الذي شنته طائرة دون طيار في 14 مايو الماضي على خط أنابيب في السعودية انطلق من العراق، وليس من اليمن، وفي ذلك الوقت، حث وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، رئيس وزراء العراق، على احتواء التهديد الذي تشكله القوات المدعومة من إيران في البلاد.

وتوقعت الصحيفة أن يؤدي هجوم يوم السبت على السعودية، إلى نكسة أخرى للمحاولات الأميركية لفتح محادثات مباشرة سواء مع المتمردين الحوثيين لإنهاء الحرب في اليمن، أو مع النظام الإيراني لتخفيف التوتر بين طهران وواشنطن.

ودعا العراق "جميع الأطراف إلى التوقف عن الهجمات المُتبادَلة، والتسبب بوقوع خسائر عظيمة في الأرواح والمنشآت".

وفي الأشهر الأخيرة، أطلق المتمردون الحوثيون صواريخ عبر الحدود وشنّوا هجمات بواسطة طائرات مسيّرة مستهدفين قواعد جوية سعودية ومنشآت أخرى، مؤكدين أن ذلك ردّ على غارات التحالف العسكري بقيادة الرياض الذي يسعى لإعادة الشرعية في اليمن واستعادة السيطرة على المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين فيها.

ويأتي الهجوم على أرامكو أيضا بعد أسابيع على تعرض مواقع لقوات الحشد الشعبي العراقي، غالبيته فصائل شيعية مقربة من إيران، واتهمت إسرائيل بالوقوف وراءه، الأمر الذي يؤدي لتصاعد توتر بات واضحا بين سياسيين عراقيين انقسموا بين مؤيدين لطهران و واشنطن.

ويحقّق جرّ العراق ليصبح طرفا في “معركة” ضدّ الولايات المتّحدة وإسرائيل، مصلحة كبرى لطهران التي يبدو أنها أوكلت للحشد الشعبي مهمّة الزجّ بالبلد في تلك المعمعة.

ويتابع العراقيون بقلق موجة التصعيد الجارية بين الطرفين منذ أن شنت مجموعات مجهولة هذا الصيف عمليات قصف على مواقع مختلفة بالعراق يتخذها العسكريون الأميركيون مقرات، لتصبح لديهم قناعة بأن أرض بلادهم ستكون إحدى الساحات الرئيسية لأي مواجهة عسكرية قد تحدث بين الولايات المتحدة وإيران.

وفي يونيو الماضي، تعرضت مقرات عدد من شركات النفط الكبرى في مدينة البصرة جنوبي العراق إلى هجوم بصاروخ لم يعرف مصدره.

وقالت الشرطة العراقية آنذاك إن عاملين عراقيين أصيبا بجروح في الهجوم على مجمع البرجسية، حيث توجد شركات نفط دولية، من بينها شركة إكسون موبيل الأميركية العملاقة، وشركة شل الهولندية، وشركة إيني الإيطالية.

ويأتي الهجوم بعد هجومين آخرين منفصلين وقعا خلال يومين واستهدفا قواعد لأفراد في الجيش الأميركي بالعراق.

عودة العلاقات بين بغداد والرياض يهدد مصالح طهران
عودة العراق إلى محيطه العربي تهدد مصالح طهران

وردا على الهجمات هددت السلطات العراقية الجهات التي تقف ورائها قائلة إنها "ستضرب بيد من حديد كل من تسول له نفسه، إرباك الأمن وإشاعة الخوف والقلق وتنفيذ أجندة تتعارض مع مصالح العراق الوطنية".

وأوضحت السلطات العراقية أنها فتحت تحقيقا لتشخيص "الجهات التي تقف خلف إطلاق الصواريخ والقذائف على عدد من المواقع العسكرية والمدنية في بغداد والمحافظات"، لكن الأمر توقف عند التنديد ولم يتم الكشف عن الجهات المتورطة في الهجمات.

ومنذ تشكيلها في أكتوبر/تشرين أول الماضي، تبذل الحكومة العراقية جهودا حثيثة لإحداث تغيير جذري في سياسة بغداد الخارجية، في مسعى لتحقيق توازن في علاقاتها الإقليمية والدولية للخروج من تحت العباءة الإيرانية، والنأي بنفسها عن النزاعات المتصاعدة في المنطقة.

لكن حكومة عبدالمهدي لا تخفي عجزها عن وقف الميليشيات الشيعية التابعة لإيران والموالين لها بعد تغلغلهم حتى في دواليب الدولة، وهو ما قد يهدد العراق بالتورط في نزاع مع دول المنطقة ومواجهة عقوبات أميركية بدوره.

أما طهران فتبدو أن السبل قد ضاقت بها أمام الخناق الاقتصادي الذي تمارسه عليها واشنطن، فأصبحت تسعى جاهدة للتصعيد نحو حافة المواجهة سواء بأعمال القصف داخل العراق أو بمهاجمة ناقلات النفط في الخليج العربي وبحر عمان وتعطيل منشآت النفط السعودية عن طريق وكلائها.

