هيئة علماء السودان.. العلمانية ليست سيئة

العلمانية بمعنى فصل الدين عن السياسة والدولة وليس إقصاء الدين عن المجتمع والحياة، تهدف إلى جعل الدولة محايدة تجاه القضايا المتعلقة بالدين وبهذا المعنى فهي تشكل أساس الدخول للحداثة وأساس تحقيق الديمقراطية ولا يمكن للحرية أن تقوم بدونها ذلك لأن غيابها يسمح بحضور سلطات دينية إقصائية

بقلم: أبو بكر فيصل

في ندوة نظمها الاتحاد العام للكتاب السودانيين حول قضية التكفير، وصف الأمين العام لهيئة علماء السودان، ابراهيم الكاروري، العلمانية بـأنها "ليست سيئة"، وقال إن الانفصام الكاذب هو الذي يرفضها، وأضاف بأن هناك منتجات علمانية "ننعم بها في حياتنا اليومية".

قال الكاروري: "نجد أن هناك من يتعالج في ألمانيا، وآخر يطلب الجنسية الأميركية، وبعض الناس يتمنى العيش في أوروبا، فالعلمانية ليست سيئة"، مشيرا إلى أن حديثه ليس تبريرا للعلمانية وإنما "تحرير للعقل وتوظيف النص القرآني من غير أن يؤثر التناقض علينا".

"هيئة علماء السودان" مؤسسة تسيطر عليها جماعة الإخوان المسلمين، وتعتبر أكبر هيئة حكومية مختصة في شؤون التقديس، وتضم عددا من الشيوخ الذين يمثلون تيار الإسلام السياسي العريض، وقد ازداد نفوذها بصورة كبيرة بعد استيلاء الإخوان المسلمين على الحكم عبر الانقلاب العسكري في يونيو/حزيران 1989.

معلوم أن الموقف المبدئي لجميع تيارات الإسلام السياسي ينبني على رفض العلمانية بوصفها لا تتواءم مع الدين الإسلامي الذي ـ بحسب وجهة نظرهم ـ يختلف عن المسيحية التي لا تحتوي على نظام متكامل للحياة، بينما طبيعة الإسلام شاملة لا تسمح بالفصل بين الدين والدولة، وبالتالي فإنه يستحيل تبني العلمانية في الدول الإسلامية.

قد مضت الدعاية الكثيفة لأهل الإسلام السياسي بعيدا في تشويه معنى مفردة العلمانية بحيث أنها صورتها ككلمة مرادفة للإلحاد ومحاربة الدين، وبالتالي فإن حديث ابراهيم الكاروري قد يوحى للوهلة الأولى بأنه يمثل نقلة مفاهيمية من الموقف الأصلي لتيار الإسلام السياسي ومحاولة للتعاطي مع العلمانية بصورة أكثر إيجابية.

لكن واقع الأمر ليس كذلك، حيث أن وصف الرجل للعلمانية بأنها "ليست سيئة" لا يحمل جديدا يذكر، فهو ما زال يدور في فلك النظرة التقليدية التي ظل ذلك التيار يتعامل بها مع تجليات الحداثة، حيث ينحصر "عدم السوء" الذي يعنيه في مجرد استلاف ونقل المنتجات التكنولوجية والاستفادة من الثورة العلمية، ولكن دون الاقتراب من المكونات الفلسفية والاجتماعية والسياسية التي كان ذلك التقدم العلمي والتكنولوجي نتاجا لها.

المجتمعات الإسلامية لم تعرف التنوير، ولم تدخل جوهريا في عصر الحداثة، وكانت المحصلة النهائية أن كثيرا من تلك المجتمعات، رغم امتلاكها للتكنولوجيا المتطورة ظلت تدور في فلك الزراعة والرعي، ولم تتمكن من الانتقال لخانة الصناعة والابتكار والاختراع، ذلك لأنها ـ كما يقول صلاح سالم ـ لم تقترب من البعد الاجتماعي للحداثة وقلبه المتمثل في الحرية الفردية.

من ناحية أخرى، فقد ظلت تلك المجتمعات أيضا بعيدة عن الحداثة السياسية وقلبها المتمثل في الديمقراطية، حيث استمر الاستبداد بمختلف أشكاله (العسكري/الديني) في السيطرة على مشهد الحكم والسلطة في العالم العربي والإسلامي، كما أحكمت القبلية والطائفية قبضتها على مجريات العملية السياسية في تلك المجتمعات.

