واقع المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية وتحدياتها

مسار المفاوضات الحالي عبر لجنة "الميكانيزم" يُعتبر إطارًا تهدف إسرائيل من خلاله إلى التوصل إلى مسائل محددة لطالما سعت إليها، من بينها التوصل إلى اتفاقية سلام وتطبيع كامل.

تُعتبر المفاوضات وجهًا من وجوه الحلول الممكنة بين الدول، وعادة ما تأتي بعد نزاعات وصراعات ممتدة، تُستعمل فيها وسائل مختلفة، وهي غالبًا ما تكون نتاجًا لتوصل الأطراف إلى قناعة تامة بجدوى المفاوضات، أو تُفرض عنوة بعد فرض موازين قوى جديدة، تُستعمل لفرض مسارات متنوعة لتحقيق ما عجزت عنه مسارات النزاع.

وتكتسي المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية واقعًا خاصًا، نظرًا للظروف الذاتية والموضوعية التي يعيشها لبنان؛ فعند التدقيق نجد أن الموضوع لم يكن سهلًا ولا يخضع لقوانين محددة متعارف عليها بين الدول، وإنما تتداخل فيه ظروف داخلية مؤثرة باتجاهات مختلفة، إما داعمة وإما رافضة، على خلفيات متعددة، منها الأيديولوجي، ومنها تحالفات خارجية لأطراف داخلية لبنانية، ومنها، في الجهة المقابلة إسرائيليًا، ارتباطها ببرامج وطروحات استراتيجية يفوق حجم آفاقها وتداعياتها قدرة لبنان على استيعابها وتحمل نتائجها.

وفي الواقع، لا تُعتبر المفاوضات القائمة حاليًا بين لبنان وإسرائيل مسألة مستجدة، بل لها سوابق ممتدة، بدايتها بعد الحرب العربية – الإسرائيلية الأولى في العام 1948، والتي أدت بلبنان إلى توقيع اتفاقية الهدنة في مارس/آذار العام 1949، التي رعاها مجلس الأمن، وأنتجت اتفاقية خضعت للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، والتي ظلت حتى اليوم، بشكل عام، قاعدة يرتكز عليها لبنان في أي إطار للمفاوضات؛ علاوة على بيئات تفاوضية لاحقة أُجريت بين الطرفين اللبناني والإسرائيلي بظروف مختلفة، من بينها مفاوضات العام 1983 التي أُجريت بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في يونيو/حزيران العام 1982، والتي أنتجت اتفاقية 17 مايو/أيار، التي عادت وأُلغيت في العام 1984 من الجانب اللبناني وبنتيجة ضغوط سورية آنذاك.

لقد شكّل انهيار الاتحاد السوفياتي مناسبة للمضي في مسارات تسوية في الشرق الأوسط، حيث انطلقت مفاوضات مباشرة في إطار فعاليات مؤتمر مدريد للسلام، الذي أنتج اتفاقيات سلام بين إسرائيل والأردن والسلطة الفلسطينية، فيما لم تصل المفاوضات مع الجانبين اللبناني والسوري إلى نتائج محددة، وتوقفت المفاوضات بعد رعاية أميركية، فيما ضغطت إسرائيل لمتابعتها عبر عمليات عسكرية واسعة في لبنان، من بينها في العامين 1993 و1996، التي أنتجت هذه الأخيرة اتفاقًا سُمّي تفاهم نيسان، الذي وضع إطارًا لإدارة الأزمة وليس حلًا شاملًا بين لبنان وإسرائيل.

محطة أخرى من التفاوض بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي أدّت في العام 2022 إلى اتفاق حول ترسيم الحدود البحرية على قاعدة تقاسم الموارد الغازية والنفطية في المياه الإقليمية والاقتصادية لكلا الطرفين، وقد حُدّدت ورُعيت من قبل الولايات المتحدة الأميركية. إلا أن حرب غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وانهيار النظام السوري في ديسمبر/كانون الأول 2024، والحرب على لبنان، أعادت خلط الأوراق من جديد بين لبنان وإسرائيل، ما أدّى إلى انطلاق مفاوضات لبنانية – إسرائيلية مباشرة عبر لجنة "الميكانيزم"، التي ضمّت أيضًا كلًا من الولايات المتحدة وفرنسا والأمم المتحدة عبر اليونيفل. وهي مفاوضات انطلقت في إطار تقني، ما لبثت أن تحولت إلى مفاوضات سياسية بعد ضغوط إسرائيلية، حيث أُدخل في عدادها مفاوضون مدنيون – دبلوماسيون من الطرفين اللبناني والإسرائيلي.

