واقع مفقود وماض حاضر في 'شذرات'

فيلم المخرجين جنان فاتن محمدي وعبد الإله زيراط تتقاطع فيه الذكريات الفردية والجماعية في شبكة سردية تكشف الحب والفقد والهوية الثقافية من خلال لغة الصورة وجمالية الذاكرة المنسية.

تدور أحداث الفيلم السينمائي المغربي "شذرات" للمخرجين جنان فاتن محمدي وعبد الإله زيراط حول ثلاث حكايات مترابطة تستكشف الذاكرة، الحب، الفقد، والندوب النفسية للماضي، إذ تتبع الحكاية قصة "غيثة"، مغنية ملحون مشهورة في مكناس، التي تبدأ بفقدان ذاكرتها نتيجة الزهايمر، فيما يحاول زوجها "حسن"، عازف الكمان وقائد الأوركسترا، مساعدتها على مواجهة تراجع الذاكرة والارتباط بالماضي، وتتشابك قصص الشخصيات الأخرى، مثل صديقتها "رحيل"، آخر امرأة يهودية في المدينة القديمة، وابنها "كريم"، وابنة القائد المحارب "أمل"، في فضاءات مغربية متنوعة بين مكناس والرباط وإفران، لتخلق شبكة سردية غنية تكشف تدريجيًا الأسرار المكبوتة والعلاقات المعقدة بين الماضي والحاضر.

الفيلم من سيناريو جنان فاتن محمدي، وبطولة كل من خلود البطيوي، أيوب ليوسيفي ،سارة برليس، إسماعيل قناطير، سليمة بنمون، سعيد امل، وئام شباط علمي ، ياسين هواري، رجاء الفقير، توفيق السلامي، حياة فوزي، هشام الإبراهيمي

ويُعرض الفيلم ضمن المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة في الدورة 25 للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة.

يعتمد السيناريو على فكرة ذكية تقوم على تشابك الذاكرة الشخصية والجماعية، حيث يفقد الجمهور جزءًا من الأحداث ليكتشفها تدريجيًا مع الشخصيات، مثل غيثة التي تفقد ذاكرتها بسبب الزهايمر. هذه الطريقة تمنح النص بعدًا تفاعليًا للمشاهد، إذ تتحول متابعته للفيلم إلى عملية إعادة بناء الذاكرة وربط الماضي بالحاضر. كما يظهر السيناريو حساسية عالية في اختيار الشخصيات التي تمثل رموزًا اجتماعية وتاريخية، مثل رحيل آخر امرأة يهودية في المدينة القديمة، والقائد المحارب الذي يبرز انعكاسات الصدمات الحربية على النفس البشرية.

ويستند السيناريو إلى مفهوم الذاكرة التفاعلية في علم النفس المعرفي، حينما يوضح طرق تتداخل فيها الذكريات الشخصية مع الأحداث الجماعية والتاريخية. في مشهد "رحيل" تكشف ل"غيثة" أن "عمر" عاد بعد الحرب ليجدها حاملًا من "حسن"، وهذا يبرز  قدرة السيناريو على تقديم صراع نفسي معقد باسلوب جميل، وحوار مقتضب وتعبيرات الدقيقة معبرة. وهذه الطريقة تكشف دراسة ذكية للطابع النفسي للشخصية في مواجهة الفقد والخيبة، وهو ما يمكن ربطه بنظرية الهوية المتعددة في علم النفس الاجتماعي، إذ تتقاطع ذاكرة الفرد مع الهويات المتعددة التي يكتسبها من بيئته وثقافته.

ويعتمد الإخراج على بنية بصرية محكمة، حينما تُصبح كل لقطة وحدة سردية قائمة بذاتها. في مشهد "غيثة" تغني الملحون في بيتها القديم بينما يتحرك حسن ببطء مع كمانه، تمزج اللقطات المقربة التي تركز على تعابير الوجه الدقيقة مع اللقطات الواسعة التي تظهر المكان والزمن، يعبر بكل بساطة  عن الارتباط النفسي للشخصية بالفضاء.

ويمكن ربط هذا التحليل بمبادئ علم الاجتماع البصري، عندما تبرز متتاليات المشاهد تعبير المكان عن الحالة النفسية، والعزلة الاجتماعية، والفقد، وهذا يجعل المتلقي يتفاعل مع المشهد على مستوى عاطفي وذاتي. فالحركة البطيئة للكاميرا تتيح التأمل في التفاصيل الدقيقة، مثل ارتجاف اليد أو النظرات المترددة، والتي تكشف بكل بساطة التوتر النفسي للشخصية التي تعاني في صمت.

ونكتشف لغة الصورة  عند نقل الحالات النفسية، مثل مشهد رحيل تغلق النوافذ القديمة على المدينة العتيقة قبل مرور الرياح، فالألوان الدافئة للماضي تتباين مع ألوان الحاضر الباردة، لتوضح التناقض بين الذاكرة المشرقة والحاضر المتلاشي، بينما يبرز هذا الاستخدام المتميز  في الصورة كلغة سينمائية ما يمكن اعتباره تطبيقًا عمليًا  لجماليات الصورة، خاصة عندما تُصبح الصور أداة مباشرة للتأثير العاطفي، وتتجاوز وظيفة التزيين لتكون لغة سردية رئيسية تبين العزلة، الفقد، والمعاناة في صمت.

ويمثل أداء خلود البطيوي حالة الزهايمر بطريقة دقيقة وحساسة، مثل مشهد ابتسامتها المفاجئة أثناء تذكر أغنية قديمة ثم انهيارها عاطفيًا. فالأداء يعتمد على التباين بين الوضوح والفقد، ويوضح صراع الشخصية مع ذاكرتها، بينما يقدّم إسماعيل بو القناطر أداءً دقيقًا في مشهد محاولته مساعدة غيثة على التذكر مع الكمان، كونه يجسد الصبر، الحب المكبوت، والصراع النفسي مع الماضي، حينما يدمج الممثل بين الإدراك العاطفي للشخصية والتفاعل الواقعي مع البيئة المحيطة.

ويمثل الفيلم نموذجًا للهوية المغربية من خلال الزمان والمكان، الأكسسوارات، الملابس، وفن الملحون. فمشهد غيثة تغني الملحون في الفناء الداخلي مرتدية جلابية تقليدية وحسن يحمل كمانه المزخرف، ويعكس أصالة المكان والهوية المغربية. فإدماج الملحون كأداة سردية يعزز الترابط بين الذاكرة الفردية والجماعية، ويبين إلى أي حد يمكن للثقافة الموسيقية أن تُصبح عنصرًا فعالًا في بناء السرد السينمائي، وهو ما يرتبط بدراسات الأنثروبولوجيا الثقافية والهوية الموسيقية وعلاقتها بمشاعر الانسان وذاكرته.

وبدأ الفيلم بإيقاع تصاعدي متوازن، كما يبين في مشهد اللقاء الأول بين أمل وكريم أثناء السفر، فتتشابك الحكايات وتخلق توترًا دراميًا مستمرًا، بينما في نصف الساعة الأخيرة، يُلاحظ تراجع الإيقاع، خاصة في مشهد استرجاع الذكريات مع انتقال الكاميرا بين الماضي والحاضر، فطول المشاهد وتكرار الأحداث أضعف ايقاع تسلسل الاحداث التوتر، وهذه مغامرة  قد تخلق شعورًا بالرتابة والمتاهة الزمنية، وهو تحدٍ متكرر في أفلام معالجة الذاكرة المعقدة، ويستحق الدراسة في تحليل الإيقاع السردي في السينما الحديثة.