فشلت محاولات النهضة المتكررة في العالم الإسلامي منذ القرن التاسع عشر (تجارب رفاعة الطهطاوي والأفغاني والإمام محمد عبده) لأنها سعت للأخذ بجانب من الحداثة وترك الجانب الآخر متجاهلة أن الأنساق التاريخية كالحداثة ومن ضمنها العلمانية تمثل كلا متكاملا لا يمكن الانتقاص منه بطريقة انتقائية.

إن العلمانية، بمعنى فصل الدين عن السياسة والدولة، وليس إقصاء الدين عن المجتمع والحياة، تهدف إلى جعل الدولة محايدة تجاه القضايا المتعلقة بالدين، وبهذا المعنى فهي تشكل أساس الدخول للحداثة وأساس تحقيق الديمقراطية ولا يمكن للحرية أن تقوم بدونها، ذلك لأن غيابها يسمح بحضور سلطات دينية إقصائية تفرض على الناس الأخذ بدين معين، كما أنها، أي تلك السلطات، تدَّعي أن رؤاها الأيديولوجية ومواقفها السياسية مستمدة من سلطة مقدسة متعالية غير قابلة للمناقشة والمراجعة.

إذا كانت الديمقراطية في معناها الأصلي تعني حكم الشعب، فإن استبعاد السلطة الدينية يصبح أمرا لازما لتحققها، ذلك لأن مبدأ الحرية في ظل الديمقراطية ـ كما يقول محمد محمود ـ يسمح بحرية التدين مثلما يسمح بحرية عدم التدين ويساوي بين كل الأديان من غير تفضيل أو تمييز وهو الأمر الذي لا يتحقق إلا في ظل العلمانية.

لا بد من الإشارة في هذا الإطار إلى أمر في غاية الأهمية حول العلاقة بين الديمقراطية والعلمانية، ففي حين أن العلمانية كما أشرنا آنفا تعتبر أمرا لازما لتحقق الديمقراطية، أي أن النظام الديمقراطي لا بد أن يكون علمانيا بالضرورة، إلا أن العكس ليس صحيحا تماما، حيث أنه من الممكن أن يكون النظام العلماني ديكتاتوريا مستبدا، ويجدر بنا في هذا الخصوص الإشارة إلى تجربة الاتحاد السوفيتي السابق والصين وكوبا.

مضت دعاية الإسلام السياسي بعيدا في تشويه معنى مفردة العلمانية بحيث أنها صورتها ككلمة مرادفة للإلحاد ومحاربة الدين​

قصدت من هذا الاستطراد القول إن حديث الأمين العام لهيئة علماء المسلمين بالسودان لم يخرج عن الإطار الذي تم فيه التعامل مع قضية العلمانية في المجتمعات الإسلامية منذ قرنين، ويفاقم من وطأة الأمر أن ما يدعو له تيار الإسلام السياسي بمختلف مكوناته يمثل العقبة الكؤود في سبيل ولوج الحداثة من أجل اللحاق بركب الأمم التي تقدمت بفضل تبني الديمقراطية التي كما قلنا إن بناءها لا يكتمل إلا عبر العلمانية السياسية.

ذلك لأن الإسلام السياسي ـ على سبيل المثال ـ لا يعترف بحكم الشعب إذ أن مصدر الشرعية لديه هو الله ولذلك يدعو لتطبيق الشريعة الإسلامية (الحدود)، وهو كذلك لا يسمح لغير المسلم أو المرأة بتولي القضاء أو الولاية الكبرى (الرئاسة)، كما أنه ينادي بعودة الخلافة الإسلامية التي تقوم على رابطة الدين ولا يعترف بالدولة الوطنية.

إن الأمثلة أعلاه مما تتضمنه دعوة تيار الإسلام السياسي تبين بجلاء تعارضها مع أسس الدولة الديمقراطية الحديثة التي تعتبر الشعب مصدر الشرعية وتنبني فيها الحقوق والواجبات على أساس المواطنة التي تساوي بين جميع مواطنيها بغض النظر عن دينهم أو جنسهم كما أنها تطبق القوانين المدنية وليس الدينية.

بناء عليه فإن أي تقريظ للعلمانية يصدر عن الأفراد أو الجماعات الممثلة لتيار الإسلام السياسي يعتبر مجرد هُراء (كلام بلا معنى) إذا لم تصاحبه تغييرات حقيقية في المفاهيم والأفكار الأساسية التي يتبناها ذلك التيار، وفي مقدمتها الادعاء بأن الإسلام بطبيعته دين شامل لا يمكن فصله عن الدولة كما حدث في الديانة المسيحية.

نُشر في صفحة الحرة