هل بمقدور الصحافي الانتصار على الشرطي؟

كصحافيين علينا ألا نعزل أنفسنا في فقاعات أيديولوجية كي ننتصر على الرقيب الكامن في داخلنا قبل الشرطي الذي يحاصرنا.


انتصر الصحافي على الشرطي في المملكة المتحدة

يمكن أن نحصل على إجابة واضحة في الدول التي ترى الصورة المثالية التي افترضتها المقولة التاريخية للرجال الأقوياء الذين كتبوا الدستور الأميركي والتي فضلت دولة من دون حكومة على دولة بلا صحافة!

قد نجد شيئا من تلك المثالية تحقق في قصة صحافي بريطاني انشغلت بها البلاد والمحاكم على مدار عام كامل وحسمتها المحكمة هذا الأسبوع في انتصار رائع للصحافي على الشرطي.

لقد منعت أجهزة الأمن الصحافي البريطاني مايكل سيغالوف “25 عاما” الذي يكتب أعمدة رأي بانتظام في صحيفة الغارديان، من حضور مؤتمر حزب العمال العام الماضي في مدينة برايتون ورفضت منحه تصريحا رسميا تحت مسوغ تطرفه اليساري الذي قد يعطل فعاليات المؤتمر.

قامت الشرطة بتجميع ملفات استخباراتية سرية زعمت أنه كان ناشطا يساريا متطرفا وأظهر استعدادا أكبر للمشاركة في الاحتجاجات التي تنطوي على خرق القانون. مع أن ملفات الشرطة لم تثبت أنه تم القبض عليه أبدا بسبب هذه التهمة التي كانت سرية في ملفات الأمن.

لم يكن بمقدور حزب العمال الذي قبل حضور الصحافي لمؤتمره السنوي أن يفعل شيئا بعد أن رفض قرار الفحص الأمني السماح لمايكل سيغالوف حضور المؤتمر وتغطية فعالياته.

رفض سيغالوف الذي يشارك في تحرير مجلة ثقافية، ويظهر على التلفزيون للتعليق على الأحداث السياسية، التهمة وقاد أجهزة الأمن إلى القضاء البريطاني من أجل استعادة اعتباره، وبقي مصرا على انتصار حرية الصحافة. فحضور مؤتمر جزء لا يتجزأ من عمله كصحافي سياسي. إلا أن قرار الشرطة حال دون أن يتمكن من القيام بعمله.

وفي النهاية كان للمحكمة القول الحق عندما أدانت الشرطة معتبرة أن تصرفها لم يكن قانونيا عندما وصفت سرا صحافيا بالمتطرف اليساري ومنعته من حضور مؤتمر حزب العمال.

وتوصل القضاة في حكم مكون من 18 صفحة إلى أن "تقييم التهديد الذي يمثله الصحافي بالنسبة للشرطة لا يرتبط بأي مخاطر على أمن مؤتمر العمال".

كان قرار المحكمة إحدى أهم العلامات التاريخية التي ترفع جبين الصحافة، بحيث اعتبر محامي سيغالوف إدانة الشرطة ذات أهمية حقيقية للصحافيين في جميع أنحاء بريطانيا، وهو أمر يحرض على وضع معايير بشأن مدى قدرة الشرطة على تنظيم حرية الصحافة.

وقال المحامي رافي ناييك “الحكم  بإدانة الشرطة يضع علامة مهمة لدرء إساءة استخدام البيانات من قبل رجال الأمن”.

وعبر مايكل سيغالوف عن سعادة غامرة مفعمة بالانتصار معتبرا نجاح قضيته المرفوعة ضد رجال الأمن انتصارا لحرية الصحافة، لأنه ببساطة لم تعد الشرطة بعدها قادرة على إملاء من يمكنه حضور مؤتمرات الأحزاب من دون سبب وجيه.

لقد افترض سيغالوف في البداية وبحسن نية قرار الشرطة بريئا وربما بسبب تشابه مع اسم شخص آخر. لكن محاولات التواصل معهم قوبلت بسور من الصمت. بعد سلسلة من المكالمات الهاتفية والرسائل الإلكترونية من دون أن يحصل على أي رد عليها، فيما قال له أحد الضباط “للأسف، نحن لا نكشف عن أسباب رفض الاعتماد”.

وبعد أن استغرق الأمر 14 شهرا من المداولات القضائية تحمل فيها سيغالوف مخاطر مالية تفوق قدرته، انتصر الصحافي الشاب في نهاية التحدي وأصيبت إدارة الشرطة بالخيبة وبسوء أعمالها.

كانت الشرطة تراقب مصادر أخبار مايكل سيغالوف، الذي لم يكن يبالي بغير الحصول على معلومات مفيدة وحصرية ليغطي الأحداث بأفضل ما يمكن له، لأنه غير معني بفكرة أن يكون الصحافي مخبرا سريا للشرطة عبر الكشف عن مصادر معلوماته.

بدت لي هذه التفاصيل مهمة لكي تتضح للقارئ العربي قضية وإن اعتبرت محلية تعني البريطانيين وحدهم، على الأقل من أجل التوق إلى أن تصل علاقة الصحافة في العالم العربي مع رجال الأمن إلى ما يشبه ذلك! “هل أبدو حالما أكثر مما ينبغي؟”.

بالطبع هناك هجمات أخرى أكثر فظاعة على الصحافة مستمرة حول العالم، لا يمكن مقارنتها بقضية الصحافي البريطاني الشاب الذي بقيت كرامته مصانة وإن رفضت الشرطة حضوره مؤتمرا حزبيا، بينما لا يزال الصحافيون هم الضحايا الأبرياء للقمع والتخويف، هناك على سبيل المثال أكثر من 120 صحافيا مسجونا في تركيا، دعك من حال الصحافيين من العراق حتى ليبيا، فالصورة أكثر من قاتمة وتبعث على الخيبة.

سبق وأن طالب كارل بيرنستاين الصحافي والكاتب الأميركي الذي ساهم في كشف تداعيات فضيحة “ووترغيت”، بضرورة مقاومة خطر وقوع الديمقراطية فريسة للاستبداد والديماغوجية وحتى الإجرام من قبل القادة المنتخبين والمسؤولين الحكوميين. لأنه حتى الديمقراطيات الكبرى ليست حارسا أمينا للحقيقة التي ينشدها الناس.

وهذا يعني أننا كصحافيين علينا ألا نعزل أنفسنا في فقاعات أيديولوجية، وفق تعبير الكاتب تيم هارفورد “ونتعرض فقط لآراء الذين لديهم طريقة تفكيرنا نفسها” كي ننتصر على الرقيب الكامن في داخلنا قبل الشرطي الذي يحاصرنا.

لقد انتصر الصحافي على الشرطي في قضية واحدة في المملكة المتحدة التي تصنفها منظمة “مراسلون بلا حدود” في مؤشرها العالمي لحرية الصحافة في المرتبة أربعين وهو مستوى منخفض، ولكم يبدو مدهشا أن يأتي اليوم الذي بإمكان الصحافي العربي أن يتخلص فيه من الشرطي الكامن في داخله الذي ولدته سنوات من الترهيب والتهديد وسلب الكرامات. لأن الأمل مازال بعيدا للتخلص من الشرطي الحكومي في بلداننا العربية!