وقالت أرامكو اليوم الأحد إن الضربات قد تخفض إنتاج النفط بنحو 5.7 مليون برميل يوميا، أي أكثر من خمسة بالمئة من إمدادات النفط الخام العالمية، في الوقت الذي تستعد فيه أرامكو لطرح أولي عام لأسهمها في البورصة.

ولم تحدد الشركة السعودية جدولا زمنيا لعودة الإنتاج لما كان عليه لكنها قالت في وقت سابق الأحد إنها ستقدم إفادة عن التطورات في غضون 48 ساعة.

وتشحن السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم، أكثر من سبعة ملايين برميل يوميا لوجهات مختلفة وتعتمد الأسواق عليها منذ سنوات كمورد اللحظة الأخيرة.

وقالت الولايات المتحدة إنها مستعدة للسحب من احتياطياتها النفطية إذا تطلب الأمر بعد الهجوم على المنشأتين اللتين من بينهما أكبر معمل لتكرير الخام في العالم ويقع في بقيق.

ولم تصل السلطات السعودية بعد إلى حد إلقاء اللوم بشكل مباشر على طرف بعينه في الهجمات التي وقعت قبل فجر السبت وقالت السلطات إنها نُفذت بطائرات مسيرة لكن وزير الطاقة شبهها بسلسلة هجمات على أصول نفطية سعودية وناقلات في مياه الخليج.

وتصاعد التوتر الإقليمي بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي مع إيران وإعادة فرض العقوبات على طهران بهدف وقف صادراتها النفطية في خطوة أيدتها السعودية والإمارات حليفا الولايات المتحدة في منطقة الخليج، وقالتا آنذاك إنهما ستساعدان في تعويض انخفاض صادرات النفط الإيرانية.

وزادت الولايات المتحدة ضغوط العقوبات على إيران في الشهور القليلة الماضية، حيث بلغت في مايو مرحلة تصفير النفط الإيراني. وهو ما دفع طهران للجوء إلى تهريب نفطها بمساعدة بعض حلفائها.

ومن بين الخطط الإيرانية أيضا المحافظة على سوق النفط العراقي الذي يعتبر مفتاح خنق اقتصادها المتدهور بأي ثمن، وذلك من خلال منع التعاون بين بغداد والرياض أو حتى مع دول مجاورة أخرى.

والنفط هو المصدر الرئيسي للموازنة في العراق، ثاني أكبر منتج في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) بعد السعودية، إذ يبلغ حجم ما ينتجه يوميا نحو 4.5 مليون برميل يوميا.

وأواخر أغسطس الماضي، أكد مسؤول عراقي رفيع طرح قائمة استثمارات في مجال البتروكيمياويات والغاز أمام المستثمرين السعوديين، وقال إن نقاشات تجري مع شركة سابك للصناعات الأساسية وشركة أرامكو للاستثمار في مشروع نبراس للبتروكيماويات وتطوير حقل "عكاز" للغاز الذي يبلغ إنتاجه اليومي 300 مليون قدم مكعبة.

وأكد المجلس التنسيقي السعودي العراقي أخذ خطوات مهمة في مجال تطوير العلاقات بين البلدين، ومن أبرزها الخطوات المتخذة في مجال الاستثمارات خصوصا في مجال النفط والغاز.

ويعني التعاون بين الرياض وبغداد في ملف النفط والطاقة زيادة خنق إيران اقتصاديا، ويقول مراقبون إن تخريب عودة العلاقات الدبلوماسية المتينة بين السعودية والعراق سيكون الحل الأمثل بالنسبة لطهران لمنع هذا التقارب، حيث تدفع الأخيرة بوكلائها في العراق إلى التصعيد أملا في تحقيق ذلك.

واليوم الأحد، أعلنت شركات بتروكيماويات سعودية، منها الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك)، عن نقص في إمدادات اللقيم بنحو 49 بالمئة بسبب الهجوم على أرامكو الذي يأتي في توقيت تستعد فيه العراق والسعودية لفتح صفحة جديدة من التعاون في عدة مجالات منها التجارة والنفط والطاقة.

وتسود أجواء إيجابية العلاقات بين العراق والسعودية في الأشهر الأخيرة، حيث زار عبد المهدي السعودية في أبريل الماضي والتقى بالعاهل السعودي الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان بحضور وزراء سعوديون وعراقيون ووقع الجانبيان 13 اتفاقية في مجالات مثل التجارة والطاقة والتعاون السياسي.

إيران توكل ميليشياتها لتهديد امدادات النفط العالمية
إيران توكل ميليشياتها لتهديد امدادات النفط العالمية 

 كما أعادت السعودية فتح قنصلية في بغداد ظلت مغلقة لمدة 30 عاماً.