يُعتبر مسار المفاوضات الحالي عبر لجنة "الميكانيزم" إطارا تهدف إسرائيل من خلاله إلى التوصل إلى مسائل محددة لطالما سعت إليها، من بينها التوصل إلى اتفاقية سلام وتطبيع كامل، وهو أمر حاذره لبنان سابقًا نتيجة ظروفه الداخلية والخارجية، ويبدو أنه مضطر اليوم للتعامل مع مفردات المفاوضات بطرق مختلفة عن السابق نتيجة المتغيرات التي فرضتها إسرائيل.

في الواقع، ثمة تحديات كثيرة تواجه المفاوضات، وبخاصة الجانب اللبناني، حيث يخضع لضغوط متعددة الأوجه والمصادر، وهو مطالب بالسير في مفاوضات منتجة وقابلة للحياة كما تريدها إسرائيل، في وقت لا يملك لبنان أوراقًا ذات شأن قابلة للبناء عليها، سيما وأن الواقع اللبناني الحالي صعب جدًا، فهو يرزح تحت ضغوط العمليات العسكرية الإسرائيلية، والضغوط الدبلوماسية الإقليمية والدولية للمضي في مسار تفاوضي محدد الأهداف.

إن مجرى المفاوضات الحالي يخضع لمتابعة دولية دقيقة، دون قدرة لبنان على التأثير فيه، فمن المعروف أن أسس أي تفاوض مؤثر بين الأطراف تخضع لميزان القوى العسكرية والسياسية والاقتصادية وغيرها من المقاييس، الأمر الذي يفتقده لبنان حاليًا، وهو غير قادر فعليًا على التأثير في مجرياته عمليًا، وبالتالي مضطر للسير وسط مصاعب تتطلب حذاقة تفاوضية وتواصلًا فاعلًا مع القوى الدولية التي يمكنها مساعدته، وهو أمر مفقود حاليًا بفعل شبكة التحالفات التي تقيمها إسرائيل وتفرضها مع معظم الدول الفاعلة إقليميًا ودوليًا.

لا شك أن الزلزال السوري أنتج وضعًا معقدًا في الشرق الأوسط، وبخاصة على الواقع اللبناني، الذي يعاني عمليًا وفعليًا من مخاطر وجودية في ظل المشاريع المطروحة إقليميًا، وبالتالي هو بحاجة إلى أوراق تفاوضية وتحالفات إقليمية ودولية داعمة له في ظل ضغوط غير مسبوقة، وهي من النوع الذي يصعب على الدول تجاوزه دون نسج خيوط ومسارات ذات شأن في التأثير على أطراف المفاوضات الفعليين.

إن الواقعية السياسية تفترض من الجانب اللبناني التفكير مليًا فيما يجب فعله حاليًا، فسبل التفاوض الحالية باتت أمرًا واقعًا لا خيار للبنان في عدم المضي فيه، سيما وأنه يخضع حاليًا لضغط المهل الزمنية التي باتت ضيقة جدًا ولا تحتمل الإفراط في الامتناع عن اتخاذ المواقف والقرارات المصيرية.

فلبنان عمليًا منهك اقتصاديًا، ويعاني من مصاعب مصيرية في التوزيع الديموغرافي الحالي، حيث إن مجموع اللبنانيين المقيمين ليسوا أغلبية، بل باتوا أقلية، إلى درجة يُعتبرون جالية لبنانية في لبنان، تحت تأثير النزوح واللجوء السوري والفلسطيني، الذي بات أمرًا يهدد الكيان اللبناني، ويُلقي مصاعب كبيرة على وضعه التفاوضي ومصيره مستقبليًا، إضافة إلى الانقسام العمودي الذي يقسم اللبنانيين ويفرّق فيما بينهم في قراءة القضايا المصيرية الكبرى. كل ذلك يُلقي بظلاله الكثيفة على الواقع اللبناني، الذي لديه خيارات متاحة بمستوى لا يريح وضعه الإقليمي مستقبلًا؛ لذا على لبنان التفكير مليًا فيما يجري حوله وفيه، وبالتالي اتخاذ قرارات ومواقف واقعية تخفف قدر الإمكان من المخاطر التي تواجهه، ومن بينها المخاطر الوجودية، حيث لا تستطيع دول كبرى مواجهة مثل تلك المخاطر، سيما وأن نتائج تبدّل موازين القوى في الحروب عادة ما تُنتج وقائع صعبة جدًا على الدول الخاسرة في الحروب.