هلاك الإنسان المفكر في زمن الذكاء الاصطناعي

الخطر الناتج عن إطلاق العنان للخوارزميات دون ضوابط يصبح وجوديا إذ يتسلّل إلى الفكر واللغة مهدّدا جوهر ومع تفويض الوعي للآلة تفقد استقلالنا وقدرتنا على التأمل لتغدو العقول تابعة في نظام استهلاكي قاتل للروح وللضمير.

منطقيًا، كان على الحكومات، منذ ظهور الذكاء الاصطناعي، أن تُقيّد نطاقه. كان عليها أن تقبل استخدامه في مجالات الصحة والعلوم التطبيقية والتكنولوجيا والتجارة والخدمات، مع رفضها القاطع السماح له بالتأثير على اللغة ونتيجتها، أي بناء الفكر.

كما خضعت الهندسة الوراثية لرقابة قانونية صارمة، كان ينبغي بناء حاجز وقائي حول الذكاء الاصطناعي بحيث يقتصر استخدامه على عالم البيانات، مانعًا إياه من اختراق وعينا. نحن موجودون في العالم من خلال الفكر، وإذا عطّلت الآلات آلياته الداخلية، فإننا نخاطر بفقدان الاتصال بأعز ما لدينا: روحنا، في أقدس جوانبها.

أُطلق العنان للذكاء الاصطناعي، دون قيود تُفرض عليه، مما أدى إلى سيطرته على المعرفة الأكاديمية. لقد أصبح يستخدم الآن من طرف الأطفال والمراهقين والطلاب بسهولة لكتابة واجباتهم، تمامًا كما يستخدمونه للتعبير عن مشاعرهم لروبوتات الدردشة. والأسوأ من ذلك، أنه بمجرد الحاجة إلى التفكير، تُستدعى الآلة للمساعدة، حتى لو كان ذلك لمجرد إيجاد وصفة طبخ أو صياغة حُجة ما. كل هذا بموافقة ضمنية من القادة السياسيين، الذين، سواء أكانوا عميانًا أو جشعين، أو مجرمين، فلقد سمحوا لأنفسهم على أي حال، بأن يُخدعوا من قِبل ما يمكنني أن أطلق عليهم لقب تجار الهيكل، الحريصين على زيادة أرباحهم إلى ما لا نهاية.

وهكذا، شيئًا فشيئًا، ولكن بلا هوادة، يتخلى الفرد عن قدرته على الوجود باستقلالية. لم تعد أفكاره تتطور من خلال التفكير، بل بالاعتماد على الآلات. لم يعد يبحث عن حلول لمشكلة معينة داخل نفسه؛ بل يُوكل هذه المهمة إلى الذكاء الاصطناعي. في هذا التخلي عن الفكر، يبرز نوع جديد من الكائنات، كائنات محرومة من ذاتها، كائنات مُغتربة تفوض جوهر وجودها إلى روبوت.

أتساءل: كيف ستعيش الأجيال القادمة في العالم إذا فقدت القدرة على التفكير الذاتي؟ ماذا سيحدث للبشر إذا تخلوا عن قدرتهم على التأمل والتساؤل ومحاولة إيجاد حلول في ذواتهم للمشاكل التي تطرأ على عقولهم؟ إذا أصبحت عقلوهم سلعة كباقي السلع، إذا تخلوا عن كل قدرة على التفكير، فإنهم يفقدون إنسانيتهم ​​ويصبحون، بدورهم، نوعا من الآلات، كائنات غائبة لن يكون مصيرها مُوجّها باختيارات ضمائرها، بل بالخوارزميات، وكل ذلك مدفوع بالسعي الدؤوب وراء الربح.

سيؤدي الذكاء الاصطناعي، شئنا أم أبينا، إلى هلاك الإنسان، على الأقل الإنسان باعتباره كائنا مُفكرا. هل نُدرك حجم الجريمة المُرتكبة، جريمة قتلٍ واسعة النطاق تهدف إلى استبدال البشرية بفرقةٍ من الأفراد المُستهلِكين؟ بأيِّ تواطؤٍ سمحَت الحكومات بارتكاب مثل هذه المجزرة دون أن تجرؤ على إبداء أدنى تحفظ؟ بين عشية وضحاها، حُشرنا في الزاوية دون أن يُتاح لنا الفرار من هذا الجحيم. كان هذا أفظع انقلاب، خيانة للحضارة وأخلاقها.

في مواجهة هذا الهجوم الشرس، لم يكن أمام المدارس والثانويات والجامعات خيار سوى التكيف قدر استطاعتها، لكنها بذلك سمحت للتكنولوجيا بالتغلغل في وعي النشء، مهددةً بتغيير جذري. في الواقع، لقد خسرنا المعركة بالفعل - هذا إذا كنا قد خضناها أصلا. وبسهولة عجيبة، فرض الذكاء الاصطناعي نفسه علينا كنظام جديد ينبغي لنا الخضوع له، طوعا أو كرها.

لا قيمة للمعرفة من دون وعي وضمير. في عالمٍ اندثر فيه الفكر، سيصبح التلاعب بالجماهير أمرًا هينًا. أي عقل، ولو كان مُدرّبًا تدريبا بسيطا، سيتمكن من بسط سيطرته دون أن يواجه أي اعتراض. لن يُضاهى استسلام الفرد إلا بحرصه على اتباع أوامر جماعة تفكر بشكل سريع نيابةً عنه. وسرعان ما سيُصبح مجرد مُنفِّذ لأيديولوجياتٍ قاتلة.

إن القلق الناتج عن التواجد في العالم لن يختفي، بل سيتحول إلى مجموعة كبيرة من الأسئلة التي ستكافح الآلة للإجابة عنها. ما سيبقى هو شعور عميقٌ بالقلق، حيثُ يواجه الفرد، مُفتقرًا إلى وسائل الدفاع عن نفسه، عزلةً عميقة ومدمرة. فهل سيبحث حينها في الحرب عن متنفسٍ للشعور بالحياة؟ هذا مُرجَّحٌ للغاية. بعد أن يصل إلى هذه النقطة، ربما سيعود إلى الماضي، ومن أعماق يأسه، سيسأل نفسه كيف سمح أسلافه للآلة بغزو وعيه؟!

ومن أعماق قبورنا لن يكون لدينا ما نقوله له سوى الاعتذار عن فشلنا في أداء واجبنا.