وواجهت الطبقة الحاكمة في العراق وضعا صعبا عندما فرضت الولايات المتحدة عقوبات شديدة وصارمة على إيران وطالبت مختلف الدول بالالتزام بها، فيما لم يكن بالإمكان فكّ الارتباط مع إيران، وخصوصا في مجال الطاقة حيث يستورد العراق كميات هامّة من الكهرباء ومن الغاز الإيراني المستخدم في توليدها.

وتسعى بغداد اليوم إلى العودة تدريجيا لمحيطها العربي عبر الانفتاح مجددا على بلدان مجلس التعاون الخليجي وخاصة السعودية، وهو ما يفسر توتر النظام الإيراني من رؤية قرب خسارة عدد مهم من حلفائه في العراق نتيجة انفتاحه مجددا على الدول العربية.

واليوم الأحد، صرح وزير الكهرباء العراقي لؤي الخطيب بأن بلاده وقعت اتفاقية اطارية مع مجلس التعاون الخليجي لاستيراد 500 ميغا واط من منظومة الربط بين دول مجلس التعاون لتغطية مناطق جنوبي محافظة البصرة (550/كم جنوبي بغداد).

وقال الخطيب عقب مراسم حفل التوقيع بينه وبين أحمد الابراهيم رئيس هيئة الربط الخليجي على هامش انعقاد مؤتمر الطاقة الخامس في بغداد "وقعنا اليوم مع هيئة الربط الخليجي اتفاقية الإطار الاستراتيجي لتجهيز مناطق جنوبي مدينة البصرة بـ 500 ميغاواط من الطاقة الكهربائية ابتداء من الصيف المقبل كمرحلة أولى يمكن تطويرها مستقبلا لمناطق وسط وشمالي العراق".

وأضاف أن "هذا المشروع ليس بديلا عن خطوات العراق مع كل من السعودية والأردن وتركيا لإقامة مشاريع ربط كهربائي مشتركة لسد النقص في انتاج الكهرباء في العراق، وأن هذه المشاريع بالمجمل ستجعل العراق سوق واعدة لنقل الطاقة الكهربائية مع دول الإقليم ".

وأوضح أن شركة ماس العراقية القابضة وقعت اليوم عقدا مع شركة جي أي الأميركية لتوسيع طاقة محطة كهرباء منطقة بسماية لتصل إلى 4500 ميغاواط لتصبح أكبر محطة لانتاج الطاقة الكهربائية في العراق".

وأوضح الوزير العراقي أن الحكومة العراقية ماضية بحل أزمة الطاقة الكهربائية من خلال التعاقد مع شركات عالمية رصينة أوروبية وأميركية وصينية والتي سيرى بعضها النور العام المقبل".

ويجتمع حاليا في بغداد العشرات من ممثلي الشركات المتخصصة في مجال النفط والطاقة في إطار منتدى العراق الخامس للطاقة الذي يحظى باهتمام وحضور حكومي أثمر عن التوقيع على عدد من الاتفاقيات لتطوير قطاع الكهرباء في العراق التي تستأثر به إيران وتعتمده كورقة ضغط وابتزاز للحكومة.

ومنذ أيام اعترف وزير الكهرباء العراقي خلال مؤتمر الطاقة العالمي الذي أقيم في أبوظبي، أن العراق سيواجه صعوبة في توليد ما يكفي من الكهرباء إذا لم يواصل استخدام الغاز الإيراني لمدة ثلاثة أو أربعة أعوام أخرى، ليقاوم ضغوطا أميركية لوقف استيراده.

وقاد انقطاع الكهرباء في العراق لاحتجاجات مناوئة للسلطات في أغلب الأحيان. وتورد إيران غازا يكفي لتوليد 2500 ميغاوات فضلا عن تزويد العراق بإمدادات مباشرة من الكهرباء حجمها 1200 ميغاوات، فيما تسعى السعودية وبلدان أخرى لمساعدة بغداد على تخطي تلك العقبة.

وتضغط الولايات المتحدة على العراق لإيقاف اعتماده على إمدادات الغاز الإيرانية وقد منحته إعفاءات مؤقتة من العقوبات مع مطالبته بتسريع تطوير بدائل الغاز المحلية.

ويرى مراقبون أن إصرار طهران على التمسك بورقتها الأخيرة المتمثلة في الميليشيات التابعة لها، ستكون أفضل أداة حرب بالوكالة تعتمدها لضرب العراق ومنافستها في المنطقة السعودية وأيضا امدادات النفط العالمية بهدف الإفلات من تأثير العقوبات عليها.

لكن الهجوم على أرامكو لا يبدو ذو تأثير كبير على خطط السعودية التي باتت مستعدة لمثل هذه الطوارئ فهي تملك احتياطيات تبلغ حوالي 188 مليون برميل أي ما يعادل طاقة المعالجة في بقيق لمدة 37 يوما تقريبا وذلك وفق ما ورد في مذكرة يوم السبت من رابيدان إنرجي جروب.